أقباط مصر يتبركون بالآبار المقدسة

المسلمون أصبحوا يشاركون أقباط مصر الزيارات إلى الآبار المقدسة بحثا عن الأمل والخلاص.
الاثنين 2020/01/06
شفاء وبركة وطرد للأرواح الشريرة

يبحث الأقباط المسيحيون في مصر عن مباركة المسيح، فيقتفون الآبار التي شرب منها خلال رحلته هربا من بطش الملك الروماني هيرودس في بيت لحم بحثا عن الأمان في مصر، يشربون من هذا الماء معلقين آمالهم على تحقيق أمانيهم، والطريف أن المسلمين أصبحوا يشاركونهم هذه الزيارات إلى الآبار المقدسة بحثا عن الخلاص.

القاهرة - يعرف أقباط مصر مصطلح “الآبار المقدسة” منذ قرون، وتشير إلى أماكن تفجرت منها المياه من أجل السيد المسيح أو باركها بالشرب منها أو الاستحمام بها، عندما كان طفلا مع والدته مريم العذراء في رحلتهما مع يوسف النجار للهروب من بطش الملك الروماني “هيرودس” في بيت لحم بفلسطين بحثا عن الأمان في مصر.

وتعد الآبار مزارا مهما في فترة الأعياد خصوصا تلك التي تسبق الاحتفالات بذكرى ميلاد المسيح في السابع من يناير من كل عام، وفقا للتقويم القبطي الشرقي.

بلباسها البسيط المزركش وغطاء شعرها المعقود أعلى رأسها تقف مورينا، وهي سيدة خمسينية مع ولديها أمام البئر الموجودة بكنيسة السيدة العذراء بمسطرد، وهي منطقة عشوائية صغيرة في محافظة القليوبية القريبة من القاهرة، تتلمس جدرانها مرددة “شاالله يا عدرا” (إن شاء الله يا عذراء يتحقق أملها أو حلمها)، فالبئر شهدت استحمام السيد المسيح طفلا.

ما زالت البئر ممتلئة بالمياه، يحوطها نفر من الرجال، ومعهم أبناء تبدو بساطتهم على ملابسهم، ويظهر تهافتهم وهم يحاولون مد أياديهم لتلمس جدران البئر هاتفين “شاالله يا أم النور” وسط زغاريد النسوة الفرحات بزيارة البئر مهللات “شاالله يا أم النور، ناديتنا وجينا (حضرنا) يا شفيعة يا عدرا، يا فاضلة يا جليلة يا قوية وأمينة”.

تصل مورينا إلى أبعد من جدار البئر لتتلمس بيديها المفرش المخملي الذي يغطيها ورسمت عليه لوحة للمسيح والسيدة مريم ويوسف النجار تخليدا لمرورهم بالمكان، موضحة لـ”العرب” أنها تقطع مع ولديها مسافة لا تقل عن ثلاث ساعات من القرية الكائنة على بعد مئة كيلومتر للشرب من مياه البئر المقدسة في مثل هذا الوقت من كل عام تزامنا مع ذكرى ميلاد المسيح.

آبار العائلة المقدسة كانت بديلا مناسبا أمام البابا الراحل شنودة الثالث لإقناع قطاع عريض من الأقباط بعدم زيارة الأماكن المقدسة في فلسطين 

تطلق السيدة تنهيدة عميقة تعبر عن إيمانها بأن جنبات الكنيسة تمتلئ بخطوات المسيح المباركة نورا وخيرا وبركة، والبئر مقدسة لأنها نزل فيها أثناء اختباء السيدة مريم بالمغارة لأيام.

تؤكد مورينا، ما يتداوله الناس من أن مياه البئر تفعل الكثير من المعجزات لمن يشربون منها، ولهذا تأتي للزيارة مثل الكثيرين طلبا “للشفاء والبركة وطرد الأرواح الشريرة”، وهي مؤمنة بأن دورها لم يحن بعد، وهذا هو السبب الوحيد وراء عدم تحقق أمنياتها حتى الآن.

تعم روائح البخور وتتصاعد الأدخنة، فتتوقف مورينا عن الكلام لتدعو بخشوع لأسماء كثيرة تطلب من العذراء أن تحل بركتها عليها مع دخول الأعياد وتشفي قريبا لها من داء السرطان.

