أقدام العالم التي تدوسهم

أكثر من ربع مليون طفل وطفلة في العراق يعملون في ظروف إنسانية صعبة.
السبت 2019/07/20
ستخبر الله بكل شيء

تسألني جارتي “هل أنا مريضة نفسيا؟”.

هذا السؤال يقفز إلى ذهني أكثر الأحيان حين أفكر وأتصرف بحساسية مفرطة تجاه موقف إنساني ما، ربما يراه غيري عاديا أو أقل من ذلك. وهي مثلي تماما، تتقبل نظرات الأصدقاء المرتابة قبل الغرباء إذا ما ألمحت لواحدة من مشاعرها مفرطة الحساسية تجاه أي شخص يتعرض لظلم في هذا العالم، فإذا كان هذا الشخص طفلا لا حول له ولا قوة فإن الأمور بالتأكيد تخرج عن نطاق سيطرتها.

بالأمس، قرأت قصة الطفل العراقي (م) الذي وجده رجل مستطرق في الشارع، وكان الطفل يبكي بكاء مرا بعدما أضاع نقوده، هي كل ما كان يملك جزاء عمله في بيع الشاي يوما كاملا يبدأ في السابعة صباحا وينتهى في السابعة مساء مع كثير من الدموع والآلام النفسية. “لماذا تبكي يا صغيري؟” سأله الشاب وهو يربت على كتفيه. أجاب الطفل وهو ينشج “أخاف أن أرجع إلى المنزل من دون النقود فيضربني والدي!”.

يمارس الطفل في أحيان كثيرة مهنا فيها من الخطورة الكثير سواء على صحته الجسدية أو النفسية، أبرزها قتل براءة الطفل في داخله ووسم روحه بشرخ ينبت على جانبيه أشواكا لا يمحوها الزمن مهما تقادم عليه. هذه الأشواك ستزهر جروحا متجددة كلما مرت ذاكرة قلبه على سطحها. الشارع، ذلك المارد الذي يبث سمومه في وجوههم، لا يعرف الرحمة.

فهذا ماسح الأحذية؛ طفل في العاشرة من عمره يغلبه النعاس بسبب الجهد الذي لا يتحمله جسده الضعيف ومعه بائعا الزيت اللذان ألتفت أجسادهما في توليفة تعب بعد أن هزمتهما حرارة الشمس والظلم وهما يبحثان عن كسرة ظل أو كسرة خبز. بائعة المناديل الورقية تجرجر قدميها بتكاسل بين زحام السيارات تتوسل أصحابها أن يختصروا زمن عذابها ويشتروا العلبة الأخيرة، كي تتمكن من الذهاب إلى البيت والنوم في سريرها بدلا من تناول وجبة عشاء أخفقت في توفير ثمنها.

ينامون حيث تموت الإنسانية
ينامون حيث تموت الإنسانية

أكثر من ربع مليون طفل وطفلة في العراق يعملون في ظروف إنسانية صعبة!

الرقم المخيف ربما تضاعف مرات ومرات، فلغة الأرقام لا يمكنها أن تجمع كل لحظات البؤس والضياع… الشعور بالنبذ، الحزن العميق، لحظات الحاجة والضعف والجوع والحرمان… الآثار التي تتركها أقدام هذا العالم على أجسادهم وهي تدوس إنسانيتهم ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم.

لا أستطيع أن أتصور كيف يمكن لطفل أعزل أن يقضي أيامه متسكعا في شوارع غريبة، يتسول لقمة عيشه، بدلا من أن يذهب إلى المدرسة صباحا ويلهو مع رفاق اللعب مساء.

جاء في إحدى روايات دوستويفسكي، على لسان أحد أبطاله “يزعم بعضهم أن الوجود على هذه الأرض لا يمكن تصوره خاليا من الألم ومن الظلم اللذين يستطيعان وحدهما أن يهبا للإنسان معرفة الخير والشر. ألا بئست تلك المعرفة إذا كان هذا ثمنها! إن كل ما في العالم من علم لا يكفي للتكفير عن دموع تلك الطفلة التي تتوسل إلى الرب الرحيم أن ينجدها. الأطفال، الصغار الأبرياء، ما ذنبهم؟ كيف نسوِّغ عذاب الأطفال؟ تلك مشكلة لا أجد إلى حلها سبيلا… إذا كانت دموع الأطفال أمرا لا بد منه ولا غنى عنه لإكمال مقدار الألم الذي سيكون ديّة للحقيقة، فإنني أعلن جازما أن الحقيقة لا تستحق أن يُدفع ثمنها باهظا إلى هذا الحد”!

21