أفول‭ ‬اليسار‭ ‬التقليدي‭ ‬وأزمة‭ ‬اليمين

الأحد 2017/06/11
تحرير المفاهيم من شباك الأيديولوجيا (لوحة: موسى النعنع)

الفكر شكل العالم؛ والكلمات-المفاهيم أسماؤه ومفاتيح معرفته وأدوات مفهمته أو تنظيره بغية إنشاء صورته في الذهن، واستنطاقه واستخراج كوامنه أو إظهارها. وللكلمات حياتها وموتها، سعادتها وشقاؤها، تحمل كلّ منها، فضلاً عن دلالتها اللغوية-المعرفية والاصطلاحية والبلاغية، تاريخها الخاص، مشفوعاً بشحنة أيديولوجية مصدرها الأنساق والخطابات التي اندرجت فيها واكتسبت من كل نسق أو خطاب دلالة خاصة غلبت عليها، في حين من الأحيان، أو في كثير منها، فلا تكاد تُعرف إلا بها. علاقاتها المتبادلة التي تجعل منها قضايا وأحكاماً وحِكَماً وأقوالاً سائرة ونصوصاً تشبه العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات التي تولِّد المعاني والقيم، فتجعل من الجماعة أو المجتمع نصاً فائق التركيب والتعقيد بمتنه وهوامشه.

لذلك تقتضي الموضوعية تحرير المفهوم من شباك الأيديولوجيا وإعادته إلى ميدان المجتمع والتاريخ. ففي هذا الميدان فقط يفصح عن طابعه الواقعي وقيمته المعيارية، وعن دلالاته المعرفية والنفسية والأخلاقية. ولكن، ما العمل، إذا كان “المفهوم” نفسه أيديولوجياً-سياسياً، أو صار كذلك، وإذا كان تحريره من شباك الأيديولوجيا يوجب حذفه؟ إن نقد بعض المفاهيم والمصادرات يفضي بالضرورة المنطقية إلى وجوب حذفها.

اليمين واليسار مفهومان من أكثر المفاهيم شيوعاً منذ الثورة الفرنسية، تتغير دلالاتهما وفقاً لدينامية الحياة الاجتماعية والسياسية في مجتمع معين، بحكم ما يتوفران عليه من كثافة رمزية تبعدهما كثيراً عن دلالاتهما اللغوية وتجعل منهما مجرد استعارتين لاتجاهين فكريين وسياسيين متقابلين على التضاد المطلق، ومتغيرين على الدوام لاتصالهما الوثيق بتأويل التعارضات الاجتماعية-السياسية، لا بالتعارضات ذاتها في واقعها الفعلي. طابعهما البلاغي (الاستعاري) يشحنهما معاً بشحنة أيديولوجية لا تطابق واقع الحياة الاجتماعية، إن لم تحجبه.

ولعل ابتعادهما عن دلالاتهما اللغوية هذا الابتعاد ينفي كونهما مفهومين فكريين أو فلسفيين، وقد تكون هذه علامة فارقة بين المفاهيم والمطصلحات. نفترض أن المفاهيم الفلسفية هي تلك المفاهيم التي تتأسس على الدلالات اللغوية وتتجاوزها فيصبح كل منها رمزاً أو عَلَماً على نظيمة فكرية، كالحرية والمساواة والعدالة والخير والشر والمادة والروح والعمل والقيمة.. إلخ، فلا تنعدم الصلة بين الدلالة اللغوية والدلالة المفهومية. نفترض هذا الافتراض للإشارة إلى الطابع الحُكْمي القيمي الذاتي ذاتية خالصة لهذين “المفهومين” أولاً. وإلى طابعهما التفاضلي والتفاصلي ثانياً. وإحالتهما على تناقض مطلق بين الاتجاهات الفكرية والسياسية، مما يدرجهما في مدرج الثنائيات المتنافية تعادمياً، ثالثاً.

