أفق لا تبشر ملامحه بالحرية والخلاص

قد يظهر في الأفق العربي من حين إلى آخر ما يمكن أن يبشر بالخلاص، وبالحرية، وبالأمان، وبالعيش الكريم إلاّ أنه سرعان ما يخبو وينطفئ ليخيّم الظلام مرة أخرى، ويسكن التشاؤم والخوف القلوب والنفوس من جديد.
الأربعاء 2018/02/28
الخروج من دائرة الخوف

منذ مدة انتظمت في فرنسا ندوة فلسفية كان موضوعها على شكل سؤال: ممن نحن خائفون؟ وقد شارك في تلك الندوة فلاسفة ومثقفون أجابوا على السؤال المذكور بطرق مختلفة ومتعددة.

والحقيقة أن العالم يعيش راهنا مخاوف مفزعة لا تختلف كثيرا عن تلك التي عاشها في الثلاثينات من القرن الماضي عندما استغل الفاشيون في إيطاليا، والنازيون في ألمانيا الأزمة الاقتصادية العالمية، وتبعات الحرب الكونية الأولى ليجرّوا الشعوب والأمم إلى حرب جديدة.

في تلك الفترة كتب الألماني برتولد برخت مسرحيته الشهيرة “الخوف الكبير وبؤس الرايخ الثالث” مجسّدا من خلالها المخاوف التي استبدت بالناس في ظل نظام دكتاتوري، جعلهم يفقدون توازنهم، ويغرقون في الشكوك وفي الظنون، فما عاد أحد يثق في أحد خصوصا بعد أن تبيّنوا أن الابن يمكن أن يشي بوالده أو بأخيه أو بأمه لكي ينقذ نفسه من عقاب وشيك. وقبل برتولد برخت، كان الفرنسي توكفيل قد تحدث عن الخوف الذي يهدد الديمقراطيات الناشئة. وهو خوف “غامض” يكبّل المجتمعات، ويجعلها عاجزة عن تحديد مصدره أو سببه. لذلك تسارع القوى المعادية للديمقراطية باستغلال هذا الخوف لتبسط نفوذها على البلاد والعباد. وهذا ما فعلته جلّ الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية. وقد كتب توكفيل يقول إن الشعوب حين تيأس من أن تكون حرة، تصبح راغبة في أن ترمي بنفسها في أحضان من يزعم أنه قادر على إنقاذها من الخوف، ومن الأزمات التي تتخبّط فيها.

وعبر التاريخ اتخذ الخوف أشكالا مختلفة ومتعددة. ففي القديم كان الناس يخشون الكوارث الطبيعية، مثل الفيضانات والزلازل والعواصف الشديدة. كما كانوا يخشون الأوبئة التي تحصد أرواح الناس بأعداد وفيرة، والطغاة الجبابرة الذين يسلطون عليهم مظالم قاسية، ويجبرونهم على القيام بأعمال مضنية تقتل الكثيرين منهم، أو تحوّلهم إلى كائنات محطمة ومشلولة تعيش على هامش الحياة. وحتى عندما لجأوا إلى الأديان بحثا عن الأمن والأمان والطمأنينة، لم يتخلص الناس من الخوف، لأن الأديان تحذرهم من عذاب جهنم في العالم الآخر جزاء ما يقترفونه من أخطاء ومن ذنوب على وجه الأرض.

ولا يزال الخوف مسيطرا على الناس في جميع أنحاء الأرض. وهو لا يزال يهددهم بقطع النظر عن جنسياتهم وعن أديانهم وعن مراتبهم الاجتماعية. فالكوارث الطبيعية لا تزال مدمرة وقاتلة مثلما كان حالها في الزمن القديم. وحتى هذه الساعة عجز العلم عن اكتشاف أدوية لمرض السرطان الذي يفتك بحياة الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم. وفي العديد من البلدان الأفريقية، يواجه الناس المجاعات والأوبئة الخطيرة.

ولعل العرب هم أكثر شعوب الأرض تعرّضا للخوف راهنا. فقد عجزوا إلى حدّ هذه الساعة عن التخلص من الأنظمة المستبدة والظالمة. فإن هم تخلصوا من نظام سيء وفاسد، جاءهم نظام أشد سوءا وفسادا من سابقه. وعوض أن يكون الدين رحمة وسلاما، بات بسبب الحركات الأصولية المتطرفة، يرهبهم ويهددهم، ويقتلهم محوّلا حياتهم إلى جحيم يومي، ومشوّها صورتهم في جميع أنحاء العالم. كما أن الحركات الأصولية أغرقتهم في حروب ونزاعات داخلية مريرة لن يكون الخلاص منها وشيكا، ولا يسيرا.

وقد يظهر في الأفق العربي من حين إلى آخر ما يمكن أن يبشر بالخلاص، وبالحرية، وبالأمان، وبالعيش الكريم إلاّ أنه سرعان ما يخبو وينطفئ ليخيّم الظلام مرة أخرى، ويسكن التشاؤم والخوف القلوب والنفوس من جديد. وهذا كان حال العرب مع “ربيعهم” الذي انتظروه طويلا إلاّ أنه سرعان ما تحوّل إلى شتاء مفزع ومريع ومقفر من الأمل ومن السلام والطمأنينة.

15