أقصر طريق للخروج من متاهة

يتقاسم مجموعة “أقصر طريق لحل المتاهة” فضاءان: فضاء لنص متاح لتأويلات مفتوحة، وآخر لمجموعة لوحات تشكيلية جاءت مرايا لحالات القلق المتلبسة في النصوص، تلك النصوص التي تقف في مسافة واحدة بين اليومي والسياسي والفلسفي، متهكمة ساعة، ومحللة أخرى، وراصدة لقلقها في معظم الحالات، وكأنها تجترح من المساءلة الشعرية تفاصيل المجموعة على مستوييها النصي والتشكيلي.
الثلاثاء 2015/06/02
المجموعة تأخذ معنى ذهنيا مسكونا بالأسئلة والبحث

الدمام- وأنت تقرأ نص الكاتبة والتشكيلية السعودية فاطمة المحسن -التي تنحدر من القصيم في السبعينات من القرن العشرين- تتعجب كيف لهذه اللغة المتماسكة العالية ألا ترى النور إلا متأخرا عبر كتابها الأول “أقصر طريق لحل المتاهة” الصادر عن منشورات ضفاف في لبنان بداية 2015.

ففي ظل الإصدارات الكثيرة التي لا يمكن حصرها ولا عدّها إلا من قبل باحث مهتم بالمحتوى الأنطولوجي لم تعد من الممكن متابعة كل ما تنتجه المطابع العربية يوميا، خصوصا تلك الإصدارات القادمة من باب رفع العتب، أو من باب الاستمرارية في الوقوف على المشهد الثقافي فقط.

تعبّر المحسن عن رأيها في هذا الشأن لـ”العرب” قائلة “قد يكون هاجس النشر أكثر إلحاحا لدى أيّ كاتب أو كاتبة في أوقات سابقة، لكن مع الانفتاح والتنوّع في وسائل الوصول للقارئ الذي جاء مع ثورة الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي انصرف الكاتب حسب رأيي إلى سؤاله الشخصي وعوامل نضج تجربته مادام القارئ قريبا والاستقبال أسهل من أيّ وقت مضى”.

تضيف “ليس التصنيف هاجسي، وأرى أنه لم يعد هاجسا لدى تيار متزايد من الكتاب الذين بدأوا تجاربهم مؤخرا، إن الحدود بدأت تتلاشى بين الأجناس الأدبية بشكل واضح، وأنا لست بمعزل عن هذا، قد يكون اشتغالي بالفنون التشكيلية اطلاعا وممارسة ساهم في عدم تقديم الكتاب بتصنيف أدبي، وقد يكون لانحسار التصنيفات الأدبية عن التناول والدراسات النقدية أثر في ابتعاد الكتاب إلى طمأنينة مفردة: إلى نصوص بدلا من معسكرات الشعر والقصة والمسرح.

أضف إلى كل هذا سهولة الحصول والتأثر بأشكال فنية متعددة ذات مدارس ومشارب مختلفة مما أثر على المنتج النهائي، إني لست بمعزل عن كل هذا كما قلت”.

نصوص المحسن -الفنانة والشاعرة المنتمية إلى جهة كونية هي الأكثر قمعا للمرأة وسط مجتمع ذكوري محافظ- توقع القارئ في متاهة من الضياع والعتمة، الأمر الذي يجعله -وهو يقلب نصوص المجموعة- يبحث معها عن الطريق الأقصر للخروج من متاهتها.

وترى المحسن أن هذه المتاهة تأخذ معنى ذهنيا مسكونا بالأسئلة والبحث. تقول المحسن: “المتاهة التي يتحدث عنها الكتاب متاهة ذهنية، بمعنى أنها مغامرة لغوية لونية لم تطرح بعد أسئلتها الخاصة، ولا يعنيها الآن على الأقل هاجس الإبداع والمحافظة.

إن عبور المتاهة من أقصر الطرق يستدعي قدرا لا بأس به من الجسارة والسرعة التي أصبحت عليها ظروف القراءة والكتابة، وأتمنى أن أكون قد وفقت به ربما إلى متاهة أخرى”.

للمحسن رأيها الخاص حول مقولات الأدب النسوي وتصنيفاته، فهي ترى بأن هذه المسائل قديمة وما عادت صالحة، وما هي إلا تبسيط للواقع. تقول لـ”العرب”: “لا زالت المقولات تعيد نبش غرفة فيرجينيا وولف، غير عابئة ربما بالاتساع الهائل الذي صارت عليه طاولة الكتابة، أعني أن الفضاء الجديد الذي أثر على طرق الكتابة والقراءة معا وأضاف أوعية جديدة لطرق النشر لم يترك مجالا للتصنيف وفق النوع إلى أدب نسوي وأدب ذكوري. قطع النص المكتوب سنوات ضوئية في رأيي مقارنة بمحاولات قراءته، ومفهوم الأدب النسوي في رأيي هو تبسيط مبالغ فيه لما يكتب”.

وحول سؤال عن رأيها في الهموم الثقافية الأبرز التي تشغل المبدعة السعودية اليوم، في ظل التحولات الحاصلة في المنطقة. تجيب المحسن: “قد يكون إثبات الوجود ومحاولة إكمال خطوة تامة هاجسا مشتركا في الخطوات الأولى بالنسبة إلى الرجل والمرأة على حدّ سواء، معترك الكتابة لازال جديدا وواعدا ويتأثر بسرعة هنا، من سوء حظه ربما لأنه يعيش في منطقة بهذا الثقل والتنوع والتغير المتلاحق، لكنه يملك أدواته في التكيف والتجدد واستمرار المحاولة”.

فاطمة المحسن بالإضافة إلى اشتغالها على الكتابة مهتمة بالتشكيل، وتؤمن أن الرسم لا تقيّده أداة أو تكنيك. فهي تمارس الرسم الكلاسيكي والرقمي في خطين متوازيين للحفاظ على متعة التماهي الجسدي مع اللوحة اليدوية، وعلى تعدد الخيارات والفضاء الأوسع في المجال الرقمي. دون أن تدرج نفسها ضمن إطار يقلص فرص اختياراتها.

15