لا نوافق الراحل صادق جلال العظم تقديراته لانقسامات اليسار، إذ قد تكون مستوحاة من دائرة أصدقائه ومعارفه، ولأن هناك أحزاباً وتنظيمات برمتها معادية للثورة أو غير متعاطفة معها

ندّعي أن هذا الافتراض يسقط قيمتهما المعرفية والأخلاقية من المبدأ والمنطلق. لم نستسغ في أيّ يوم الأحكام التصنيفية القطعية: يميني، يساري، تقدمي، رجعي، وما في حكمها، التي ترمي الطفل مع غسيله الوسخ، بتعبير ياسين الحافظ، أو التي تحكم على الإنسان من خلال محمولاته القابلة للتغير، أو على أساس اتجاهه الفكري أو السياسي، فتستبيح كرامته وتنكر عليه حريته وحقوقه، وتستبيح قتاله وقتله، باسم المشروعية الثورية.

هنا، لا بد من طرح مقولة “الصراع الطبقي” للنقاش، إذ تعدت حدود كونها مقولة مفهومية وأداة تحليل إلى مقولة تعيينية متعسفة تنطوي على جرثومة الكراهية والحقد والرغبة في الانتقام، ولا تمتّ بأيّ صلة للديالكتيك. آية ذلك أن يساريين في بلادنا أباحوا لأنفسهم سرقة ممتكات الأغنياء، (سرقة أشياء صغيرة من المحلات التجارية)، أو برروها، لأن هؤلاء الأغنياء، أصحاب المحلات التجارية، “بورجوازيون” مستغلون، وأعشاب ضارة يجب استئصالها، بتعبير ماو تسي تونغ. وكان للماركسية اللينينية الستالينة، ثم الستالينية والماوية كذلك، أبلغ الأثر في هذا الجهل والانحطاط الأخلاقي. من ذلك تبرير جرائم الغولاك في الاتحاد السوفييتي السابق وجرائم الثورة الثقافية الصينية، وغيرها من القباحات.

الانقسامات التي حدثت في صفوف اليسار نفسه، بدءاً من الأممية الثانية، وتأسيس الأممية الثالثة، ثم نقيضها، الأممية الرابعة، وعداوة الماركسية السوفييتية للماوية، وكذلك انقسامات الأحزاب الشيوعية، عندنا، والمعارك الكلامية التي خاضتها جميع الأطراف، وكان يمكن أن تتحول إلى معارك فعلية لو ترجمت الأقوال إلى أفعال، تشير كلها إلى سقوط أخلاقي باكر كالسقوط الأخلاقي الذي يسم سائر العصبيات.

قد يعترض كثيرون على المعيار الأخلاقي الذي نعتمده للحكم في اليسار، له أو عليه، هذا شأن من يعترض، لكن المعيار الأخلاقي، في نظرنا، يحيل على سموّ الرابطة الإنسانية، ومن ثم، سمو الرابطة الاجتماعية وسمو القانون على سائر الروابط الأخرى. ويحيل من جانب آخر على أوّلية الحوار والنقاش العام لإنتاج الحقيقة، وتجديد المعرفة، واجتراح حلول سلمية للتعارضات الاجتماعية، ويحيل على رفض العنف وإدانته من أيّ جهة أتى.

ولا بد من الإشارة إلى أن اليمين المحافظ، “الرجعي”، الذي يرفض التغيير، والذي كان ممثلاً بالنبلاء ثم بالملك ورجال الدين، تأسس عشية الثورة الفرنسية على اليسار، ممثل الشعب، وكانت البورجوازية الناشئة في عداد الشعب، كما لاحظ الأب سييس، لدى حديثه عن “الطبقة الثالثة”. وكما لاحظ ماركس أيضاً في حديثه عن الطبقة التي تدّعي تمثيل الأمة، وتمثلها فعلاً حين تعترف لها بقية الطبقات بذلك، فتأسس اليسار على نزوع شعبي ينشد المساواة والعدالة، إذ أرست الليبرالية، البورجواية، مبادئ الحرية.

هذا يعني أن اليسار تأسس على مطلب اجتماعي-اقتصادي وسياسي وأخلاقي، في بادئ الأمر، وعلى نزعة إنسانية عبّرت عنها فلسفة ماركس الإنسية أو الإنسانية، باعتبار نفي جميع أشكال اغتراب الإنسان عن عالمه وعن ذاته، وعن ماهيته الإنسانية، هو غاية التطور التاريخي وغاية الثورة. لكن هذا الجذر الإنسانوي ما لبث أن ضمر ثم جفّ في فكر القوى اليسارية وممارستها بتأويل الصراع الطبقي على أنه وجوب القضاء على البورجوازية والنظام الرأسمالي، ورفع “العنف الثوري” إلى مرتبة القداسة وعدم قابلية النقاش والنقد.

