أقباط مصر: الإرهاب تهديد للتنوع والوحدة الوطنية وإساءة لقيم الإسلام

الثلاثاء 2015/03/17
الحضور المسيحي في مصر يتحدى تهديدات التطرف بالانتصار للوطن

رغم أن عنف التيارات التكفيرية في مصر لا يستثني دينا أو طائفة، إلا أن العنف الموجه ضد المسيحيين المصريين يتخذ له دلالات أعمق، إذ أنه يضرب شركاء في الوطن بمسوغات دينية واهية، ويهدد تنوعا مصريا طالما مثل مصدر ثراء، ويشير إلى كيفية نظر هؤلاء إلى المختلف. هنا يصبح لتعلق المسيحيين بوطنهم دلالات أكثر عمقا من منطلقات العنف، فكلما تشبث مسيحيو مصر بوطنهم، من منطلق أنهم شركاء فيه لا ينازعهم في ذلك منازع، أصبح صمودهم ضد التشدد ضربا من الدفاع عن الوطن، كما أن ذود مكونات المجتمع المصري عن الوجود المسيحي هو أيضا ذود عن الوطن ودفاع عن الإسلام.

في هذا الإطار، يقول عماد جاد المفكر القبطي، إن أقباط مصر في المحافظات الحدودية وغيرها أصبحوا عُرضة للاضطهاد من قِبَل الجماعات المتطرّفة، لاسيما بعد الضربات الناجحة للجيش في شبه جزيرة سيناء، وبالتالي تحاول العناصر الإرهابية ليّ ذراع الدولة من خلال التهديد بذبح وقتل الأقباط في المحافظة الحدودية.

وتابع جاد قائلا “الوطن يمر بمرحلة وجود والجميع عليهم أن يضحّوا من أجل استقرار الدولة للقضاء على الإرهاب”، ورأى أن “الدولة لو خضعت لتهديدات جماعة أنصار بيت المقدس فسيواصل هؤلاء المتشدّدون همجيتهم ضد الأقباط المدنيين، وستكون فرصة الهدنة مُحاولة لالتقاط أنفاسهم لإعادة ترتيب البيت الجهادي من جديد، وشنّ ضربات استباقية على المعسكرات والوحدات الأمنية والعسكرية”، وطالب جاد، بـ”توحيد الصف الوطني ومواجهة مُخططات الإرهاب الذي يحاول إشعال حرب طائفية بين المسلمين والمسيحيين”، وأكد أن جماعة الإخوان المسلمين تريد ذلك، وتسعَى من خلال حلفائها الإرهابيين إلى إشعال فتنة طائفية في الدولة، حتى يكون أقباط مصر تحت مقصلة الجماعات الإسلامية، أو مُلاقاة مصير المسيحيين العراقيين والسوريين.

وأضاف جمال أسعد المفكر القبطي أن “الكنيسة ستظل داعمة للنظام الحالي لمواجهة الإرهاب والفوضى التي تحدث باسم الإسلام”، وتابع “المسؤولية الوطنية للكنيسة القبطية في مصر تحتاج إلى وحدة الصف، ودعم التدابير التي تحمي الدولة من انتشار الفكر المتطرّف”، وعلل قوله بأن الرئيس السيسي يعرف خطواته جيدا، والعلاقة بين النظام والكنيسة جيدة، ودلل على كلامه بزيارة الرئيس إلى الكاتدرائية المرقسية لأول مرة في تاريخ مصر الحديث يوم 6 يناير الماضي خلال احتفالات عيد الميلاد القبطي، وهي الخطوة أزالت اللبس القائم عند وسائل الإعلام الغربية، وقطعت الطريق أمام الجماعات الإرهابية التي تسعى دائما إلى إشعال فتنة طائفية، وكانت أولى خطواتهم في اتجاه هذه الفتنة ذبح 21 مواطنا مصريا مسيحيا داخل الأراضي الليبية على أيدي تنظيم داعش المسلح.

