أفول الصحوة: هل قضت السعودية على آخر نزوع للتدين المؤدلج

الكثير من الأفكار المنغلقة التي رعتها الصحوة لتحافظ على حضورها وتأثيرها، أعاقت توجه المجتمعات الخليجية عامة والسعودي خاصة لهضم بعض أنظمة الحياة الحديثة.
الأربعاء 2018/09/05
مجتمع يتخفف من أعباء الصحوة

قدَر كل فكرة سياسية أن تكون لها نهاية، وقد جرّبت المنطقة الكثير من الأيديولوجيات التي أقامت طويلا وأخذت حظها من التأثير والانتشار وقيادة الجماهير، قبل أن تصطرع مع الواقع، وتخرج منه واهنة٬ فتتلاشى لتحل مكانها فكرة جديدة.

وهو الأمر الذي ينطبق على الصحوة كذلك، باعتبارها فكرة شمولية لها تمظهرات سياسية واجتماعية وثقافية، حلّت مكان القومية بعد نكسة عام 1967، وتغلغلت أكثر خلال الثمانينات من القرن الماضي، وتفجرت في التسعينات بشكل أكثر حدة، لتكون علامة بداية النهاية والرحيل عن المنطقة.

وقد بقي المجتمع السعودي خصوصا، والخليجي عموما، آخر الحصون التي اعتصمت بها الصحوة، نظرا للتقاطعات التي تربطها بمجتمع محافظ، أميل إلى التدين، وقد نفذت إليه نسخة مخصوصة من لغة الصحوة، احتفظت بروح المجتمع المحافظ وقدّمت مقاربات ملائمة لظروفه الثقافية والاجتماعية، حتى استطاعت مع الوقت أن تبسط نفوذها وكأنها المعبر الحقيقي والأقرب لوجدان المجتمع.

العنف الذي نشأ كجزء من تعبيرات مرحلة الصحوة، وإن كان الأكثر بشاعة، ولا سيما بعد تبلوره الحاد تبعا لهشاشة الوضع السياسي، ليس جديدا على المنطقة، إذ كانت لكل الأفكار التي نزلت بساحة الشرق الأوسط، حمولات وتمظهرات عنفية، تبنتها قطاعات محسوبة على أيديولوجيا ما، لكن اتصال الصحوة بالدين، جعل المسألة أكثر حرارة وانفعالية. الصحوة لها جانب سياسي، فالحركية الإسلامية كانت تبلغ ذروتها عبر تيار الصحوة، الذي يثوّر التقاليد الدينية ويكسو رغباته برداء ديني يعطيها الوجاهة والشرعية للنفاذ، ويكسر حاجز التبني المجتمعي لأهدافها وأدوارها.

وقد كانت الصحوة من هذا الباب، محل استثمار خارجي مقصود للتأثير على الجبهة الداخلية للدول الخليجية، وقد أوصدت دول الخليج هذه الثغرة في وجه الكثير من اللاعبين سواء في محيط الجوار أو من قوى المجتمع الدولي.

كما لها جانب اجتماعي معجون بمحافظة محلية، اتخذت في إطاره تعبيرات مختلفة لدى كل مجتمع وبيئة تحلّ فيها، وقد حصلت المجتمعات الخليجية على أكثرها انغلاقا وتشددا، مما ترك أثرا عميقا في أشكال استجابتهم لأفكارها، وقد خيّمت عقود يصحّ وصفها بالظلامية والتخلف رعتها الصحوة عبر سلسلة ناطقيها ومنتجيها.

الكثير من الأفكار المنغلقة التي رعتها الصحوة لتحافظ على حضورها وتأثيرها، أعاقت توجه المجتمعات الخليجية عامة والسعودي خاصة لهضم بعض أنظمة الحياة الحديثة ونظم الحضارة المعاصرة، التي لم تكن لتحدث أو تتحقق في ظل قيام منظومات الصحوة العتيقة. بانقشاع غطاء الصحوة، يتخفف المجتمع من أعباء كانت تهجس في مخيلته لعقود طويلة، تحمّل وزرها بفعل الضخّ الموتور لخطاب الصحوة الذي كان يعوّض إخفاق الواقع العربي بالمزيد من التكاليف النفسية والأحمال الوجدانية على الفرد.

لقد كانت كل هذه الحمولات تختبئ خلف غطاء الصحـوة، مما يصعب مواجهته إلا بقدر كبير من الجسارة والإقـدام، إذ استطاعت الفكرة أن تحتمي بستار من التشابك مع ثوابت الدين، حتى يظن الرائي وكأنه ينظر إلى ذات الدين عندما يواجه “الصحوة”.

قرار الدولة شجاع، بدّد أهم أدوات هذا الفكر ونازله في أكثر ساحاته خصوصية، وهو المجتمع، الذي وبفعل انكشافات الاتصال انسحب من قبضة الصحويين وأخذ يطير في فضاء الخيارات الأخرى.

لا تبدو المواجهة الآن لمجرد الخصومة أو تحجيم بعض تغوّلات هذا المارد وخفض انفعالاته، إنها مواجهة مختلفة اليوم، إذ يتبلور في المقابل البديل الذي سيحلّ مكانه وينازعه سلطته التقليدية، مكوّن محلي أكثر اعتدالا وأقل شططا، يعزز من البعد الوطني الذي كان واحدا من مستبعدات مرحلة الصحوة وشياطينها المنبوذة، ينشد مستقبلا مختلفا، يرسمه ويشدّ رحاله إليه، قيم جديدة لا تنقصها الجرأة وتنطوي على الاستمرار في تعزيز شرعية الإنجاز التي حافظت على نسيج الدول الخليجية في وجه كل العواصف السياسية والاقتصادية القاسية التي عرفتها المنطقة.

كانت الصحوة تحتمي بركام الإحباط والتوتر، وتحكم قبضتها عبره٬ حتى لا تفلت من بين يديها جيوش الحشود التابعة، وأفضل طريقة لمقاومتها هو بعث الأمل والعمل من جديد، ووقف شلال الدعاية المهووسة التي تشلّ قدرة أيّ مجتمع أو فرد على النظر بطريقة صحيحة وناضجة.

كانت المعركة التي افتُعلت لمواجهة فعاليات الترفيه أشبه ما تكون بآخر رمق من روح الصحوة التي تعوّدت هذا النوع من المنازلات، بنفس العدّة التي مهرت فيها خلال العقود الثلاثة الماضية، تحاول تفسير جهود هيئة الترفيه بالمؤامراتية والأجندة المشبوهة التي تنازع المجتمع في قيمه وملامح تديّنه، لكن الواقع أن الترفيه لا يهدد النظام الأخلاقي كما تدّعي هذه الفئة إنما يهدد هيمنتها؛ قوتها التي تؤسس عليها سلطتها الاجتماعية والتعبوية والتي تفتّ أشكال التعبير المرِح والعفوي في عضد أقبية التجنيد الفكري ومطابخ الذهنيات القاتمة، كإعلان على بداية مرحلة أفول الصحوة.

13