وإذ يحيل المفهومان من بعيد على التفارق الفلسفي بين “المادية” و”المثالية”: الأولى فلسفة “يمينية” والثانية “يسارية”، ثم الأولى بورجوازية والثانية بروليتارية، نذكر بقول ماركس″ إن التناقض بين المثالية والمادية تناقض مطلق في المسألة الفلسفية الأولى فقط، ونسبي في بقية المسائل”، ونذكّر بتثمينه لثورية البورجوازية وأهمية منجزاتها، في الأطروحات حول فيورباخ وغيرها. اليسار الماركسي، بعد ماركس، اعتبر التناقض بين المثالية والمادية تناقضاً مطلقاً على طول الخط. ولهذا علاقة وثيقة لمنطقه الإطلاقي والحتمي، “حتمية الثورة الاشتراكية”، وهو منطق “مثالي بامتياز.

اليسار تأسس على مطلب اجتماعي-اقتصادي وسياسي وأخلاقي، في بادئ الأمر، وعلى نزعة إنسانية عبّرت عنها فلسفة ماركس الإنسية أو الإنسانية، باعتبار نفي جميع أشكال اغتراب الإنسان عن عالمه وعن ذاته

كان مبدأ اليسار هو تمثيل الشعب والدفاع عن مصالحه ونشدان التغيير وتعميم مبدأ المساواة ومعارضة الديمقراطية الليبرالية بالديمقراطية الاجتماعية.. ولكن مفهوم اليسار لم يعد يحمل هذه الدلالة فقد أعيد بناؤه على مبدأ صراع الطبقات في زمن ماركس وتأسيس عصبة الشيوعيين التي كانت تهدف إلى “الإطاحة بالبورجوازية وسيطرة البروليتاريا، وإلغاء المجتمع البورجوازي القديم القائم على أساس تطاحن الطبقات.

، وتأسيس مجتمع جديد بلا طبقات ولا ملكية فردية”، حسب البرنامج الذي أقره المؤتمر الثاني للعصبة. ومنذ ذلك الحين، بل قبله أيضاً رُسمت الطبقة العاملة طبقة ثورية، يسارية، في مواجهة البورجوازية والفئات الوسطى. لكن هذه الأخيرة، أي الفئات الوسطى، هي التي ستقود الحركات الثورية باسم البروليتاريا والثورة الاشتراكية والمجتمع الشيوعي، أو “الجماعة المؤنسنة” بتعبير ماركس.

نعتقد أن البيان الشيوعي الذي صاغه كل من ماركس وإنغلز لعصبة الشيوعيين صار إنجيل اليساريين في مختلف أرجاء العالم. ولا أدل على ذلك من أن القوى اليسارية لا تزال تحتفي بتاريخ صدوره، حتى اليوم. ويمكن القول إن الحركات اليسارية كافة اتسمت بثلاث سمات: سمة فكرية، بل أيديولوجية، تشكل أفكار ماركس وإنغلز وتأويلاتها اللاحقة خلفيتَها الأساسية، وسمة عملية “ثورية” أو “انقلابية” قائمة على العنف الثوري، وسمة قانونية-أخلاقية قائمة على المشروعية الثورية.

نستحضر هنا الكتيب الذي وضعه لينين بعنوان “الدولة والثورة” الذي تتكررت فيه الدعوة إلى تحطيم الدولة عشرات المرات. ونعتقد أنه يجافي موقف ماركس الفلسفي من الدولة وعلاقتها الجدلية بالمجتمع المدني التي تفضي جدلياً إلى صيرورة المجتمع المدني دولةً سياسية والدولة السياسية مجتمعاً مدنياً، أي أنها تفضي إلى انتفاء التناقض بين المجتمع المدني والدولة، أو بين الشكل (الدولة) والمضمون (المجتمع المدني)، وبانتفاء هذا التناقض تنتفي الدولة والمجتمع المدني معاً، في الجماعة المؤنسنة.

