أقلام عربية كتبت بالفرنسية واشتهرت في العالم

الأحد 2014/01/19
باريس في المطر: شوارعها مقصد مئات أدباء العالم

باريس - للعرب إسهام كبير في إثراء المكتبة الفرنسية، وقد برزت منذ خمسينات القرن الماضي عدة أسماء فرضت حضورها على أحفاد فولتير وزولا وهوغو وبودلير بأعمال متميزة في النثر والشعر، تعتبر اليوم من كلاسيكيات هذا الأدب، مثل كاتب ياسين ومولود فرعون ومالك حداد ومحمد ديب من الجزائر، وأحمد السفريوي وإدريس الشرايبي من المغرب، ومحمود أصلان والهاشمي البكوش من تونس، وجورج حنين وجويس منصور وألبير قصيري من مصر، وجورج شحادة وأندري شديد وإيتيل عدنان وصلاح ستيتية من لبنان.

فسّر مؤرخو الأدب إقبال العرب على الكتابة بلغة الآخر بالحضور الاستعماري المهيمن، الذي لم يفرض نفوذه العسكري والسياسي فحسب، بل فرض أيضا نمط عيشه وثقافته ولغته عبر نشر مؤسسات تربوية سعت إلى تهميش اللغة العربية، يصح ذلك خاصة على الجزائر التي اعتبرها الاستعمار مقاطعة فرنسية خاضعة مباشرة للسلطة المركزية في باريس، أما في المغرب وتونس فكان الضغط أقل، أولا لأن الاستعمار اتخذ وجه “حماية ” منذورة إلى الزوال طال الزمان أم قصر، ثانيا لأن التعليم كان باللسانين، ولم تفقد العربية موقعها كلغة قومية. كذلك الشأن في لبنان وسوريا ومصر حيث كانت الفرنسية في الغالب حكرا على الطائفة المسيحية والقبطية والطبقة الأرستقراطية والجاليات الأوروبية، ولم تتغلغل في أوساط المجتمع على نحو ما رأينا في المغرب العربي.

توهج الفرنسية

كان الظن السائد أن الفرنسية ستزول برحيل المستعمر، باعتبارها سلاحا اختاره المثقفون العرب لمقاومة المناهضين وكسب المتعاطفين من الفرنسيين أنفسهم كما فسّر بعض الرواد، ولكن حصل العكس، فبعد صمت وجيز رافق استقلال تلك الأقطار وصعود التيارات القومية – أقلع خلاله بعضهم عن الكتابة بلغة الآخر مثل مالك حداد، أو هاجر إلى اللغة العربية مثل رشيد بوجدرة أو اللغة البربرية مثل كاتب ياسين، – عادت الفرنسية بأكثر قوة، سواء في المغرب العربي حيث برزت أسماء مثل رابح بلعمري وآسيا جبّار ورشيد ميموني في الجزائر، وعبد اللطيف اللعبي وعبد الكبير الخطيبي ومحمد خير الدين والطاهر بن جلون في المغرب، وعبد الوهاب المؤدب ومحمد عزيزة ومجيد الحوسي في تونس، فيما تواصل حضورها في لبنان بغير قطيعة إما مع الأسماء نفسها أو مع الجيل الذي تلاها، مثل عزة آغا ملك وجاد حاتم وخصوصا أمين معلوف. ولم تختف تقريبا إلا في سوريا ومصر. ويعزى ذلك إلى سببين اثنين فيما يرى الدارسون. أولهما أن التعليم المزدوج في بلدان المغرب العربي بعد الاستقلال أنتج جيلا يتقن الفرنسية ويجد فيها راحته للتعبير عن مكنون صدره، إما عن ميل وقناعة، أو عن عجز عن التعبير بغيرها. وثانيهما أن الأنظمة الوطنية التي وثبت إلى السلطة فرضت رقابة صارمة على المطبوعات بشكل حدّ من حرية التعبير، خصوصا فيما عرف بالتابوهات الثلاثة (الدين والجنس والسياسة ). وهو ما حدا بالكتاب الفرنكفونيين إما إلى نشر أعمالهم خارج أوطانهم، كما فعل أغلب الكتاب الجزائريين، أو إلى الهجرة إلى فرنسا مثل جماعة “أنفاس″ في المغرب وجماعة “آفاق” في تونس. ورغم تسليمنا بصواب هذا التفسير، فإننا نرى أن هاجس الانتشار لا يقل عنهما أهمية، فليس من يطبع كتابا بالفرنسية في تونس أو الدار البيضاء أو الجزائر العاصمة أو بيروت كمن يطبع كتابه في دور النشر الكبرى بباريس، حيث الجمهور الطبيعي لهذا الأدب، ولو جاء بأقلام غير فرنسية. ولذلك كانت العاصمة الفرنسية بالنسبة إلى الكتاب العرب، مغاربة ومشارقة، نقطة عبور لا غنى عنها لتسجيل الحضور وضمان الانتشار والعالمية.