المسؤولية الوطنية للكنيسة القبطية في مصر تحتاج وحدة الصف ودعم التدابير التي تحمي الدولة من انتشار التطرف

وأوضح أن السيسي وضع أسسا قومية ورسخ الوحدة الوطنية التي فُقِدت في ظل حُكم الإخوان المسلمين وحتى في ظل حسني مبارك، ورغم أن الهجمات ضد الأقباط لا تزال مُستمرة حتى بعد صعود السيسي إلى السُلطة، لكنها هجمات وحوادث فردية، وتابع “أعتقد أن المرحلة المقبلة لا بد أن تشهد اصطفافاً وطنياً بين مكوّنات الدولة المصرية لمواجهة الإرهاب”.

كمال زاخر رئيس جبهة العلمانيين الأقباط اعتبر أن مسيحيي مصر كانوا هدفا للعُنف والتمييز منذ عام 1970، بعد أن سمح الرئيس الراحل أنور السادات للتيار الإسلامي بالدخول إلى الساحة السياسية، ووقتها تدهورت العلاقة بين النظام والكنيسة بسبب رغبة الرئيس في جعل الإسلاميين ثقلاً موازنا للتيار اليساري.

وأكد أن الاختلافات المذهبية هي المصدر الرئيسي للتوتر، ولذلك فإنه من الضروري أن يضطلع الأزهر بمسؤولياته الدينية لإعادة تجديد الخطاب الديني ومواجهة أصحاب الفكر المتطرّف، لاسيما وأن الأقباط في المحافظات الحدودية مثل شمال سيناء، تعرضوا لهجمات مُتعدّدة من الجماعات المسلّحة بعد عزل الرئيس محمد مرسي مُباشرة، وتصاعَد هذا التوتر بعد فض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية.

وأكد زاخر “بصرف النظر عن لحظة الانسجام الطائفي خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير ضد الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلا أن مُشكلة الطائفية والخطاب الديني المتشدد لا تزال تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد، بالإضافة إلى أن الجماعات التكفيرية تصنّف الأقباط بأنهم “كفار”، وعليهم دفع الجزية من أجل حمايتهم، ودون ذلك تكون دماؤهم مُهدرة”.

ورأى أن هذه هي اللعبة الجديدة التي تنتهجها الجماعات المسلّحة في سيناء من أجل الضغط على الحكومة لوقف العمليات العسكرية في سيناء، وطالب زاخر الدولة بحماية العائلات القبطية وتهجيرها إلى أماكن أكثر أمنا، حتى لا تكون عُرضة للقتل والذبح على أيدي الميليشيات المسلحة.
تهديدات أنصار بيت المقدس لن ترهب مسيحيي مصر الذين سيقفون ضد قوى الظلام التي تريد الفتك بوحدة البلاد

في سياق مُتصل، شدد نجيب جبرائيل محامي الكنيسة المصرية، على “ضرورة تطهير الدولة المصرية من الإرهاب الفكري المتأسلم الذي يسيء للدين الإسلامي، ويضع الوحدة الوطنية في مهب الريح، لاسيما وأن الأقباط عانوا كثيراً طوال العقود الماضية، وحان الوقت لأن يعيشوا في سلام بعيداً عن التهديدات الطائفية”.

وأكد أن “الدين ليس السبب الوحيد وراء اضطهاد الأقباط، ولكن الوضع السياسي برمته في حاجة إلى إعادة نظر في الملف القبطي”، ودلّل على كلامه قائلاً “عندما يريد الأقباط بناء أو ترميم كنيسة لممارسة الطقوس الدينية، يواجهون صعوبات تتعلّق بموافقات من وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، رغم أنها عملية إدارية بسيطة”.

وأشار جبرائيل إلى أن “تهديد الجماعات المسلّحة بذبح الأقباط في شبه جزيرة سيناء، يتطلب من الدولة حماية مواطنيها وفقاً للدستور والقانون، ومع ذلك فإن تهديدات أنصار بيت المقدس لن ترهب مسيحيي مصر، الذين سيقفون جميعاً ضد الإرهاب وقوى الظلام التي تريد الفتك بوحدة واستقرار البلاد”.

13