والأهم من ذلك، في ترسيمة ماركس، أن سيرورة النمو أو التقدم التي تفضي إلى الجماعة المؤنسنة أو المجتمع الشيوعي هي سيرورة ديمقراطية. من هنا نعتقد أن الأسباب العميقة لسقوط اليسار فكرياً وسياسيا وأخلاقياً تكمن في حذف المجتمع المدني وإلغاء دوره السياسي، من جهة، والتنكر للديمقراطية البورجوازية أو الليبرالية وإمكانات تحولها إلى ديمقراطية اجتماعية، من جهة أخرى.

ولا مغامرة في القول إن تهافت اليسار وضعفه، في البلدان المتقدمة، وتيبّسه الدوغمائي في بقية أرجاء العالم، مرتبطان أوثق ارتباط وأشده بضعف المجتمع المدني (الأصحّ إضعافه) وتآكل الديمقراطية التي تحوّلت إلى لعبة ممجوجة، تقابلها أوساط اجتماعية واسعة بعدم المبالاة. ينتج من ذلك تضيُّق الفضاء العام وتنامي هيمنة القوى الرأسمالية، ولا سيما الشركات العملاقة وتوحشها، والنكوص إلى القومية العنصرية التي وسمت بدايات الحداثة السياسية ونشوء الدول القومية (قل الوطنية)، وأنتجت حركة الاستعمار الحديث، ثم الإمبريالية الرأسمالية التي تعاني الشعوب الضعيفة اليوم من سياساتها.

الاقتران المنطقي بين اليسار واليمين، الذي أشرنا إليه، يدفع إلى افتراض أن أزمة اليمين الاجتماعية والسياسية والأخلاقية ناتجة من هشاشة اليسار الذي لم يعد حداً اجتماعياً وسياسياً وأخلاقياً على اليمين، فصار الأخير (اليمين) غير محدود، وغير مقيد، إلا بما تبقي من تنظيمات المجتمع المدني، وحركات اليسار الجديد، التي ترضُّها الرأسمالية الجديدة باطِّراد، خاصة أن هذه الرأسمالية جعلت من السوق بديلاً للمجتمع المدني، علناً، وشيئاً مخارجاً للدولة منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي.

لعل هذا مما يفسر تنامي عمليات الإفقار والتهميش وشيوع اللامبالاة وانتشار الجريمة والعنف وظهور الإرهاب وثقافة الموت أو ثقافة العدم التي تتبناها حركات عنصرية في مختلف أرجاء العالم. ويفسر، من الجانب المقابل، ظهور الفلسفة النقدية وفلسفة ما بعد الحداثة والدعوة إلى إعادة الاعتبار للمجتمع المدني. (نحيل على محاضرات ميشيل فوكو في الكوليج دي فرانس، المجموعة في كتاب “يجب الدفاع عن المجتمع المدني”) وعلى أعمال فلاسفة وعلماء اجتماع، من أمثال روبرت بوتنام وفوكوياما وغيرهما تصب في هذا المنحى. ومما لا يقل أهمية عن ذلك تموضع اليسار الجديد في الحركات الاجتماعية السلمية والاتجاهات اللاسلطوية بدءاً من ثورة الشباب في فرنسا عام 1968، وصولاً إلى ثورات الربيع العربي.

لعل الجديد في أزمة اليسار، بوجه عام واليسار العربي بوجه خاص، هو السقوط الأخلاقي الذي أصاب معظمه، والذي يتجلى في كلبيته أو سينيكيته ولامبالاته بالكارثة الإنسانية، التي حلت بسوريا، على سبيل المثال، لا الحصر، وتعاطفه مع الحكام المستبدين والقادة الشعبويين والسلطويين تحت شعارات المقاومة والممانعة ومناهضة الإمبريالية والصهيونية والرجعية، والقضاء عليها. ذروة السقوط الأخلاقي تفضيل الفكرة على الإنسان وتفضيل الشعارات الكاذبة على المجتمعات والشعوب وتفضيل الأيديولوجيات على الواقع الذي يصادمها ويكشف عن عنصريتها وإقصائيتها. “أغلب اليساريين القلقين من الثورة السورية يعكسون نوعاً من ستالينية تقوم على تعريف لليسار يعتبر أن كل الأنظمة مستبدة باستثناء تلك “المعادية للإمبريالية” التي تعادي الغرب وتقمع شعبها في آن واحد.

