أفكار وتساؤلات في يوم الترجمة العالمي

الأحد 2017/10/01

غداً الثاني من أكتوبر يوم مميز يحتفل فيه العالم بظاهرة تمسّ الحياة المعرفية لسائر البشر، وتنعكس آثار هذه الظاهرة ومنجزاتها على العلاقات بين سائر البشر. ظاهرة الترجمة، وغدا هو يوم الترجمة العالمي.

ومن تجربة شخصية مع إحدى الجهات المهتمة بترجمة كتاب لي إلى لغة أجنبية، وخلال الحديث مع المترجم المكلف بنقل النص العربي إلى اللغة الأخرى، أُثيرَت لديَّ تساؤلات شتى حول بنية النص المترجَم وطبيعة المشكلات التي واجهت المترجم، ومدى تطابق النص المترجم مع النص في لغته الأم.

إن عملية الإبداع تُبنى وتُمأسَس كالبيت تماماً فخطواتها تعتمدُ في جوهرها على تطور المكنَة الكتابية، كذلك فعل الترجمة والنقل بين الآداب، فالترجمة، بداهة، جسرٌ ثقافي يُعرِّفني بالآخر ويبني معه مجموعة من العلاقات بناء على الصورة التي يقدِّمها له الأدب. لكن هل يستطيع الآخر رؤيتي خارج الصورة النمطية التي بناها في الأصل عنّي ضمن مُعطَيات ومُخرَجات تاريخية طويلة تلقَّاها ضمن صناعة الوعي الخاص به، سواء خلال العملية التعليمية أو من خلال التثاقف المتاح له مع الثقافات الأخرى ومنها العربية.

بدوري هل أستطيع كقارئ عربيٍّ أنا الآخر أن أتخلَّصَ من مواقفي الأوليَّة “تاريخية، أخلاقية، سياسية” حين أتلقى أدب الآخر المنقول إلى لغتي؟

يقودنا هذا السؤال إلى سؤال آخر حول ترجمة عبارة “السلام عليكم” أو “الله أكبر” أو “الحمد لله”، هذه العبارات تحمل في جوهرها سحر الشرق بعيداً عن أيّ بعد ديني، إنها ارتكاز ثقافي هام في الوعي الجمعي وهي عبارات مطَّاطة تحمل معاني عدة في ذات الوقت وتتَّصِل في بعض مواقف نطقِها بنبرة الصوت وموقف القول، فالترجمة في عمقها في هذه الحالة تتصل بالهوية التي يتم النقل منها.

ترجمة الأدب (تخطيط: ساي سرحان)

بدهي أن الهوية الثقافية لا تتوقف عند اللغة فهي تتصل بالسلوك ونمط التفكير العام والخاص الذي يشكِّل الشخصية الثقافية الساعية إلى تحقيق نوع من التواصل بين المجتمعات وثقافاتها، والتاريخ يحتفظ لنا بمراجع عديدة مبكّرة حول عمليات التناص في الأدب العالمي، بل إن الروايات الدينية الثلاث السماوية تجتمع في جوهرها بقصص أساسية تقوم على وجود رجل وامرأة سكنا الجنة ثم خرجا منها بسبب غواية المرأة للرجل بقطف الثمرة المحرَّمة، كذلك قصة الطوفان العظيم الذي اجتاح الأرض وغيَّر بنيتها الجغرافية وخروج زوجين من كل نوع حيّ إلى ظهر السفينة لضمان استمرار الحياة على الأرض.

أيضاً تظهر قصة الرجل الذي قبَع في قلب الحوت وسيرة الطفل الذي رمَته أمُّه بالتابوت في النيل، كذلك الرجل الذي يُعيد الصحة إلى الأكمَه والأبرَص والأعمى. هذه القصص والروايات الكبرى ساهمَت مبكراً وإلى حدٍّ كبير في صناعة المشترك في الهوية الثقافية لإنسان الكوكب، ولدى فحصها نجد أنها نسخ أيقونية تكاد تكون متطابقة في الثقافات التي تؤمن بالأديان السماوية الثلاث.

في الحالة الأدبية هناك مشتركات وعناصر دالة على سفر الأفكار والموضوعات من ثقافة إلى ثقافة فروبنسون كروزو نجده قبلاً عند ابن طفيل ونجد أثراً من رسالة الغفران للمعري عند دانتي في الكوميديا الإلهية.

والسؤال الجانبي الذي يطرح نفسه هو: هل ستبقى الأسبقية التاريخية للإبداع الأدبي فيصلاً في قيمة الأدب وفي عملية التثاقف والنقل أو الترجمة، بينما نحن نعيش في عالم مفتوح على مصادر المعلومات المختلفة، على نحو لا تعود فيه أيّ أسبقية لثقافة على ثقافة في إبداع الموضوعات الكبرى؟

نتفكر في الترجمة بوصفها إمكانية تحيط بجملة واسعة من القضايا المشتركة وباعتبارها عملية أساسية لا يمكن أن تتوقف بين المجتمعات المختلفة وباعتبارها أيضاً واجهة يتم من خلالها تصدير هوية أمّة إلى الأمم الأخرى.

والسؤال الآن، ما الذي يحكُم اختيار نص ما دون غيره لينتخب من بين نصوص أخرى من جنسه ويعتمد فيأخذ طريقه إلى الترجمة؟ هذا السؤال يفتح الباب على أسئلة أخرى أكثر عمقاً حول جديَّة وجودة الأعمال المترجمة من العربية إلى غيرها وبالعكس، إنّ متابعة واقع الترجمة على الأقل عربياً تقودنا إلى فهم آلية صناعة الشاعر النجم أو الكاتب النجم من خلال تصديره على أنه متفرِّد في لغته الأم بإبداع لا يدانيه أحد غيره، أو أنه يرتاد عوالم جذابة، يستنكف غيره من الأدباء الجادين الاقتراب منها، كالحديث عن عوالم الشرق الساحر التي تثير شهية الغرب وتلبّي مخيلته المسبقة المبنية من صور نمطية تقع موضوعاتها في دائرة المشتهيات الإيروسية والمسائل الدينية والإثنية والطائفية. هذا شيء مؤسف، لكنها موضوعات تشكل بعض ما يجذب المترجمين إلى فخ الأدب الرديء وهم يتكفلون بتجميله خلال عملية النقل.

إن تقديم نص ما إلى الترجمة لا يعني أنَّ هذا النص هو فريد من نوعه بل لا بد من النظر إلى جملة من العوامل الموضوعية العامة والذاتية الخاصة التي تتعلق بالكاتب نفسه أو الثيمة التي يعالجها النص ضمن سياقات وظروف قولها أيضاً.

ما سبق يعيد تذكيرنا بأن الترجمة ليست مجرد عملية لغوية بسيطة وإنما هي انتقال فكري عبر وسائل متنوعة الصور وشديدة التعقيد في آنٍ واحد. التجارب تقول لنا إن بالإمكان إعادة بناء النصوص المترجمة مِن العربية وإليها بطرق وإمكانات وطرائق بارعة، ولكن شرط أن يكون الاختيار قيّماً وله مكانته في لغته الأصل.

بعد ذلك، فإن المسألة في الترجمة ليست مجرد نقل النص الأدبي بتعبير أدبي وإنما نقل صيغة ضاربة في ذهنية التلقي الأصلي في اللغة الأمّ إلى صيغة تضاهيها بالمعنى والمبنى عبر اللغة الجديدة وتؤدي وظيفتها الأولى والمُترجمة بشكل متطابق أو قريب حدَّ التطابق من الأصل.

كاتب من سوريا

11