أفول شمس آبل: عصر الإبهار قد ولى

في عالم التكنولوجيا، حيث "النمو أو الموت" هما التعويذة، ما يعتبر نضجا محترما في الصناعات الأخرى يشي بنوع من الخرف الصريح؛ هذا المستقبل أصبح محتوما لآبل.
السبت 2016/09/24
مرحلة المغامرة انتهت

واشنطن - ما الذي يمكن أن يكون أعظم رمز للثقافة الاستهلاكية الأميركية من كوكا كولا، وبطاقة أميركان إكسبريس، وآيفون من آبل؟

لقد جعلت عائداتها الضخمة التي بلغت 234 مليار دولار في العام الماضي – تقريبا على قدر غوغل وأمازون ومايكروسوفت مجتمعة – النمو المستدام والكبير لشركة آبل أمرا مستحيلا تقريبا.

بعد كشف شركة آبل قبل أسبوعين، عن مواصفات هاتفها الجديد، آيفون7 7 iPhone، أصاب الكثيرين إحساسٌ بخيبة الأمل.

لم يمثّل الأمر حدثا بالغ الأهمية؛ إذ كانت أبرز التحديثات في “آيفون 7” أنه يأتي باللون الأسود ومقاوم للمياه ولم يعد به مدخل لسماعات الأذن.

وبشكل عام سيكون “آيفون 7” جوالا رائعا، لكن ليس هذا لبّ الموضوع؛ فأغلب منتجات آبل عادة ما تكون ذات جودة عالية، لكن الشركة فقدت عامل الإبهار لديها بعدما بلغت ذروة النجاح.

فقد اكتسبت آبل سمعة مشرّفة أساسًا من منتجاتها الممتازة التي غيّرت وجه التقنية. وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل انتهى عصر آبل؟ يُجيب أوستين فرانك، في مقاله المنشور بموقع HackerNoon، عن هذا السؤال.

الوصول إلى القمة

من المتوقع أن تتراجع مبيعات آيفون هذا العام للمرة الأولى منذ إصداره في 2007. ويعدد فرانك المؤشرات التي سبقت إصدار هاتف الآيفون الجديد، والتي دلّت بوضوح على أنّ آبل قد استنفدت أوراقها الرابحة. آخر منتجات آبل الجديدة كانت ساعة آبل Apple Watch، التي يصفها فرانك بأنها “إكسسوار لهاتف آيفون، لكنه غير ضروري؛ إذ ليس الابتكار القائم بذاته هو الذي يرجّ الأرض رجًّا، كما هو متعارف عندنا”.

آبل ستصمد وقتًا طويلًا جدًا على الأرجح، لكنها لن تكون آبل التي عرفناها. وليس هذا التغيّر بجديد في عالم الأعمال؛ فقبل آبل مرّت مايكروسوفت بالتطوّرات نفسها

هناك علامة أخرى تُؤشّر على وصول آبل إلى منتهى إبداعها، تمثّلت في “سفينة الفضاء Spaceship، وهي المقرّ الجديد الذي أعلنت عنه آبل، والذي سيكلّفها إنشاؤه 5 مليارات دولار، ويضاهي حجمه حجم مبنى البنتاغون.

ودائما يكون وراء عمليات بناء هذه المقرات صوت خفي يصيح “نحن أغنياء”، لذا يجب إعادة التفكير في بناء شركة فيسبوك لمقرها الساحر الجديد.

ينقل فرانك عن مقال تشارلز هيو سميث بمجلة DailyReckoning الإلكترونية تعبيره الساخر الذي جاء فيه أن الغطرسة في بناء المقرات الفارهة يُغضب الآلهة، وبعد ذلك يدفع الشركات سريعًا إلى المنحدر.

عبقري صنع آبل

يستعرض فرانك تاريخ آبل على مدار العقد الماضي؛ فخلال ثماني سنوات وثلاثة أشهر أصدرت آبل ثلاثة منتجات رئيسية غيرت وجه العالم، إذ أطلقت “آيبود” في 23 أكتوبر عام 2001 مع سعة لاستيعاب ألف أغنية وهو ما أنهى صناعة الأسطوانات المدمجة. لم يكن أول مشغّل MP3، لكنه كان الأول الذي يتم تنفيذه على النحو الصحيح، ليبدأ العصر الرقمي للموسيقى والصور ومقاطع الفيديو.

في 9 يناير عام 2007، كشف ستيف جوبز عن جوال آيفون الذي سرق الأضواء من “بلاك بيري” و”نوكيا” و”موتورولا”، وكانت آبل أول من يقدم جوالا يـعمل عن طريق لـمس الـشاشة.

مثل الآيبود، لم يكن آيفون أول هاتفٍ ذكي، لكنه الأول الذي أطلق عنان الطاقات الحقيقية للهواتف الذكية؛ هو بشكلٍ ما أول هاتفٍ ذكي فعلي.

في 27 يناير عام 2010، أعلن جوبز عن إصدار جهاز “آيباد”، وفجأة اقتنع الكثيرون بأنهم بحاجة إلى حواسيب لوحية، وبلغت مبيعات الجهاز ذروتها في عام 2013.