لعل الجديد في أزمة اليسار، بوجه عام واليسار العربي بوجه خاص، هو السقوط الأخلاقي الذي أصاب معظمه، والذي يتجلى في كلبيته أو سينيكيته ولامبالاته بالكارثة الإنسانية، التي حلت بسوريا، على سبيل المثال، لا الحصر

قدم الراحل صادق جلال العظم في حواره المهم مع “مجموعة الجمهورية”، بتاريخ 10 يناير 2013، تشريحاً بنيوياً عميقاً لطبيعة اليسار وعلاقته الإشكالية بالثورة، إذ قال “إن اليسار كان يجمع ملتزمين ونشطاء وأنصاراً وكوادر ومؤيدين من الخلفيات والانتماءات الدينية والطائفية والمذهبية والجهوية والإثنية والعشائرية كلها، باتجاه مستقبل يتجاوزُ الانتماءات والولاءات الأولية شبه الطبيعية هذه، باتجاه حالة مدنية وعصرية أرقى. بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار اليسار وتشتّته في كل مكان تقريباً، ارتدّ الكثير من هؤلاء اليساريين إلى ولاءاتهم الأولى والأولية والأكثر بدائية، وبخاصة الطائفية والمذهبية والدينية منها، وأخذوا يحددون مواقفهم من الثورة استناداً إلى الولاءات والالتزامات التي عادوا إليها واحتموا بها، وليس استناداً إلى يساريتهم المكتسبة والضائعة لاحقاً”.

وأضاف العظم “وبعد انتهاء الحرب الباردة انقسم اليسار إلى كتلة كبيرة تبنت ما يمكن تسميته ‘ببرنامج المجتمع المدني’ والدفاع عنه، وهو البرنامج الذي يؤكد مسائل مثل احترام شرعة حقوق الإنسان، أولوية فكرة المواطنة وممارساتها، بالإضافة إلى الحقوق المدنية والحريات العامة، المساواة أمام القانون، فصل السلطات، علمانية الدولة وأجهزتها، القضاء المستقل، الديمقراطية وتداول السلطة والحكم فعلياً، وليس تداولهما بين الآباء والأبناء والأحفاد والأقرباء كما هو حاصل في سوريا اليوم.

بعبارة أخرى، الكتلة الأكبر من اليسار تراجعت إلى خط الدفاع الثاني المتمثل “ببرنامج المجتمع المدني” والدفاع عنه في وجه الاستبداد العسكري-الأمني-العائلي القائم من جهة أولى، والظلامية الدينية القروسطية الزاحفة من جهة ثانية. أعتقد أن هذه الكتلة من اليسار على العموم متعاطفة مع الثورة في سوريا، وبالتأكيد ليس لها موقف عدائي منها أو حاد ضدها، علماً بأن لهذه الكتلة دوراً كبيراً في صناعة الربيع العربي عموماً. كما أن معظم اليساريين المؤيدين للثورة ينتمون إليها بصورة أو أخرى.

أما الكتلة الأصغر من اليسار فقد تعصّبت لمواقفها السابقة، وكأن شيئاً لم يكن مع انتهاء الحرب الباردة، وأخذت تميل مع الوقت إلى المواقف وأساليب العمل ذات الطابع (الطالباني- الجهادي) أو (الطائفي-المذهبي) المنغلق على نفسه. هذه الكتلة من اليسار، عربياً وعالمياً، هي الآن الأكثر عدائية للثورة السورية، والأقرب إلى دعم نظام الاستبداد العسكري والأمني والعائلي فيها، بحجج كثيرة ليس أقلها تآمر الكون بأسره، فيما يبدو، على هذا النظام المحب للسلام والاستقرار وإن كانت سلامته واستقراره هما من قبيل سلام القبور واستقرارها”.

