أفلام الغموض والتحرّي هي الأكثر قدرة على جذب الجماهير

توليفة متميزة تشتمل على عناصر متعددة تسهم بشكل فاعل في الجمهور الباحث عن الأسرار الكامنة.
الأحد 2021/07/25
أفلام مشوقة يحبها المشاهدون

لا تزال أفلام الغموض والتحرّي تحتل حيزا هاما في مساحات المشاهدة وتجتذب جمهورا واسعا مولعا بأفلام حبس الأنفاس.

وحمل لنا العامان الأخيران عددا مهما من الأفلام التي نالت مساحة عريضة من المشاهدة والاهتمام النقدي على الرغم من تأثر عملية الإنتاج السينمائي على مستوى العالم بتأثيرات جائحة كورونا.

المخرجون والمنتجون الذين خبروا هذا النوع يعلمون جيدا متطلباته ابتداء من مرحلة السيناريو إلى العرض على الشاشة، ولهذا حفلت حتى المنصات الرقمية بهذا النوع من الأفلام ومنحته حيزا جيدا من اختياراتها وتفضيلاتها، وكذلك ما أتيح افتتاحه من صالات العرض السينمائي مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة التباعد الاجتماعي.

تكمن تلك التوليفة المتميزة لهذا النوع الفيلمي في كونه يشتمل على عناصر متعددة تسهم بشكل فاعل في تجذيره وتأثيره في الجمهور الباحث عمّا وراء الصورة وعن الأسرار الكامنة في ما يتعلق بالجريمة واختفاء الشخصيات وما يستدعي ذلك من جعل المشاهد مراقبا حذرا ومترقبا للأحداث، لا يكاد يفوته شيء فضلا عن توظيف عملية إشراك المشاهد وحدسه وقدرته على استنباط الأحداث والكشف عن مرتكبي الجرائم والشخصيات الغامضة في إطار مكمل لعملية التحري.

هذه الأفلام لا ينتهي اهتمام متابعيها بها لاسيما وأنها تنطوي على براعة في صناعة المشهد وبناء الشخصيات
هذه الأفلام لا ينتهي اهتمام متابعيها بها لاسيما وأنها تنطوي على براعة في صناعة المشهد وبناء الشخصيات

وحتى والحياة اليومية تسير مسارها العادي هنالك الكثير من الغموض المرتبط بالعامل النفسي وبالأزمات النفسية، وهو ما نشاهده في فيلم “شيرلي”، حيث إن الأسئلة ترافق منذ الوهلة الأولى هذا الفيلم للمخرجة جوزيفين ديكر، أسئلة تتعلق بقصة اختفاء امرأة تدعى باولا، تم نشر صورها في الأماكن العامة ومناشدة من لديه معلومات عنها أو يعلم عنها شيئا أن يتصل بالسلطات.

على أن قصة تلك المرأة بالنسبة إلى شيرلي ليست مسألة اختفاء عادي، بل إنها أزمة المرأة في مجتمع بطريركي شديد الأذى، ولهذا سوف تنصح زوجة ابنها بأن تنجب مولودا ذكرا لأنها إن أنجبت الفتاة فسوف تتلقى ما لا تطيق.

وخلال ذلك تمضي هي في عملية التحري ليس في إطار تحقيق بوليسي بل في إطار عمل روائي تنشغل به وتضع في مقدمته تلك الشخصية المختفية التي تجعل المشاهد في حيرة من أمره.

في المقابل وفي مقاربة أخرى للغموض المرتبط بالزمن في فيلم “الحرس القديم” للمخرجة غينا برنس بيثوود، لن نرحل مع الشخصيات عبر الزمن، ولن تتم عملية إيقاف الزمن ولا الرحيل إلى المستقبل، بل إننا سوف نكون مع شخصيات هي في حد ذاتها قاهرة للزمن ومن فصيلة الخالدين الذين لا يهلكون، وإذا أصيبوا فجراحهم سهلة الالتئام والشفاء.

ويتم تصميم هذه الدراما عبر خليط من المغامرة والحركة والعنف والجريمة، لتمتزج هذه المواصفات بنوع من الخيال العلمي من خلال فكرة عبور الزمن.

ها هي أندي الفاتنة، رشيقة الحركة، ذات القدرات القتالية الفريدة، تستعيد تاريخ مجيئها إلى الحياة إلى قرون خلت، إذ ليس مستغربا أنها كانت قد شاركت في الحروب الصليبية وأنها هي وصديقة لها قاتلت مع نابليون بونابرت.

أندي الإنسانية تقود دراما طويلة ولا نهاية لها في رحلة عابرة للقارات والدول، لكنّها وهي تتوّج انتصاراتها لا تعلم ماذا يخبّئ لها القدر، والإشكالية المرتبطة بها هنا هي تكمن في الغموض الذي يكتنف تلك الشخصيات المتوارية ذات الخواص الاستثنائية القادرة على تجاوز الزمن.

في فيلم “الولد” بجزأيه الأول والثاني للمخرج وليام بيل هنالك كل تلك الكثافة التعبيرية القائمة على الغموض الممتزج بالرعب في ما يتعلق بدمية استثنائية تقلب حياة الأسرة رأسا على عقب، وتقود المشاهد خلال ذلك إلى سسلسلة من المتاهات والبحث عن أجوبة ربما تكون فيها مساحة المشاهد واسعة وهو ما شجع على إنتاج جزء ثان من هذا الفيلم الذي ظهر جزؤه الأول عام 2016، وحقق نجاحا واسعا ليليه الجزء الثاني في العام 2020، والحال أن هذا النوع الفيلمي تحديدا لا ينتهي اهتمام متابعيه لاسيما وأنه ينطوي على براعة في صناعة المشهد وفي بناء الشخصيات مع أن مفردة الدمية في حدّ ذاتها متكررة في العديد من أفلام الرعب.

وإذا انتقلنا في المقابل إلى نوع فيلمي آخر يمزج الجريمة والعنف بالغموض والتحري ومن إنتاج 2020 وهو فيلم “سبنسر السري” الذي يجسد على غرار أفلام الجريمة واقعا اجتماعيا مأسويا لا يصغي إلى أصوات الضحايا فيه أي أحد. سنجد أن دفاع سبنسر عن الحقيقة يقدم صورة رجل الشرطة النبيل الذي يريد تحقيق العدالة، بل ما هو أبعد من ذلك ربما، فهو من نوع الأشخاص الذين ينحازون للمظلومين، وفي هذه الدراما الفيلمية وما بين الجريمة ودراما السجون سوف يمضي سبنسر في ما هو مصمم عليه حتى النهاية.

وهذا الفيلم لا يضيف الكثير لا لمسيرة الممثل البارع مارك والبيرغ ولا لنوع أفلام الجريمة والمخدّرات، وهو ما يتفق عليه أكثر النقاد، لكن ذلك لا يمنعنا من القول إنه من الأفلام الممتعة التي تجمع بين جمالية أفلام الحركة والجريمة والغموض والدخول في المجازفات.

في المقابل هنالك مساحة موازية للغوص في مجتمع الجريمة والتدرّج في بث المعلومات عن ذلك العالم الغامض الذي لا يرحم.

15