أفلاطون يتجول في أبنية الإدارة الرئيسية لشركة غوغل

الفلسفة تطوّرت كثيرا خلال القرون العديدة، غير أن جانب التطوّر فيها يخالف شكل التطوّر الذي يقترن مع التطوّر العلمي بسبب اختلاف الطريقة والموضوعات.
السبت 2018/12/22
أفلاطون يبعث من جديد

راجت كثيرا مقولة موت الفلسفة منذ هيمنة العلم على مجريات الحياة البشرية، مقولة صارت بمثابة إيمان راسخ ودوغمائي مع تحول العلم إلى النزعة البراغماتية، والتحول البشري إلى المادية الصرفة، ورغم ذلك فإن هذا الإيمان القطعي بعيد عن الصواب إذ لا يملك رؤية ثقافية وفكرية وبعدا جماليا.

 بعد أن أكملتُ قراءة كتاب الروائية والفيلسوفة ريبيكا غولدشتاين الموسوم بـ”أفلاطون في عصر غوغل: لِمَ لن تموت الفلسفة ؟”، وضعت الكتاب جانبا وأنا أتساءل: ما الذي يدفع بعض أكابر العلماء في عصرنا من أمثال الراحل ستيفن هوكنغ إلى الادّعاء بأنّ عصرنا هذا هو عصر موت الفلسفة؟ وهل يتناقض العلم مع الفلسفة تناقضا جوهريا يقتضي أن يفني أحدهما الآخر؟

ينطوي ادّعاء القائلين بوجود صراع جوهري (إذا استخدمنا مفردات مؤرّخ العلم وفيلسوفه توماس كون) بين العلم والفلسفة على خطأ كبير ورؤية مفاهيمية قاصرة، ويمكن تفنيد جوانب ذلك الخطأ في أطروحات محددة.

موت الفلسفة

  تتمحور أولى الأطروحات حول جانب مفاهيمي يختصّ بموضوعة التطوّر الذي صاحب المسيرة العلمية وبخاصة في العلم الفيزيائي، ويرى مناصرو هذه الرؤية أنّ الفلسفة عاجزة عن التطوّر وغير قادرة على الإيفاء بمستلزماته؛ لكن الأمر يبدو مخادعا إلى حدّ كبير، فهل يتجرّأ أعظم موسيقي في عصرنا الحاضر على أن يقول بأنّ موسيقى بيتهوفن، مثلا، قد تمكّن منها الموت؟

 الحقّ أن الفلسفة تطوّرت كثيرا خلال القرون العديدة، غير أن جانب التطوّر فيها يخالف شكل التطوّر الذي يقترن مع التطوّر العلمي بسبب اختلاف الطريقة والموضوعات، ثمّ إنّ كثيرا من التطوّرات العلمية هي بذاتها دافعة لشحذ الكثير من دوافع التطوّر في الفلسفة وبخاصة في حقل علم النفس الإدراكي والحوسبة العصبية والتطوّرات الحديثة في نظرية الكم… وغيرها. وهذه كلّها تطوّرات قلّما ينتبه لها الشخص العادي لأنّها لا تمتلك تمظهرات مادية في الواقع الذي يعيشه المرء بعكس التطوّرات العلمية التي يتعامل معها المرء بمفردات مادية محددة لاتلبث أن تتبدّل كلّ حين.

  ثمّة من يقارب هذه الموضوعة من زاوية براغماتية بحتة؛ فهو يرى أنّ كلّ ما لا يساهم في خلق الثروة وتنميتها ينبغي طرحه جانبا وعدّه اشتغالا غير منتج، وهنا سنواجه هؤلاء بسؤال في غاية الأهمية: هل ترتقي الحياة البشرية بدفع عوامل مادية محضة؟ ماذا سنقول عن الموسيقى والرواية والفنون السينمائية والبصرية… إلخ حينئذ؟

  قد يرى مناصرو النظرة العلمية الراديكالية الخالصة أنّ التطوّرات القادمة في الذكاء الاصطناعي ستعيد تشكيل نظرتنا تجاه العديد من الحقول المعرفية؛ ولكن ينبغي أن يكون واضحا أنّ التغيّرات الحتمية التي ستطال تفاصيل الحياة المستقبلية إنما هي تفاصيل إجرائية ضرورية للتعامل مع التفجّر الكبير الحاصل في طرق إنتاج المعرفة والتعامل مع تأثيراتها المتوقعة؛ غير أن الأمر يختلف عن طبيعة التعامل البشري مع العناصر الوجدانية التي تشكّل جوهرا كبيرا من معنى حياة الكائن البشري.

  حصل في النصف الأول من القرن العشرين أن سعى بعض الفلاسفة لجعل الفلسفة علمية من خلال خلقهم لما سمّي حينها “الفلسفة التحليلية” أو “الوضعية المنطقية”، التي تقتصر على التحليل المنطقي للغة المتداولة، وعدّ هؤلاء الفلاسفة كلّ مسعى فلسفي آخر زيفا خالصا لا يُعتدّ به، لكنّ مبيعات الكتب الفلسفية أثبتت أنّ حوارات أفلاطون ظلّت الكتاب الفلسفي الأكثر مبيعا حتى يومنا هذا بسبب مقاربته للعقل والقلب والروح في توليفة فريدة من نوعها تستعصي على الاندثار.