قبل أن تنتهي من دعائها، يهب متطوع من مكانه سخر وقته لخدمة الزوار ويجلس في الجانب الأيسر من البئر ليعطيها أكياسا بلاستيكية فارغة لتملأها بالماء من أحد الصنابير التي خصصتها الكنيسة حول البئر للتبرك، وتذهب بعد ذلك لتضيء الشموع أمام تمثال السيدة البتول بلباسها الأزرق وترتل بخشوع آيات من الإنجيل.

رحلة العائلة المقدسة

شاء الله يا عذراء يتحقق الحلم
شاء الله يا عذراء يتحقق الحلم

كانت آبار العائلة المقدسة بديلا مناسبا أمام رأس الكنيسة الأرثوذكسية السابق في مصر، البابا الراحل شنودة الثالث لإقناع قطاع عريض من الأقباط بعدم زيارة الأماكن المقدسة في فلسطين تجاوبا مع قرار المجمع المقدس برفض دخول القدس “إلا عندما تتحرر من الاحتلال”.

توجد مجموعة من تلك الآبار في كنائس مصر، ثلاث منها بالقاهرة في مناطق مسطرد والجمالية ومصر القديمة على التوالي، وبئر رابعة في منطقة “تل بسطا” بمحافظة الشرقية، وخامسة في مدينة سمنود بمحافظة الغربية، الواقعة في شمال القاهرة، وسادسة داخل بحيرة في مدينة الحمراء قرب أديرة وادي النطرون شمال غرب البلاد، واثنتان في محافظة المنيا (جنوب مصر) إحداهما بدير الجرنوس، والأخرى جفت مياهها في جبل الطير. علاوة على بئر أخرى بالقرب من دير المحرق بأسيوط الواقعة جنوب المنيا.

كانت بعض هذه الأماكن تابعة للكرسي البابوي في القدس حتى عام 1925، وكل من يزور القدس يستكمل زيارته بالذهاب إليها ويأخذ المياه ويتبرك بها، وهي فكرة كانت تلقى تشجيعا من الكنيسة لإقناع الأقباط، بأن التردد على هذه الأماكن يعوّض القبطي جزئيا عن الذهاب إلى القدس ومخالفة قرار المجمع المقدس.

جاء الاعتراف من بابا الفاتيكان، مطلع أكتوبر 2018، بتضمين رحلة العائلة المقدسة في مصر ضمن برنامج الحج الفاتيكاني لأكثر من مليار ونصف مليار مسيحي حول العالم. وهي المرة الأولى منذ انفصال الكنيسة الشرقية عن الغربية التي يتم فيها الاعتراف بوجود مسار للعائلة المقدسة في مصر، ما لفت الانتباه إلى المناطق التي مر عليها السيد المسيح.

لم يسعد الاعتراف المتأخر غالبية الأقباط، وربما أثار مخاوفهم من أن يحرموا من زيارة تلك الأماكن بعد اعتمادها ضمن برنامج الحج الفاتيكاني، مع توقعهم بأن تتشدد الحكومة في السماح للأقباط بزيارتها في الأعياد لإفساح المجال أمام استقبال الحجاج المسيحيين من أنحاء العالم.

رصدت “العرب” البعض من الآبار المقدسة في احتفالات عيد الميلاد، وأعداد منها لا يعرف الكثير من المصريين عنها شيئا باستثناء المحيطين بها.

أكتوبر 2018 تاريخ اعتراف البابا بتضمين رحلة العائلة المقدسة في مصر ضمن برنامج الحج الفاتيكاني للمسيحيين في العالم

وتواجدت على درب مسار رحلة العائلة المقدسة، حيث كان لافتا التقارب الشديد في طقوس الاحتفال، مع ما يفعله بعض المسلمين لدى زيارتهم أضرحة أولياء الله الصالحين، من ناحية الإيمان الراسخ ببركة تلك الأماكن.

استغرقت رحلة العائلة المقدسة، حسب الكنيسة الأرثوذكسية القبطية، ثلاث سنوات وستة شهور وعشرة أيام، جالت خلالها السيدة مريم وطفلها المسيح ويوسف النجار في الوديان والجبال والصحارى، وتركت خلفها ما يقرب من تسع آبار مقدسة.

يقول القمص عبدالمسيح بسيط، كاهن كنيسة السيدة العذراء بمسطرد، لـ”العرب” إن هناك قصتين عن البئر التي شرب منها السيد المسيح، والموجودة حتى الآن في الكنيسة، إحداهما أنه عندما قدم إلى المكان كانت البئر موجودة بالفعل واستخدمتها العائلة المقدسة، والأخرى أنه هو من أنبع هذه البئر.

