أفيون جديد يسكّن الألم دون مخاطر الآثار الجانبية

باحثون يشيرون إلى هذه المادة الفعالة ربما تصلح أيضا لعلاج الإدمان الفعلي لمسكنات الألم.
الاثنين 2018/09/03
الأفيونيات تعد من أقوى المسكنات والمخدِرات فعالية

يوصف الأفيون باعتباره أقوى مسكنات الألم فعالية، إلى غاية الآن، لتخفيف حدة الأوجاع الشديدة التي تعجز أمامها جل الأدوية والعقاقير. ورغم نجاعة هذا المسكن، يخشى الكثير من الأطباء من إدمان المرضى عليه وصعوبة التخلص أو التوقف عن تعاطيه، متى تطلب الأمر ذلك

برلين – دواء يسكن الآلام الشديدة، ولكن تعاطيه لا يؤدي للإدمان، هذا هو الهدف الذي يبدو أن باحثين من الولايات المتحدة اقتربوا خطوة من تحقيقه، حيث جربوا مادة على الحيوانات وجدوا أن لها تأثير المورفين ولكنها لا تجعل متعاطيها مدمنا عليها، وذلك حسبما أظهرت التجارب حتى الآن.

وقال الباحثون في دراستهم، التي نشروا نتائجها في مجلة “ساينس ترانسليشونال ميديسين”، إن هذه المادة الفعالة ربما تصلح أيضا لعلاج الإدمان الفعلي لمسكنات الألم.

وقال مانفريد مايسنر، رئيس قسم طب الآلام في مستشفى يينا الجامعي الألماني، معلقا على نتائج الدراسة “لو كان هناك مخدر ليس له إلا الآثار الإيجابية أو على الأقل يقي متعاطيه من جزء كبير من الآثار الجانبية، فسيكون ذلك بالطبع نجاحا عظيما”.

غير أن مايسنر، الذي لم يشارك في الدراسة، أكد أن نحو ربع المرضى المصابين بآلام مزمنة غير سرطانية فقط يستفيدون من علاج أفيوني.

وأضاف مايسنر أن الكثير من المرضى المصابين بآلام مزمنة بحاجة لتركيبة تجمع بين طرق مختلفة، أي ما يعرف بالعلاج متعدد الوسائط، وهو علاج يراعي الأسباب متعددة الطبقات للإصابة بالألم”.

تعد الأفيونيات من أقوى المسكنات والمخدِرات فعالية. تحتوي الأفيونيات وأشباه الأفيونيات على مادة الأفيون أو المواد المشتقة منها والتي تستخرج من نبات الخشخاش.

ويضم تعبير الأفيونيات الأكثر شمولا مواد لها تأثير شبيه بتأثير المورفين. تلتصق هذه المواد في جسم الإنسان بما يعرف بمستقبلات مشتقات المورفين.

من بين هذه المستقبلات ما يعرف بمستقبل (أم.أو.بي) تستهدف الكثير من المواد الفعالة المسكنة للألم مثل مادة فينتانيل أو مادة أوكسيكودون هذا المستقبل الذي له تأثير شديد الفعّالية على تسكين الألم.

ولكن المشكلة هي أن علاج الآلام بهذه المسكنات يجلب معه الكثير من الآثار الجانبية، مثل شلل الجهاز التنفسي واضطرابات في القلب والدورة الدموية والتعود والحكة، بالإضافة إلى أن العلاج غير المتخصص بهذه المستحضرات يجعل المريض يدمنها.

ولكن هناك مستقبل آخر له عند التفعيل تأثير مضاد لهذه الآثار غير المرغوبة يطلق عليه مستقبل “أن.أو.بي”.

