أفلاطون بين الواقعي في قوانينه والمثالي في جمهوريته

الاثنين 2014/09/01
أفلاطون لم يتخلّ يوما عن فكرة الجمهورية الفاضلة

ليس المقصود بـ”أفلاطون الواقعي” المعادي للمثالية التي طالما عرف بها، كيف لا وهو صاحب نظرية المثل والجمهورية الفاضلة وأسطورة الكهف، لكن المقصود ما كان قد طرحه في كتابه “القوانين”، ذلك أن قلة هي التي تعي هذا الجانب لدى أفلاطون، فأهم ما كتبه في مجال السياسة مؤلفان هما: “الجمهورية الفاضلة”، و”القوانين".

تتضح واقعية أفلاطون من خلال ما وضعه في كتابه “القوانين” من قوانين ودساتير محددة، ولكن “ليس بما يجب أن يكون، وإنما مع ما هو قائم في زمانه”. وهي الدولة على أرض الواقع في بلاد اليونان، حيث اعترف تحت سلطة الواقع بإمكانية الخروج عن الإطار العقلاني المحض إلى الواقع العملي والإطار العملي، لكن هنا يكون المشرّع هو الدستور وليس الفيلسوف.

ويبرز لدينا هذا الجانب أكثر إذا ما قارناه بمؤلفه “الجمهورية الفاضلة”، وهو الذي طرح فيه أفلاطون نظريته السياسية على مبدإ “ما يجب أن يكون” كما في طريقة نظريته في المعرفة، أي فكرة قيام الدولة المدنية الديمقراطية على أساس عقلاني بغض النظر عن قابليته للتطبيق.

باختصار أفلاطون في هذا الكتاب سعى إلى أن تكون أفكاره السياسية تتناسب مع ما يعتقد وليس مع ما يمكن تطبيقه واقعيا.

هذا الفرق الظاهر بين كتابه “الجمهورية الفاضلة” ذي الطابع الأخلاقي لما يجب أن يكون وبين كتابه “القوانين” ذي الطابع الواقعي لما هو قائم، هو الذي دفع بعض النقاد إلى الفصل بين مسيرة حياة أفلاطون الفكرية سواء على الصعيد الفلسفي أو السياسي إلى مرحلتين متناقضتين.

الأولى “أفلاطون المثالي” والثانية “أفلاطون الواقعي”، ولكنه فصل سهل النقد، لأنه على الرغم من هذه الواقعية التي أبداها، فإنه لم يتخلّ يوما عن مثاليته وعقلانيته ولا عن فكرة الجمهورية الفاضلة، وإلا لسقطت حجته برمتها في بناء نظرية المثل. ولكن ما دفعه إلى وضع مثل هكذا كتاب مع عدم إيمانه بمثالية هذه القوانين لما يجب أن يكون للمستقبل، ما هو إلا نزول منه للاعتراف بوجود الأمر الواقع.

هذه اللفتة الأفلاطونية الواقعية، هي ما يفتقر إليه الكثيرون اليوم، ولو حاولنا التوضيح أكثر، نجد أن حالة الثورات العربية بما حملته من معاني الحرية والكرامة والمواطنة وتغيير الواقع وما تهدف إليه لما يجب أن يكون عليه المستقبل، تشبه إلى حد ما جمهورية أفلاطون الفاضلة، ففي الحالتين مثالية رائعة قابلة للتحقيق.

أما آن الأوان لصحوة أفلاطونية تغير من شكل الخطاب العالمي والعربي ذي الطابع التقليدي والرديء، المكرر والقاتل، إلى خطاب ينظر إلى الواقع كما هو فعلا، نظرة من خارج الصندوق!!

14