كتابة الواقع

حتى هذه الفترة، كان الإنتاج الشعري في عمومه ذا نبرة نضالية مباشرة، أو منخرطا في تيارات الحداثة الأوروبية، يواكب بلمسات مخصوصة تجارب أعلام الشعر في فرنسا من مالارميه ورامبو وسان جون بيرس إلى رونيه شار وإيف بونفوا وأوجين غيوفيك، أو ينهل من السريالية والرومانسية الألمانية والتصوف الإسلامي. أما الإنتاج الروائي، فكان لدى المغاربيين في بدايته تصويرا للمجتمعات العربية ومعاناتها زمن الاحتلال وفظائعه، يقاوم التغريب ولو بلسان غريب، في أشكال فنية كلاسيكية، ثم انتقل إلى نقد الأوضاع المستجدة وخيبة الإنسان العربي بعد تسلط أنظمة قامعة، ملكية أو جمهورية أو عسكرية، تنكرت لوعودها، أو تصوير التحولات الاجتماعية والاقتصادية وأثرها على الفرد. أما في المشرق فكان في أغلبه احتفاء بالتاريخ وأبطاله وأعلامه، في نبرة يستعيد من خلالها مجدا أفل، ويفتح للغد بابا نحو الآمال المنشودة.

في هذه الفترة أيضا نشطت الهجرة إلى الشمال الأوروبي، ولم تقتصر على العمالة وحدها، بل شملت أيضا النخب المتعلمة وطلبة العلم والمعرفة والساعين إلى فضاءات أرحب. وكان من أثر ذلك تزايد عدد الكتاب الفرنكفونيين من المغرب العربي مثل دنيا شرف وعبد الحق سرحان والحبيب تنغور ونبيل فارس وطاهر البكري وفوزي الملاح ومصطفى التليلي، ومن لبنان مثل هدى أديب وفينوس خوري غاتا، فيما واصل الجيل المتقدم كمحمد ديب وألبير قصيري وروبير سوليه نشر إنتاجه بفرنسا.

رشيد جيداني: رواياته الأكثر مبيعا

في المقابل ظهر جيل آخر من الكتاب ينشرون أعمالهم بالفرنسية داخل أوطانهم، بعد أن صارت لغة المستعمر القديم لغة تواصل وإعلام وتدريس، توازي اللغة العربية وتزاحمها في مواقع كثيرة، ولم يعد ينظر إليها كأداة استلاب واغتراب، بل كلغة تقول ما لا تقوله اللغة العربية، فيما يزعم بعض رؤوسها في المغرب والمشرق على حدّ سواء. نذكر من بينهم الطاهر جعوط ومليكة مقدّم وفريال أسيما وليلى مروان في الجزائر وآمنة بلحاج يحيى وعلي بشر وعبد العزيز بلخوجة في تونس وجاد حاتم ونادية تويني في لبنان، بينما اغتنم المغتربون نشر أعمالهم حيث يقيمون، كفؤاد العروي وهادي بوراوي ورفيق بن صالح وأمينة سعيّد وفوزية الزواري وهالة الباجي وياسمينة خضراء وليلى صبّار وألكسندر نجار وشريف مجدلاني، أو اختاروا النشر في باريس دون أن يبرحوا أوطانهم مثل الجزائري أمين الزاوي واللبنانية دومنيك إدة وسواهما.

وإذا كان جيل الرواد قد اختار الفرنسية ليكون شاهدا على ما يجري، أو مناضلا بالقلم والفكر، أو حاضّا على الدفاع عن التربة وتركة الأجداد من أجل رسم مستقبل تضيئه شمس الحرية، فإن الجيل الذي تلاه انكب على الاشتغال على نصه بوصفه عملا فنيا أولا وأخيرا، دون أن يهمل المضمون الذي تنوع بتنوع موقع كاتبه. فالمغاربيون سلطوا الضوء على مجتمعاتهم بعاداتها وتقاليدها، وتآكل قيم الحداثة فيها وهي التي كانت تطمح إلى التفتح على العالم المتقدم، فإذا هي عرضة لانتكاسات كثيرة ليس أقلها الهزات الاجتماعية، ومدّ رجعي يهددُ بردّة حضارية، وعالجوا قضايا هامة كالهجرة والغربة والعلاقات المتأزمة بين الأجيال. أما اللبنانيون فكانت الحرب الأهلية، بصراعاتها الطائفية وتشعباتها الإقليمية، وآثارها المريعة على الأرض والنسل هي المشغل الطاغي، مع ارتداد إلى الأساطير المؤسسة للهوية اللبنانية.

