أفول المد الديني يُخرج مذكرات أهل الفن إلى النور

رواج كتاب محمد رشدي دليل رفض الشباب المصري لفتاوى تحريم الغناء.
الخميس 2020/08/06
جمع بين الغناء والتمثيل

اتجاه دور نشر مصرية لإصدار سلسلة مذكرات للفنانين، لفت الأنظار لعودة ظاهرة سير المبدعين بعد سنوات طويلة من أفولها في ظل المدّ الديني الرافض لهذا النوع من الكتابات وعدم اكتراث المجتمع بها.

القاهرة - أعلنت دار نشر جديدة بالقاهرة عن إصدار مذكرات عدد من الفنانين والمطربين والشعراء، بينها مذكرات الموسيقار هاني شنودة، والفنان فريد شوقي، والمخرج صلاح أبوسيف، والمطرب الشعبي محمد رشدي.

واعتبر نقاد أن ذلك التوجه يعبّر عن اتجاه متزايد في سوق الكتب يؤكّد رغبة الأجيال الجديدة في التعرّف على تجارب فنانين ومبدعين ومطربين، كنوع من مقاومة المجتمع لتحريم السلفيين للتمثيل والموسيقى والغناء.

ورأوا أن الشباب لديهم شغف كبير بالاطلاع على تجارب أهل الفن والتعلم منها بعد أن كانت محل سخرية وتزييف من خطباء المساجد وشيوخ السلفية.

رد فعل إيجابي

قال مؤمن ياسين، طالب بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، لـ“العرب”، إن السلفيين أشاعوا عن المطربين والممثلين أنهم أهل خلاعة وسفه، واختلقوا عنهم حكايات لا حصر لها، بهدف إشاعة أن تجاربهم الإنسانية مزيج من الضلال والإنحراف.

مذكرات محمد رشدي تحكي مشواره الفني بنجاحاته وانكساراته، ومواقفه الفنية والسياسية، ورؤاه حول الغناء في العالم العربي
مذكرات محمد رشدي تحكي مشواره الفني بنجاحاته وانكساراته، ومواقفه الفنية والسياسية، ورؤاه حول الغناء في العالم العربي

وأكّد أن رواج الكتب التي تحكي سير المطربين والموسيقيين في مصر دليل على رفض مجتمع القراء لهذه الفكرة، والذي يمثل الشباب الشريحة الأكبر منه، لفتاوى تحريم الموسيقى والغناء، وعدم انجرار الأجيال الجديدة وراء مزاعم الخطاب الديني السلبي بشأن الفن.

ولم تشهد فترة ما يعرف زيفا بمرحلة الصحوة الإسلامية في مصر اهتماما بسير ومذكرات الفنانين والمبدعين العرب والمصريين، خاصة من أهل الغناء، حتى أن مكتبة السير الفنية الغنائية لم تعرف خلال الثلاثين عاما الأخيرة سوى عدد محدود من السير، أشهرها مذكرات شادية، وأوراق الموسيقار محمد عبدالوهاب.

وجاء صدور مذكرات المطرب الشعبي محمد رشدي قبل أيام، وكتبها الصحافي سعيد الشحات، على وجه التحديد، بمثابة رد فعل مباشر على الاتهام المتزايد للغناء الشعبي بالإسفاف والابتذال، حيث مثّل رشدي نموذجا مثاليا للطرب الأصيل المتماهي مع العامة دون إسفاف.

وقال الشحات لـ“العرب”، إن رحلة المطرب محمد رشدي تؤكّد أن مسيرة الغناء الشعبي في مصر لم تقم على ألفاظ وكلمات سوقية، وإنما اعتمدت على كلمات جميلة لكبار الشعراء، وألحان موسيقية مبهرة، وكانت محل احتفاء واهتمام الطبقات الوسطى والدنيا من المجتمع على حد سواء.

وولد محمد رشدي في مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، شمال القاهرة عام 1928، ولمع اسمه بشدة خلال فترة الستينات بعد غناء موال يحكي قصة البطل الشعبي أدهم الشرقاوي، الذي كان يسرق جنود الاحتلال البريطاني، وبعد ذلك غنى رشدي موال “بهية” الذي ردّده الفلاحون في الحقول، وصار المطرب الشعبي الأول، وقدّم للسينما ستة أفلام.