لم يكن آيباد ناجحًا بقدر ما نجح آيفون، لكنه أحدث تغييرًا في مجال الأجهزة اللوحية. هذه المنتجات جاءت في أسواق موجودة بالفعل، لكنها ناشئة وغير متطورة. فهل كانت كلّها -لكي يتم تطويرها على النحو الأمثل- في انتظار آبل أم في انتظار ستيف جوبز؟

لكن ما الذي جعل آبل في مركزٍ متقدّم بهذا الشكل؟ إنه العبقري ستيف جوبز. لا يمكن إنكار التأثير البالغ لوفاة ستيف جوبز على آبل؛ ستيف جوبز كان آبل.

بالتأكيد لم يرد جوبز أن يكون الرجل الذي لا يمكن استبداله؛ فقد أراد لشركته أن تكون مثل شركات طوماس إديسون، ومنها فورد وجينيرال إليكتريك، التي عاشت طويلًا بعد مماته واستمرت في تغيير العالم. لكن يبدو أن تلك الأيام قد ولّت، وأنّ آبل تتجه إلى الاستقرار بدلًا من المغامرات الجريئة العبقرية التي غيّرت وجه التقنية.

ستيف جوبز صنع آبل الثورية، لكنه لم يرد أن يكون الرجل الذي لا يمكن استبداله. أراد لشركته عمرا طويلا بعد مماته وأن تستمر في تغيير العالم

آبل مايكروسوفت جديدة؟

ستصمد آبل وقتًا طويلًا جدًا على الأرجح، لكنها لن تكون آبل التي عرفناها. وليس هذا التغيّر بجديد في عالم الأعمال؛ فقبل آبل مرّت مايكروسوفت بالتطوّرات نفسها.

كانت مايكروسوفت مغمورة قبل فقاعة قطاع التكنولوجيا في تسعينات القرن الماضي، وتقدمت أسهمها بأكثر من 9500 بالمئة خلال عقد من الزمن، بعد إثبات جدارتها في برمجيات الكمبيوترات.

كان وراء هذه القفزة النوعية عبقري آخر؛ إنه بيل غيتس. ثمّ تنحى غيتس عن إدارة شركته في يناير من عام 2000. حينها كانت مايكروسوفت أكبر شركة في العالم، وكانت قيمة السهم 58 دولارا. اليوم، بعد 16 عامًا، قيمة السهم 57 دولارا.

لقد وصلت مايكروسوفت عام 2000 إلى المرحلة نفسها التي وصلت إليها آبل الآن في دورة حياة الأعمال: مرحلة النضج، أصبحتا شركتين آمنتين مضمونتي الأرباح بطيئتيْ النمو، لا أكثر.

عند هذه النقطة، يقول فرانك، تتوقف الشركات عن المخاطرة، وتركّز على تطوير منتجاتها بشكلٍ تدريجي، وعلى أرباحها ربع السنوية، وشراء الشركات الأصغر حجمًا، بدلًا من الابتكار.

أن تتحول آبل إلى مايكروسوفت جديدة ليس بالأمر السيء كلياً، فالأخيرة لا تزال واحدة من أكبر الشركات في العالم بقيمة سوقية تصل إلى 449 مليار دولار، لكن المشكلة تبقى في الركود وعدم التحرك بسرعة.

وماذا بعد؟

سبعة أعوام مرّت منذ آخر منتجات آبل الثورية: الآيباد. يستنتج فرانك من هذا أن الضربة الكبيرة القادمة في عالم التقنية ربما لن تأتي من آبل. صحيحٌ أنّها ستظل لاعبًا في العديد من الصناعات في المستقبل اعتمادًا على حجمها وشهرتها، إلا أن الضربات الكبرى ستأتي من لاعبين آخرين.

السؤال المهم الآن هو “كيف يمكن تحديد الخطوة التالية؟”، فالشركة نجحت سابقاً في معالجة نقاط الضعف في السوق بشكل جيّد ولم تكن تهدف إلى أن تصبح الأولى وإنما أرادت أن تصبح الأفضل.

من هذا المنطلق ربما تكون الورقة القادمة للشركة هي “سيارة آبل الكهربائية” التي يتوقع أن تحمل اسم “تيتان” وأن تطرح في الأسواق بحلول عام 2020.

لو خططت آبل لإنتاج سيارة في الوقت الذي لا يزال فيه جوبز حياً لنجحت، لكن من المؤكد أيضاً أن الرجل كان سيقلق من دخول صناعة السيارات قبل أي شيء آخر.

كما أن هناك أكثر من مشروع مرشّح ترشيحا قويّا ليكون القفزة التقنية القادمة، أحدها هو مشروع Oculus الذي بدأته فيسبوك، أو جهاز واقعٍ معززٍ Augmented Reality آخر مثل Google Glass. ربّما يكون مشروع طائرات شخصية دون طيار تحملنا من مكان إلى آخر. وربّما يصل أحدهم بالتكنولوجيا الهولوغرافية إلى الكمال.

أمّا بالنسبة إلى آبل، فقد عشنا معها وقتًا رائعًا حين كانت العلامة التجارية التي أوقعت الملايين من الناس في غرامها. لكن مستقبل التقنية الآن في يد المغامرين الشباب، الذين نعرف البعض منهم، وسنعرف البعض الآخر في الأعوام القادمة؛ هم وحدهم الذين سيعطوننا القفزة القادمة.

18