لا تختلف كثيرا البئر الموجودة بكنيسة “أبوسرجة” بمنطقة مصر القديمة بالقاهرة، عن بئر مسطرد، لكنها تختلف في أنها الموقع المقدس الوحيد في مصر الذي وطأته قدم السيد المسيح مرتين، الأولى حين وقف قاربه قادما من رفح على المرسى النيلي المواجه للكنيسة والمرة الثانية في طريق عودته. وتعلو المغارة التي أقامت فيها العائلة المقدسة أثناء رحلة الهروب.

أوضح القمص أنجيلوس جرجس كاهن الكنيسة، أن المكان يحوي المغارة التي أقام بها السيد المسيح ووالدته السيدة مريم العذراء، وأمضت العائلة المقدسة بها وقتا طويلا لقربها من حصن بابليون، وقد حمتهما جدران المغارة أثناء رحلتهما المقدسة، ما جعل الكنيسة تحمل اسم “كنيسة المغارة”، وداخل الهيكل البحري بئر ماء قديمة شرب منها السيد المسيح ووضع باب زجاجي على فتحتها يمكن للزوار النظر من خلاله إلى البئر.

بقاء السيد المسيح في المكان جعله مقدسا، وأصبح يشبه المزار السياحي الذي يتردد عليه الأجانب، وأصبح مكانا للتبرك من جانب الأقباط والمسلمين أيضا، والكنيسة تحتوى على حوض صغير كانت السيدة مريم تغسل فيه السيد المسيح.

اكتشاف أم تفجير

مزار ديني وسياحي
مزار ديني وسياحي

لا يعرف أحد بالتحديد هل كانت بركات العائلة المقدسة تفجر تلك الآبار في الجبال والصحارى، أم أن يوسف النجار مرشد الرحلة كان يختار الأماكن التي تحوي آبارا ليختبئ مع السيدة العذراء وطفلها المسيح بجوارها.

ولم نعثر على دليل تاريخي موثق على أن إحدى الروايتين هي الصحيحة، لكن أنصار الرأي الأول يستندون على أن عائلة تضم السيدة العذراء وطفلها المسيح الذي أحيا الموتى وأبرأ الأبرص واشتهر بصناعة المعجزات، من الممكن أن تفجر عيون الماء والآبار في الصحراء إذا شعرت بالعطش وهي تهرب في رحلة جاءتها بتكليف إلهي.

قال البعض من المؤرخين، إنه خلال مرور العائلة المقدسة بمحافظة الشرقية واستقرار السيدة مريم ويوسف النجار ويسوع المسيح في أرض تل البسطة ظلت العائلة المقدسة تبحث عن الماء، ولصعوبة الحصول عليه وحيرة السيدة البتول ظل الطفل المسيح يواسي أمه ورسم على الأرض دائرة وإذا بها تتحول إلى بئر، شرب منها أهل المنطقة والعائلة المقدسة.

يلاحظ هنا التشابه الواضح بين هذه القناعة وما حدث في قصة سيدنا إسماعيل وأمه السيدة هاجر، حيث تركهما نبي الله إبراهيم في الصحراء بأمر من ربه، وغلب العطش الطفل الصغير ولم تدر أمه ماذا تفعل سوى السعي وراء سراب الماء بين جبلين، وعندما عادت كان الطفل قد حفر بقدميه الصغيرتين بئر زمزم بأمر من الله.

أما أنصار الرأي الثاني، فيرون أنه كان من المنطقي أن يخطط يوسف النجار مسار الرحلة، بحيث يبتعدون عن التجمعات البشرية المنتشرة حول الشريط النيلي كي لا يسهل القبض عليهم وتسليمهم لجند الملك، وهنا توجب على يوسف النجار أن يبحث عن مسار يجد فيه هو والسيدة مريم وطفلها ينابيع أو آبار ماء يشربون منها.

يتوافد الآلاف في فترة عيد الميلاد إلى تلك الآبار، ويعاود أغلب هؤلاء الزيارة في نفس الموعد كل عام، وهم يحملون الأماني دون أن يصيبهم اليأس من تأخر تحقيقها.