وكشف سعيد الشحات أنه سجل المذكرات مع المطرب سنة 1989، وظلت تبحث عن ناشر دون جدوى حتى وفاة محمد رشدي في مايو 2005، في ظل اهتمام معظم دور النشر في تلك الفترة بالكتب الدينية، ثمّ بالروايات الأدبية، حتى خرجت إلى النور في ظل تغيرات واضحة يشهدها سوق الكتاب في مصر والعالم العربي.

موال ملحمي

مطرب الفقراء والفلاحين والبسطاء
مطرب الفقراء والفلاحين والبسطاء

تحكي مذكرات رشدي مشواره الفني بنجاحاته وانكساراته، ومواقفه الفنية والسياسية، ورؤاه في حاضر ومستقبل الغناء في العالم العربي.

وقال محرّر المذكرات إن محمد رشدي، على خلاف ما يظن الناس، كان مثقفا بشكل موسوعي، ومهتما بقراءة كُتب كبار المفكرين والفلاسفة، وحكاء من الطراز الأول وله مواقف مُدهشة وغرائبية مع معظم رجال الفن والفكر والسياسة.

وممّا حكاه المطرب الشعبي أن والدته ظلت لسنوات غاضبة منه بسبب اتجاهه إلى الغناء والموسيقى، وأن قطاعا كبيرا من المجتمع في حقبة الأربعينات كان يعتبر الغناء نوعا من الخروج عن الآداب العامة ولا يلجأ إليه سوى الفاسدين والفاشلين.

بين رشدي وبليغ والأبنودي أكثر من علاقة فنية
بين رشدي وبليغ والأبنودي أكثر من علاقة فنية 

ومن الحكايات المثيرة في حياة رشدي، أنه كان مُذبذبا ومُشتّتا نهاية الخمسينات بسبب الصعود السريع للمطرب عبدالحليم حافظ، في مقابل انزوائه وعدم معرفة الناس به، لأنه كان أكثر اهتماما بالغناء في الأفراح الشعبية، حتى سافر إلى مدينة السويس، شرق القاهرة، نهاية 1959 لإحياء حفلة هناك وانقلبت الحافلة التي تقله مع الفرقة الموسيقية ومات بعض أفرادها، وأصيب بإصابات بالغة أقعدته نحو عامين.

هذا الحادث دفعه إلى إعادة التفكير في مشواره بشكل عام، فتفرّغ للقراءة والثقافة العامة، وفي تلك الفترة، كان يسير بمساعدة عكازين طبيين وعرضت عليه الإذاعة المصرية موالا شعبيا يحكي ملحمة البطل الشعبي أدهم الشرقاوي، الذي كان لصا في عهد الاحتلال البريطاني وحولته الذهنية الشعبية إلى بطل.

وتفرّغ رشدي تماما للموال، والدراسة والبحث والتدريب ليقدّم دراما فنية خالدة تتناول بطولات الشرقاوي، ونجح الموال بشكل كبير حتى أنه باع في بداية الستينات، نحو مليون إسطوانة.

وكشف كاتب المذكرات لـ“العرب”، أن منافسة شرسة نشبت بين عبدالحليم حافظ، ومحمد رشدي طوال فترة الستينات، وانقسم مجتمع المثقفين بينهما، ووقف الكتاب الكبار، مصطفى أمين وإحسان عبدالقدوس وكامل الشناوي مع الأول باعتباره مطربا رومانسيا يناسب أبناء الطبقة الوسطى من المتعلمين، بينما وقف رجاء النقاش وصلاح حافظ ومحمد جلال إلى جوار رشدي كمطرب الفقراء والفلاحين والبسطاء.

ومن المحن الشديدة في حياة المطرب الشعبي الراحل ما تعرّض له خلال السبعينات ممّا اعتبره اضطهادا دون سبب واضح، فرغم ذهابه للغناء في حفل زواج كريمة الرئيس الراحل أنور السادات سنة 1974، إلاّ أنه فوجئ بعد ذلك بأشهر بمنع أغانيه في الإذاعة والتلفزيون، وتجاهل دعوته للحفلات العامة، وامتناع الصحف عن الحديث عنه، ما دفعه للسفر للغناء للجاليات العربية في أميركا وأوروبا.

وكانت زيارة الرئيس الأسبق السادات للقدس بمثابة آخر خيط بينه وبين المؤسسات الرسمية في مصر، إذ انتقد الزيارة وأهدافها وجاهر برفضها، ما جعله مغضوبا عليه.

16