أقدار المبدعين

الأربعاء 2016/07/20

يموت المبدع العربي، وقد يمضي وقت طويل ليعرف الناس بخبر وفاته، وقد لا يعرفون. الكثير من الأسماء التي شغلت الإعلام خلال حقب سالفة غادرت الحياة من دون ضجيج، وبحضور نفر قليل من الأهل والأصدقاء. بعض هؤلاء المبدعين تنعيهم صفحات التواصل الاجتماعي، ليتبيّن لاحقا أنه نعي زائف، فالشاعر الذي صدحت الحناجر بقصائده ذات يوم، لا يجد وسيلة لتكذيب خبر موته سوى باتصال من أحد أصدقائه المتبقين.

وهناك مبدعون عرب تحدثت الصحف عن مشاريعهم الجديدة، وهي لا تعلم أن أصحاب تلك المشاريع غادروا الحياة قبل سنوات من دون علم أحد، حتى أن المرء يعجز عن الإجابة إن سأل أحدهم عن شاعر أو روائي كانت أعمالهم تدرّس في المناهج المدرسية والجامعية، هل هم على قيد الحياة أم رحلوا عن عالمنا؟

قلة قليلة من جنازات المبدعين العرب بقيت في الذاكرة لأسباب شتى. بعضها ارتبط بقضايا سياسية وبعضها الآخر وظف لأغراض سياسية، ولكن وفي غالب الأحيان، فإن إبداع الشاعر أو الروائي أو السينمائي أو المسرحي لم يكن هو الذي حمل على تكريمه في موته، إن حصل طبعا، بل على العكس من ذلك، غالبا ما يكون إبداعه سببا في التعتيم عليه والتنكّر له من قبل بعض المؤسسات الثقافية واتحادات الكتاب.

وفي الآونة الأخيرة رحل مبدعون عرب كثر. مر موت غالبيتهم الساحقة من دون تغطية إعلامية، وإن حصلت هذه التغطية فبسبب محررين ثقافيين في الصحف أخذوا الأمر على عاتقهم الشخصي! وربما خير مثال على ذلك تغطية واقعة وفاة المخرج السوري الرائد نبيل المالح، فلولا صحيفة بعينها لما علم بهذه الوفاة غير أصدقائه المقربين ولمر الخبر مرور الكرام، وهذا ما دعا الكثيرين إلى المقارنة بين جنازة المالح المتواضعة في منفاه العربي قبل شهور قليلة وبين جنازة المخرج الإيراني عباس كيارستمي الكبرى في طهران، والتي تحولت إلى تظاهرة يستحق التوقف عندها مليّا.

الذنب هنا لا يقع على الشعوب بل يقع، بالدرجة الأولى، على منظمات المجتمع المدني واتحادات الكتاب والأدباء والفنانين قبل الحكومات، والتي يفترض أن تكون نقابات مهنية تشكل مرجعية للكاتب ومصدر حماية له في حياته وحماية لاسمه وإرثه الأدبي في موته.

تجربة المبدعين العرب مع اتحادات الكتاب مريرة، فالكثير منهم ماتوا وأهملت تلك الاتحادات أدبهم وإرثهم الثقافي، بل ولم تشارك قبل ذلك في جنازاتهم، ولم تصدر بيانات تنعيهم. ولا تزال مقاطعة اتحاد الكتاب العرب في سوريا لجنازة سعدالله ونوس ماثلة في الأذهان، رغم مرور عقدين عليها، وربما منحت تلك المقاطعة لجنازة ونوس بعدا خاصا لم نزل نتذكره حتى الآن. وكذلك جنازة الشاعر العربي الأشهر نزار قباني التي طوقها الأمن وعمل على منع من يحملون الجثمان من الطواف به في مدينته واختصار الطريق من المستشفى إلى المقبرة، ومصادرة الكاميرات والصور التي التقطت للجنازة. وقديما قيل لا كرامة لنبي في وطنه، ولا شاعر أيضا.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14