هادي قدور: جائزة أول عمل روائي

ظاهرة الهجرة

شكلت الهجرة إلى أوروبا بعامة وفرنسا بخاصة ظاهرة كشفت عن عجز أقطار المغرب العربي عن استيعاب الشباب العاطل، حتى أنه قلّ أن تجد فيها أسرة لم تحترق بنار الفراق وهي تودع أحد أبنائها. ولئن كان التغرّب في البداية خاضعا لاتفاقات ثنائية بين الدولة المضيفة والدولة المصدرة لليد العاملة، فقد أصبح على مرّ السنين ناجما عن مبادرات فردية، يروم أصحابها من خلالها تحسين وضع مادي مأزوم، ما عادت الحكومات المتعاقبة في بلدانهم قادرة على إصلاحه أو ترميمه. وانضافت إلى أبناء المهاجرين السابقين الذين يعانون الميز والعنصرية والبطالة أفواج أخرى خيّب الكساد الاقتصادي الذي يضرب فرنسا منذ أعوام أفق انتظارها. وخلافا للجالية اللبنانية التي هاجرت هربا من ويلات الحرب واستطاعت أن تنصهر في النسيج الاجتماعي والاقتصادي بغير مشقة، عاشت الجالية المغاربية، كسابقاتها، عيشة السخرة والاستنزاف والتهميش. هذه الظاهرة تناولها الأوائل من منظور الهوية، حيث يفخر أبطال رواياتهم بكونهم مغاربيين، يعتزون بانتمائهم، ولم يفقدوا بالتغرب عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم ودينهم، ثم صاروا في نظر التالين ثيمة للحديث عن تمزقهم بين ضفتين وثقافتين، وإحساسهم الحاد بالغربة، وخوفهم من استلاب أبنائهم. أما بالنسبة إلى الجيل الجديد، الذي رأى النور في ديار الغربة، ويطلق عليه تسمية “بور” بقلب عبارة “روبو” أي عربي بلهجة الفرلان، فقد باتت مسألة الانتماء تثار بأكثر حدة، حتى أن بعض الغلاة وجد في عبارة “عرب لا يستدل إلى هويتهم” A.N.I. (Arabes Non Identifiés أدق وصف لما يلاقونه في الغربة، فالفرنسيون يعتبرونهم عربا مهاجرين، رغم حيازتهم الجنسية الفرنسية، ومواطنوهم في الضفة الأخرى يعاملونهم معاملة الأغراب. هذا الجيل، الذي يتسم بالاندفاع وروح المغامرة، لا ينكر أصله، ولكنه انبرى يناضل من أجل فرض وجوده كمواطن فرنسي تام الشروط، له ما لأهل البلاد من حقوق وواجبات.

أدب الأبناء


آسيا جبار: أول عربية في الأكاديمية الفرنسية

ظهر أدب “البور” في مطلع الثمانينات، برواية “شاي في حرملك أرخي آميد ” (بالجمع بين المقطع الأول من أرخميدس وأحمد كما ينطق بالفرنسية) لمهدي شارف، ثم عقبه ناصر كتّان وفريدة بلغول وعزوز بقاق بنصوص سردية كانت في جملتها سيرا ذاتية أو شهادات يروي من خلالها الذكور صعوبة العيش في الضواحي الفقيرة، والميز الذي يلاقونه في المدرسة والشغل والقضاء، والمظالم التي يتعرضون لها، خصوصا من أعوان الأمن، فيما تروي الإناث حالات التوتر داخل العائلة، كسلطة الأب، الغائب عادة، أو الأخ الأكبر، المهمين على الدوام، وعدم تفهم الأم، الأمية في الغالب، وصراعهن من أجل الانعتاق من السلطة الذكورية، أو ازدواجية سلوكهن بين إبداء الطاعة في البيت، والعيش بحرية خارجه.

هذه المحاولات لفتت الانتباه في البداية، ولكنها وضعت أصحابها في مأزق ثنائية الخطاب حول الاندماج، فوسائل الإعلام التي أثنت عليها بوصفها نتاجا لشبان الضواحي، إنما صنفت مؤلفيها في خانة كانوا يناضلون من أجل كسر طوقها.

