أقرب مدن الأرض من السماء

الأحد 2013/12/08
الناصر صلاح الدين: حضور مسرحي للذاكرة التاريخية

الرباط - في عداد "سلسلة دراسات" صدر مؤخراً عن "الهيئة العربية للمسرح" كتاب قيّم للباحث والناقد المسرحي المغربي عبد الرحمن بن زيدان تحت عنوان: "مقامات القدس في المسرح العربي – الدلالات التاريخية والواقعية". والكتاب، كما عبرت كلمة الناشر، يكتسب أهميته من كونه: "يتصدى للإجابة عن موقع القدس والقضية الفلسطينية في المسرح العربي، والتي لا بد وأن تكون قد احتلت مكانة في دراما المسرح العربي يتناسب ومكانة القدس في الواقع وفي التاريخ العربي، "مقامات القدس" بمنهجه النقدي الرفيع، "يتجاوز مهمة الإجابة على هذا السؤال ليطرح على المسرح العربي أسئلة جديدة عن دور المسرح في الدفاع عن قضايا الأمة ودوره في صياغة الوجدان وصناعة التاريخ، وإعادة صياغته وعن الاشتغالات التقنية والجمالية كروافع للمحمول الفكري".

من جانبه، يجلي د. ابن زيدان في تقديمه للكتاب – الذي يضم أربعة عشر مبحثاً – بعض القضايا التي تناولها، مبرزاً الأهداف والغايات التي كانت سبباً في نزوله، وفيها يجيب على السؤال الذي بنى به مكونات بحثه وقضاياه ودلالاته، وهو "لماذا مقامات القدس في المسرح العربي؟".

موضحاً أن أهمية هذا المصنف النقدي تكمن في القيمة الوازنة حول ما يقدمه من قراءات تتعلق بالقدس وبالمسرح، وبأفكار وتجارب فنية، تندرج كلها ضمن مدارات الهوية العربية وتاريخها ومعانيها في الزمن الفائت والحاضر وما بعده. فضلاً عن الحضور المميز لموضوعه الإشكالي، الذي تمثل معادلة الصراع فيه حقائق صراع حضاري ضارب في العتاقة والقدم، تشعبت فيه الصراعات الإيديولوجية والعقدية والثقافية بكل رموزها واشتغالاتها، على حد تعبيره.

المقصود - هنا - بالموضوع هو "مدينة القدس بكل تاريخها، وبكل التحديات التي واجهت بها من يريد إفراغ محتواها الأصيل من أصالته".

ويضيف د. ابن زيدان: "من اشتغالنا النقدي على موضوع القدس تولدت الجدوى من هذا المصنف الذي عنوناه بـ"مقامات القدس في المسرح العربي: الدلالات التاريخية والواقعية"، وجعلنا مصطلح "مقامات" في عنوان هذا الكتاب فاتحة المعنى الأول في تسمية هذا المصنّف، وهو العتبة الأولى التي منها يمكن أن ندلف إلى دلالات ما يقوله كل نص مسرحي تمت مقاربته، وتمّت قراءة خطابات كل عرض تمت مشاهدته.

يظهر في جل النصوص والعروض المسرحية التي تناولت مدينة القدس في مضامينها المسرحية وهي إعادة قراءة تاريخ فلسطين من الكنعانيين إلى الآن، والوقوف على أهم محطات الصراع بين الفلسطينيين واليهود

إن توظيف هذا المصطلح كمدخل لأول جملة في الكتاب يرمي إلى تأسيس المعنى الأول للعنوان – بشكل مركّز – للتدليل على أن إدراج هذا المصطلح في تركيب معنى هذا العنوان ليس اعتباطياً، وليس دون مقصد، وغاية، بل هو فعل إرادي غايته القيام بعملية تركيب دلالي لمعنى المكان، والمسرح، والتاريخ، والواقع الذي يقرب الإيحاء من حقيقة مدينة القدس التي تتكون من "مقامات" هي أساس وجودها في الإبداع، وفي التاريخ، وفي الذاكرة الحية لفلسطين".

رؤى تراجيدية


إلى ذلك، يبرز صاحب "المقامات"، أن ما لفت الانتباه في هذا البحث، هو أن "المسرح العربي ظل وفياً للعلاقة الناظمة لشكل اشتغاله على القضايا العربية الكبرى، وظل في كل تصوراته، وأثناء بناء شخوص النص، وأثناء تأويل الأحداث التاريخية، وأثناء استحضار (الحكواتي) الذي يبني صورة هذه المدينة في عالم المسرح لأنها حاضرة في الوجدان والمتخيل العربي، حتى أنها صارت علامة رامزة لتراجيديا المكان، وما يخفيه من أوجاع وشروخ تنطق بتراجيديات تنتمي إلى أزمنة مختلفة".