الفلسفة تطوّرت كثيرا خلال القرون العديدة؛ غير أن جانب التطوّر فيها يخالف شكل التطوّر الذي يقترن مع العلم
الفلسفة تطوّرت كثيرا خلال القرون العديدة؛ غير أن جانب التطوّر فيها يخالف شكل التطوّر الذي يقترن مع العلم

أفلاطون وغوغل

  ريبيكا نيوبرغر غولدشتاين روائيّة وفيلسوفة وأستاذة جامعية أميركية عرفت بأعمالها الروائية التي تثير موضوعات فلسفيّة قديمة أو معاصرة، كما عُرفت بمصنفاتها الفلسفية ذات القيمة المعرفية المشهود لها على الصعيد العالمي.

  كتبت ريبيكا غولدشتاين كتابا مناسبا في توقيت نشره وتناوله لأحوال عصرنا هذا عبر اصطحابنا في جولة نطوف فيها بأرجاء عصر قديم: عصر الإغريق القدماء. تبتغي غولدشتاين من وراء رحلتها هذه أن تستكشف ما الذي يمكن أن تعلّمنا إياه أعمال أفلاطون بشأن الحياة التي تستحق أن تُعاش، وبشأن السياسة، وتنشئة الأطفال، والحب والحنين، والمعرفة والواقع، والدماغ والعقل، والخيريّة والجمال وغيرها.

وقد توفّقت غولدشتاين أيما توفيق في كتابها هذا الذي أراه ملهما في استبصاراته ومهمّا ومتوهّجا بالذكاء، حيث يُعاد بعث أفلاطون في هذا العمل إلى الحياة بطريقة طافحة بالسحر والدهشة، وكتلويحة تحية واجبة له، تمضي غولدشتاين في الدفاع عن الفلسفة والوقوف بوجه من ندعوهم “الساخرين” من الفلسفة، هؤلاء الذين يدّعون في تهوّرهم العجول وغير المتبصر أن الفلسفة لا تنطوي على أي مادة فكرية معتبرة وليس لها من مستقبل مرتجى في خضم سيادة النزعة العلمية المتطرفة.

  يضمّ الكتاب فصولا عدة تحوي مناقشات منظمة ومشفوعة بمواقف تخييلية لأفلاطون وهو يجول في مواقع مختلفة: نرى أفلاطون مثلا في أبنية الإدارة الرئيسية لشركة غوغل وهو يروّج لأحد كتبه، ونراه أيضا في جلسة نقاشية في حي مانهاتن النيويوركي، ونراه مرة أخرى يعمل مستشارا لأحد كتّاب الأعمدة الصحافية الخبراء، ثم نراه لاحقا في جلسة حوارية منقولة عبر أخبار الكيبل، وفي موضع آخر نراه يُجري فحصا دماغيا في أحد مختبرات العلوم العصبية، ولا تتردّد غولدشتاين في توظيف مهاراتها الروائية بما يمنح موضوع الكتاب تأثيرا متعاظما عن طريق تضمين المفاهيم المجرّدة في السرديات الحديثة الصارمة التي يضمّها الكتاب.

    تركز غولدشتاين على روح الثقافة غير الاعتيادية التي سادت أثينا القديمة، وقد أسهبت في وصف الكيفية التي تحدى بها سقراط المفاهيم الأثينية بشأن “ما الذي يجعل الحياة مستحقة للعيش؟”، وميّز سقراط بحدة صارمة بين الفضيلة الأصيلة ومحض امتلاك صيت حسن. ولا يكفي في هذا المقام الاكتفاء بإبداء آيات التبجيل والاحتفاء والاستذكار لشخوص الفلاسفة كما لو كانوا أبطالا محاربين في اليونان القديمة: إنه لأمر في غاية الأهمية أن نعيش حياة نحوز فيها مزايا محمودة، وهذا يعني (من بين أمور عدة) أن المزايا الطيبة والصيت الحسن يمكن مبدئيا أن يتعايشا معا، وتأسيسا على هذا الفهم يمكن لشخص ما أن يحيا حياة خيّرة إلى أبعد الحدود ولا يلقى مع هذا أي إطراء بل قد يتعرّض حتى إلى اللعن والشتيمة.

  مثلما كانت محاكمة سقراط ومن ثم إعدامه الحادثة الهيكلية الأساسية في المحاورات الأفلاطونية، فهي لم تزل أساسية كذلك في كتاب غولدشتاين التي تكتب في موضع ما من الكتاب “يمثّل أفلاطون سقراطا آخر من ناحية حفاظه دوما على مسافة محددة له إزاء أي أزمة شخصية تطاله ويجد نفسه عالقا وسط جحيمها”.

  قد يكون أفلاطون مات منذ ما يزيد على ألفي سنة خلت، غير أنه لا يزال يعيش من خلال إشعاعات فكره النيّر، ذلك الفكر الذي يستعصي على الموت مهما تقادمت الأزمان.

14