ومن ثَمّ، شهدت العشرية الموالية ظهور كتاب جدد يرفضون مثل ذلك التصنيف، كتاب يتوقون إلى الكوني والمطلق دون تقيد بانتماء لجالية، ويطالبون بأن “يُنظر إلى ما يفعلون لا إلى مَن يكونون” حسب التعبير الرائج وقتها. وقد جاءت نصوصهم أكثر تماسكا وإقناعا، سواء من حيث مضمونها الذي يزاوج بين قضايا الضفتين وذاكرة شعوبها، أو من حيث أشكالها الفنية التي لا تقل تطورا عما يكتبه الفرنسيون أو الفرنكفونيون المتمرسون، مثل روايات عقلي تاجر أو ننيا بوراوي، وقضوا بذلك على سمة “البور” أو حوّلوها إلى مادة ساخرة أو عناوين لبعض أعمالهم كما في “بور السين” لمهدي بلّاوي، و”بور ستوري” لفروجة كساس. فقد صارت المقاربة مختلفة حتى عند معالجتهم ثيمة الهجرة والمنفى، لأنهم كانوا ينظرون إليها من زاوية أخرى، ويعالجونها بأدوات الفنّ، بعيدا عن الإيديولوجيا التي طبعت أعمال سابقيهم.

ظهرت منذ أواخر تسعينات القرن الماضي أصوات جديدة ولدت في المهجر، وإن شئنا الدقة قلنا ولدت في “وطنها” فرنسا، أي في بلد نشأت فيه وتعلمت ونسجت في أعطافه علاقاتها الاجتماعية، ولا تروم عنه تبديلا، وإن كانت كما أسلفنا لا تنكر جذورها، ولا الأصول التي يتحدّر منها الآباء والأجداد. ومن ثَمّ كانت القضايا التي عالجتها هي ما يشغل شباب جيلها وأحلامه وتطلعاته ومخاوفه وتوجساته، وكذلك موقفه من الحياة والنفس ونظرته إلى العالم.

إذا كان جيل الرواد قد اختار الفرنسية ليكون شاهدا على ما يجري، أو حاضا على الدفاع عن التربة وتركة الأجداد، فإن الجيل الذي تلاه انكب على الاشتغال على نصه بوصفه عملا فنيا أولا وأخيرا

نجد ذلك في روايات مهدي بلحاج قاسم والأخضر بلعيد وخصوصا رشيد جيداني الذي بيع من روايته “بومكور” ما يقارب مئة ألف نسخة، أو فايزة غين التي لقبت بـ “ساغان الضواحي” بعد صدور باكورة أعمالها الروائية “كيف كيف غدا” أو هادي قدّور الذي فاز بجائزة أول عمل روائي عن روايته “ولتنبرغ”.

رافد ثقافي

هذا الزخم من الإنتاج الأدبي باللغة الفرنسية أفرز أعمالا متميزة في الشعر والقصة والرواية بوأت أصحابها مكانة متقدمة في المشهد الثقافي الفرنسي والعالمي (من ذلك مثلا أن آسيا جبّار مرشحة منذ سنوات لنيل جائزة نوبل)، وجلبت لأصحابها جوائز كبرى مثل جائزة الأكاديمية الفرنسية التي منحت للهاشمي البكوش عن رواية “إيماني باقٍ”، وغونكور التي أسندت إلى الطاهر بن جلون عن روايته “ليلة القدر”، ثم إلى أمين معلوف عن “صخرة تانيوس"، وغونكور القصة القصيرة التي منحت لفؤاد العروي عن مجموعته “قضية سروال داسوكين الغريبة”، وجائزة رينودو التي فازت بها نينا بوراوي عن رواية “أفكاري السيئة” علاوة على جوائز أخرى كثيرة، دونها قيمة لا محالة، ولكنها تشهد عن حضور عربيّ – وبربري أمازيغي - لافت. فقد شكلت بعض الأعمال إضافة هامة إلى مدونة الأدب الفرنسي مثل “نجمة” كاتب ياسين وثلاثية محمد ديب وروايات رشيد ميموني دون استثناء و”ليون الإفريقي” لأمين معلوف ودواوين أندريه شديد وصلاح ستيتية وجورج شحادة وإبداعات أخرى لا تتسع لها هذه الورقة. وقد حظي الجيل الأول، في فورة انطلاقته أواسط الخمسينات، باهتمام النقاد والدارسين، وكذلك الجيل المتأخر، فيما لا يزال الاشتغال على الجيل الأوسط، رغم غزارة مصنفاته وتنوعها، دون المؤمل، عدا دراسات متفرقة حول تجربة هذا الكاتب أو ذاك، في حدود علمنا.

ولسائل أن يسأل في الختام عن مدى صلة هذا الأدب بالأدب العربي. هل يمكن اعتباره عربيا لمجرد أن كتابه عرب؟ وهل هو رافد له يثريه ويغنيه؟

مثل هذه الأسئلة طرحت منذ الخمسينات، واتُّهِم الكتاب الجزائريون فجر الاستقلال بالخيانة، مما جعل البعض منهم يقلع عن الكتابة بالفرنسية أو يتحول إلى لغة الضاد كما أسلفنا، أو يتنكر للأصل الفرنسي ويعيد تأليفه بالعربية كما فعل محمود المسعدي في كتابه “السدّ”.

12