فسرت سحر مينا لـ”العرب” تكرار الزيارة، سواء تحققت الأحلام أم تأخرت، بأن الكنيسة مفعمة بالروحانية وزيارتها تمثل حافزا روحيا للقبطي، والعديد من المعجزات حدثت، وتسمع قصصهم المختلفة كلما تأتي في نفس الميعاد سنويا، بسبب مياه البئر أو الصلاة والتبرك بالكنيسة، معتبرة أن زيارة الأماكن التي تواجدت بها عائلة المسيح عملية نفسية مهمة.

أكد سمير ألكسندر، أحد أفراد كشافة كنيسة العذراء بدير الجرنوس في محافظة المنيان، أن العائلة المقدسة قضت في المكان ثلاثة أيام قبل أن ترحل إلى جبل الطير، وأوجد المسيح فيها بئرا حين شعر بالعطش.

يأتي شنودة تادرس، من محافظة أسيوط لزيارة الدير وهو حريص على ملء زجاجات بلاستيكية يحملها معه من مياه البئر المقدسة، ويخصص بعضها لخلطها بالمياه التي يسقي منها قطعة أرض صغيرة يقتسمها مع إخوته، “ري الزرع بمياه البئر المقدسة يطرح فيها الخير ببركة يسوع وأمه”.

وشدد على أنه يحرص على الحضور عند اقتراب الأعياد ليرتوي من البئر وهو صائم ويحصل على كمية لأطفاله الصغار ليسقيهم منها عشية ليلة الميلاد. ورغم ما يدور حول تلك الآبار من معجزات، إلا أنها لم تحظ بالاهتمام الذي تجده أماكن أخرى تبدو عادية، مقارنة بها ولم تكن معروفة إلا لقلة من الناس أغلبهم من البسطاء الذين يعيشون قربها، مع أن بعضها يحمل فوائد علاجية وتساعد على الشعور بالاسترخاء.

Thumbnail

طبقا لما جاء في كتاب”رحلة العائلة المقدسة في أرض مصر” لإسحق إبراهيم عجبان الأستاذ بمعهد الدراسات القبطية، عبرت العائلة المقدسة 40 موقعا في مصر وقت أن كان عمر السيد المسيح وقت خروجه من بيت لحم سنة واحدة أو أقل، تاركة خلفها ميراثا كبيرا من الآثار المقدسة والآبار.

وتحفل منطقة وادي النطرون بالأديرة والقلايات والمغارات، ويسكنها المئات من الرهبان، وتضم المنطقة بحيرة مياه كبريتية تشفي العديد من الأمراض.

المفارقة التي يقصد الآلاف من الأقباط المكان من أجلها، أن البحيرة التي تبلغ نسبة ملوحة الماء فيها ثمانية أمثال ماء البحر، يوجد فيها نبع للماء العذب يطلق عليه “نبع الحمراء” نظرا إلى أن مياهه أقرب إلى اللون الأحمر، لأن البحيرة غنية بعنصر الحديد الذي يتأكسد فيتحول من أكسيد الحديد الثنائي إلى أكسيد الحديد الثلاثي، ذي اللون الأحمر.

وأشار القس ميخائيل، أحد رهبان دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، إلى أن النبع من معجزات المسيح، خصوصا أنه في منطقة يصعب أن توجد فيها مياه عذبة سوى على عمق يصل إلى نحو 80 مترا.

وروى قصة النبع المتداولة، وهي أن السيدة العذراء كانت تحمل السيد المسيح ومعهما يوسف النجار، وعندما عطش الطفل دخلت في بحيرة الماء المالح لمسافة تسعة أمتار تقريبا بحثا عن مياه عذبة، وهناك تفجر نبع الماء العذب ويتدفق بارتفاع متر ونصف المتر عن سطح المياه، وهي موجودة بنفس المواصفات حتى اليوم، ويطلق عليها البعض “بحيرة السماء” أو “عين مريم”.

وأضاف أن “مياه البحيرة المالحة مباركة ولها معجزات، سواء المالح منها أو النبع العذب، فهي تشفي أمراض الروماتويد والروماتيزم، وجميع أمراض الحساسية والأمراض الجلدية، وبعض أمراض العيون والعظام”.

ويعد “نبع الحمراء” بمثابة مكان مقدس ورخيص للبسطاء في قلب الصحراء، ما يجعل الكثير من الأسر، سواء من المسلمين أوالأقباط، تلجأ إليه بحثا عن الترويح عن النفس بدلا من تحمل تكاليف السفر في مصايف أو مشاتي باهظة الأسعار.

20