علاج الآلام بالأفيون يجلب معه الكثير من الآثار الجانبية، مثل شلل الجهاز التنفسي واضطرابات في القلب 

بحث العلماء، تحت إشراف هوبينغ دينغ من كلية طب ووك فورست بمدينة وينستون سالم الأميركية، عن مادة فعالة تستهدف المستقبلين في وقت واحد وذلك بهدف تطوير مستحضر فعال وفي الوقت ذاته قليل الآثار الجانبية، ووجدوا ضالتهم المنشودة في مادة أيه.تي -121 واختبروها في البداية خلال تجارب على الحيوانات ثم على قردة المكاك الريسوسي وأوضح ماي شوان كو المشارك في الدراسة من نفس الجامعة الأميركية “برهنا خلال الدراسة أن هذه المادة آمنة ولا تصيب بالإدمان، ومع ذلك فعالة في تسكين الألم.

ووجد الباحثون أن هذه المادة الفعالة لها نفس تأثير المورفين، عندما تعطى بجرعة أقل مئة مرة منه. ولم تظهر خلال التجارب على الحيوانات بعض الآثار الجانبية المعروفة عن الأفيون.

كما أن خطر الإدمان على هذه المادة كان ضئيلا على ما يبدو. واختبر الباحثون إضافة إلى ذلك، ما إذا كانت القردة تلجأ لتعاطي هذه المادة بإفراط عندما تتاح لها الفرصة لذلك. ولكنها لم تفعل. كما وجد الباحثون أن سرعة التعود المعروفة بالنسبة إلى عقاقير أخرى لم تحدث مع هذه المادة. وهناك تأثير إيجابي آخر لمادة أيه.تي -121  حيث إنها تحد من تأثير مادة أوكسيكودون المخدرة، وبذلك فإن هذه المادة الفعالة ربما كانت صالحة أيضا لعلاج الإدمان على المسكنات.

ولأن هناك أوجه تشابه وثيق نسبيا بين الإنسان وقردة المكاك الريسوسي، فإن الباحثين يعتقدون بأن لهذه المادة تأثير جيد نسبيا لدى الإنسان أيضا. وهذا هو ما ينتظر أن تظهره التجارب الميدانية على مادة أيه.تي -121

وأوضح الطبيب مايسنر، المتخصص في علاج الآلام وأحد المتحدثين باسم الجمعية الألمانية لأطباء التخدير والعناية المركزةـ أنه تم بالفعل تجريب مواد فعالة تعتمد على نفس المبدأ ولكن لم يتم ترخيص أي منها حتى الآن.

وأشار مايسنر إلى أن الوضع في الولايات المتحدة يختلف بشكل جوهري عنه في ألمانيا، حيث ينتشر في أميركا منذ سنوات ما يمكن تسميته بوباء الأفيون الذي أصاب أعدادا لا حصر لها من الأميركيين بالإدمان وأدى لوفاة عشرات الآلاف بسبب تعاطي جرعة زائدة.

وأكدت مجلة “ساينتفك أميركان” أن الولايات المتحدة تقع تحت وطأة أزمة صحية عامة غير مسبوقة، فبين عامي 1999 و2014 تضاعفت مبيعات العقاقير الأفيونية المصروفة بوصفة طبية بأربعة أضعاف تقريبا. وفي عام 2012 وحده، كتب الأطباء 259 مليون وصفة طبية تحتوي على عقاقير أفيونية، وهو ما يكفي لإعطاء كل شخص بالغ في البلاد زجاجة من أقراص الأدوية الأفيونية.

 وفي العام 2015، تخطت أعداد الوفيات الناتجة عن العقاقير الأفيونية نصف إجمالي الوفيات الناتجة عن تناوُل جرعة زائدة من المخدرات في الولايات المتحدة؛ سواء كانت أدوية مسكنة للألم مثل “الأوكسيكونتين” و”الفيكودين”، أو مواد مخدرة مثل “الأفيون” و”الهيروين”.

يشكل الإدمان قطعًا جزءًا من المشكلة، ولكن الخبراء يتفقون الآن على أن السبب الحقيقي وراء انتشار تعاطي المواد الأفيونية هو الألم المزمن. ووفقا لدراسة نشرها معهد الطب عام 2011، تشير التقديرات إلى أن 100 مليون أميركي يعانون آلامًا مستمرة أو مزمنة، ويعتمد الكثير منهم على المواد الأفيونية ليستطيعوا مواصلة الحركة فحسب.

17