أفكار للجنة الدستور في ليبيا

الخميس 2014/09/25

منذ الأيام الأولى لانتخاب لجنة صياغة الدستور بأعضائها الستين، ثمة شعور بالارتياح لدى الشارع الليبي، عن أسلوب أداء اللجنة، والبرنامج الذي اعتمدته لعملها، والتجانس والانسجام الموجود بين أعضائها، وخلو اللجنة من أجندات حزبية، أو إملاءات خارجية، عاكفة على عملها دون ضوضاء، وقد استحدثت عدة وسائل ووسائط للتواصل مع الجمهور، وتحسس ما يريده الليبيون من دستورهم الجديد.

وقد أنشأت اللجنة موقعا على الإنترنت لتلقي إجابات الناس على بعض ما تطرحه من استفسارات، كما استخدمت وسيلة الاتصال المباشر بكثير من مناطق ليبيا وإرسال بعض أعضائها إلى المناطق التي ينتمون إليها، لعقد لقاءات ومؤتمرات يناقشون فيها مطالب الناس من اللجنة.

وسأحاول هنا وبقدر ما تتيحه المساحة الممنوحة لهذا المقال، إبداء بعض الملاحظات والاقتراحات، راجيا أن تتسع لها صدور أعضاء اللجنة، وأعتقد أن السؤال الأول الذي يواجه لجنة صياغة الدستور، والذي واجه كل لجان الصياغة لكل ما سبقت صياغته من دساتير في الأقطار العربية الإسلامية، خاصة بلدان الربيع العربي التي سبقت ليبيا في إنجاز دساتيرها مثل مصر وتونس، وقبلهما العراق، هو سؤال الدين الإسلامي وموقعه في الدستور.

وفي هذا السياق فإن دستور المملكة الليبية الذي رافق ميلاد دولة الاستقلال عام 1951، تحت قيادة شيخ الطريقة السنوسية الملك إدريس السنوسي، قد جاء مؤكدا لهوية البلاد الإسلامية، بإيجاز واختصار ناصا في إحدى مواده الاستهلالية على أن “دين الدولة هو الإسلام”، وجاء هذا التأكيد في وقت كانت فيه البلاد تعجّ بجماعات ذات أصول إثنية ودينية مثل اليهود والإيطاليين، وهي مادة تصلح أن تستعين بها لجنة الدستور وتعيد استخدامها في الدستور الجديد.

وبعد هذا التأكيد الذي لا وجود لأي خلاف عليه، تأتي تفريعة أخرى تتصل بالدين والكيانات السياسية، ولعل الرأي الرائج في أغلب بلاد المسلمين، أن فصل الدين عن السياسة لا يعني فصله عن الحياة، والمادة الأولى التي نصت على الدين باعتباره دين الدولة، تعني أنه مصان ومحفوظ بكل مؤسساته ومفرداته، وأن الدولة تلتزم بتطبيقه في المعاملات الاجتماعية، مثل الميراث والزواج والطلاق، وتتعهد بتوفير المساجد، وإدخاله في المناهج وحضوره في وسائل الإعلام والثقافة، إلا أن الممارسة السياسية تبقى شيئا آخر، إذ تقتضي الحرص على صيانة الدين من أن يكون لعبة ووسيلة تسلق وتجارة.

ومن هنا فإن المادة التي عالجت هذا الموضوع في الدستور المصري الجديد هي نفسها التي تكررت في أغلب الدساتير، وهي التي يمكن أن تستفيد بها لجنة صياغة الدستور الليبية، إذ تقول المادة الخاصة بهذا الموضوع “للمواطن حق تكوين الأحزاب السياسية بإخطار ينظمه القانون، ولا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أساس ديني أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل”، وهي فيما أرى صيغة محكمة تقطع الطريق على التلاعب بالدين وتحريك النعرات الإثنية، أو زرع بوادر الفتنة القائمة على العرق أو الدين أو اللون، أو غيرها من أنواع التفرقة.

نقطة أخرى ألفت لها عناية أعضاء لجنة الستين، تتصل بمكتسبات العصر الحضارية، التي جعلت عصرنا الحاضر يختلف عما قبله من عصور، بما توفر فيه من فتوحات في مجالات العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، ربما تعادل كل ما تحقق للبشرية منذ فجر التاريخ، ولا نريد لبلادنا التي تحتل هذا الموقع من العالم، والتي تتمتع بأكبر شاطئ يطل على بحر الحضارات القديمة والحديثة، البحر الأبيض المتوسط، أن تحرم نفسها من هذه المكتسبات، أو تعزل شعبها عن الانتفاع بثمار العقل البشري وما أتاحه لأبناء هذا العصر، وذلك بأن نربط أنفسنا بهذه الفتوحات وهذه المنجزات وهذه الثمار.

وقد حرصت هيئة الأمم المتحدة على توثيق وتثبيت كل هذه الفتوحات في وثائق جاءت نتيجة مؤتمرات عالمية، مثل مؤتمرات عقدتها عن الأرض والبيئة والمناخ، ومؤتمرات عن صحة المجتمعات والإنسان، ومؤتمرات عن السلام العالمي، ومؤتمرات عن المرأة، ومؤتمرات عن الطفل، ومؤتمر عن الإعلام المسمى أصوات متعددة، ومؤتمرات عن الثقافة والهوية، ومؤتمرات عن حقوق الإنسان تجسدت بعض نتائجها في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

وما اقترحه في هذا السبيل هو مادة يتضمنها الدستور الليبي، تنص على أن هذه المواثيق الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة إنما هي جزء من الدستور الليبي ولموادها وأحكامها قوة مواد الدستور.

ويمكن، ردا على بعض الأصوات التي تخشى أن تتضمن هذه المواثيق شيئا قد لا يكون متوافقا مع بعض القيم الدينية الإسلامية، تلافي مثل هذا اللبس، باستدراك تتضمنه هذه المادة المعنية بتفعيل مواثيق الأمم المتحدة واعتبارها جزءا من الدستور يستثني ما يخالف مخالفة صريحة تعاليم الشريعة المحمدية وقيم الدين الإسلامي الحنيف.

هناك موضوع آخر لا أعلم الكيفية التي وصلت إليها لجنة الدستور في معالجته، لأنه يجب أن يسبق طرح الدستور على الاستفتاء، هو شكل الدولة، لأن هناك حراكا سياسيا كبيرا يطالب بعودة الشكل الملكي، يعارضه حراك آخر، يرى أن الشعب الليبي تجاوز مرحلة النظام الملكي، ويجب أن يحتذي حذو أغلب شعوب العالم التي اعتمدت النظام الجمهوري، وهذا النظام له تطبيقات كثيرة بينها الرئاسي وبينها البرلماني، ولابد أن تصل لجنة الدستور إلى صيغة لاستفتاء الشعب الليبي على أحد هذه الأشكال للدولة، قبل إنجاز الصيغة النهائية للدستور وعرضها على الاستفتاء.


كاتب ليبي

8