كما يؤكد الباحث المغربي أنه لم يرد تأسيس الجدوى من إنجاز بحثه هذا على الأجوبة الجاهزة والأفكار العامة، بقدر ما أراد أن يجعل من أسئلة النصوص، ومن علامات العروض المسرحية مدخلاً للمعرفة بالموضوع، بغرض تأسيس جدوى جديدة تقوم على فهم الموضوع وتحليله، قبل أن يسترسل، "إن الجدوى من إنجاز هذا المصنف هو اختبار قدرة القراءة النقدية على تجلية خبايا الإبداع في كل النصوص المسرحية ذات المضمون الفلسطيني بالقدس، وتحويل فعاليتها المسرحية وقوتها الدلالية إلى فعالية فاهمة لما تقرأ، توضح أفكار الدراما في خطاب النقد، وتقرب معنى صيغها التعبيرية من معاني ما ينتجه التلقي، وتقف على الكيفية التي تمت بها صياغة الوجود الواقعي والمتخيل لمدينة القدس في المتون المسرحية العربية".

دور المسرح في الدفاع عن القضايا العربية

ولقد قام د. ابن زيدان ضمن فصول كتابه بمقاربة تجربة المسرح المصري كفاعل عربي هام في الوعي بالقضية الفلسطينية من خلال تقديم قراءات خاصة بأشكال ارتباط هذا المسرح بكل متغيرات الواقع العربي، والفلسطيني، حيث قام بقراءة خاصة لمسرحية "النار والزيتون" للكاتب المسرحي ألفريد فرج، ثم مسرحية "وا قدساه" للكاتب يسري الجندي، ومسرحية "لن تسقط القدس" للكاتب شريف الشوباشي.

ومن بين ما توصل إليه الباحث أنه: "بعد معاينة العديد من النصوص المسرحية العربية، وجدنا أن العديد منها يقوم باستحضار البطل الناصر صلاح الدين الأيوبي كشخصية عربية يبني بها القوة الدلالية للنص اعتماداً على التاريخ، واعتماداً على ما تقوله الأحداث حول الانتصار العربي الإسلامي في موقعة حطين التي حررت القدس من الصليبيين".

كما يشير د. ابن زيدان أن: "هناك جانب هام يظهر في جل النصوص والعروض المسرحية التي تناولت مدينة القدس في مضامينها المسرحية وهي إعادة قراءة تاريخ فلسطين من الكنعانيين إلى الآن، والوقوف على أهم محطات الصراع بين الفلسطينيين واليهود، ومع العودة إلى التاريخ، والتعامل مع التراث الموروث كانت تصاغ الرؤية التراجيدية لهذا التاريخ بما يستجيب لضروريات اللحظة، والموقف، والاختيار. منها ضياع المدن والأمصار، ومنها الجدار العنصري العازل الذي وضعته قوات الاحتلال الصهيوني لتضييق الخناق على الفلسطينيين، وهناك الزمن الدموي الذي كتب الزمن الفلسطيني بالمقاومة، وهناك الحديث عن الوافد الغريب الذي استولى على الأرض، وأراد تغيير ملامحها، وقسماتها، وتاريخها بما يخدم حاجاته وأهدافه". كما يلقي الكتاب الضوء على عملية تحويل العديد من النصوص السردية الشعرية والروائية والقصصية إلى مسرحية بعد "أدرمتها" و"مسرحتها"، كي تنتقل من نوعها الأدبي وتدخل في "طقوسية" المسرح كما حقق ذلك المخرج العراقي قاسم محمد في تجربة مسرح "البوستير السياسي"، أو كما أنجزت ذلك العديد من المسرحيات التي تعاملت مع النص السردي للجزائري الراحل الطاهر وطار، أو تعاملت مع نص "المهرج" للكاتب السوري الراحل محمد الماغوط.

كما يُظهر الكتاب – أيضاً – كيف أن "العديد من النصوص والعروض المسرحية قد أبدعت في شاعرية اللحظة وشعريتها كل خطابات التسامح، والتعلق بالشرعية الدولية في حق الفلسطينيين بالعودة، ولم تهمل شروط بناء الحوار، وعمليات الترئية، التجارب المسرحية، حسب المدارس وحسب الاتجاهات".

يقع الكتاب في (480 صفحة من الحجم المتوسط،) وهو جدير بالقراءة، وتجدر الإشارة إلى أنه معزز بمجموعة من الصور حول بعض التجارب المسرحية الفلسطينية، مع ملحق "بيبلوغرافيا" لـ"النصوص المسرحية العربية بين الحضور والغياب"، ومشروع بيبلوغرافيا "النصوص المسرحية العربية حول فلسطين والقدس".

14