لا نوافق الراحل صادق جلال العظم تقديراته لانقسامات اليسار، إذ قد تكون مستوحاة من دائرة أصدقائه ومعارفه، ولأن هناك أحزاباً وتنظيمات برمتها معادية للثورة أو غير متعاطفة معها، وخطاباتها عن المجتمع المدني والديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان لا تزال متناقضة مع خلفياتها الفكرية أو الأيديولوجية، وهي أقرب إلى التكيف مع “الموضة” منها إلى انعطاف جذري يجعل منها قوة فاعلة في مواجهة الاستبداد والطغيان والإفقار والتهميش واضطهاد النساء.

كان ياسين الحافظ لا يرى غرابة في انتقال اليساري من صفوف اليسار إلى صفوف القوميين أو الإسلاميين، لأن مثل هذا الانتقال هو انتقال من دين إلى دين، أو من مذهب إلى مذهب. ولا غرابة في موقف معظم اليساريين اليوم من معاناة الشعب السوري لأن مذهبهم المختزل إلى مناهضة الإمبريالية والصهيونية يفرض عليهم هذا الموقف.

في العالم العربي بوجه عام وفي البلدان التي حكمتها أنظمة يسارية وتقدمية تسلطية وعنصرية، بوجه خاص، صار من الضروري تفسير التأخر التاريخي لهذه البلدان بتدهور الشرط الإنساني بوجه عام، وتدهور الشرط النسوي، شرط المرأة، بوجه خاص، بفعل الاستبداد بوجهيه المتلازمين السياسي والديني، ونموذج السلطة الشخصية السائد في جميع هذه البلدان، وهي سلطة نافية لسلطة القانون ولسلطة الشرائع الأخلاقية الدينية أيضاً على صعيد الحياة العامة للناس، ففي ضوء هذا النموذج الرديء من نماذج السلطة، وهو نموذج مشترك بين اليمين واليسار، لا يمكن الركون إلى هذين المعيارين.

فقد أسهمت الأحزاب والقوى “اليسارية” في الحروب الطائفية القذرة في كل من لبنان والعراق، وها هي تجترح البطولات في سوريا، إلى جانب حزب الله والميليشيات العراقية وميليشيات السلطة، أو إلى جانب جماعات متطرفة وإرهابية، كجبهة النصرة وأخواتها. في الجانب المقابل، يستعد يساريون عرب وكورد لتشكيل “جيش قبلي” هكذا، لمحاربة داعش، بالتنسيق مع النظام.

لذلك، نراهن اليوم، في سوريا، وفي العالم، إذا شئتم، على ثلاثة ممكنات واقعية: المجتمع المدني، والتحولات الديمقراطية، والحركات الاجتماعية السلمية، أي إننا نراهن على الممكنات الأخلاقية للأسرة والمجتمع المدني والنظام الديمقراطي والحركات الاجتماعية السلمية، بدلاً من اليسار الأيديولوجي المتهافت، والمتحالف مع السلطة في سوريا، وغيرها أو الذي يبرر جرائمها أو المتحالف مع معادلها الإسلامي السياسي المتطرف والجهادي، أو الذي يبرره، باعتباره حركة احتجاج على النظم القائمة وعلى العولمة والرأسمالية المتوحشة، وهي علل واهية لا تصمد أمام النقد، ويبرر جرائمه، ويعد بعضها “انتصارات” للثورة. الإمبريالية مرض اليسار الخائب.

لقد صار من الضروري أن نودّع مفهومي اليسار واليمين اللذين يقابلهما عندنا مفهوما “التقدميين” و”الرجعيين”، ونطردهما من المجالات التداولية، بغية تسمية القوى الاجتماعية والسياسية والاتجاهات الفكرية بأسمائها، لا باستعارات بلاغية. فنسمّي القومي قومياً والليبرالي ليبرالياً والديمقراطي ديمقراطياً والاشتراكي اشتراكياً والشيوعي شيوعياً، بلا تدليس ولا تلبيس. فإن هذين المفهومين لم يخدما، في العالم العربي، سوى السديمية والاختلاط وطمس الفروق.

مفكر من سوريا

ينشر الملف بالتعاون مع "الجديد"الشهرية الثقافية اللندنية

13