أقليات بلاد الرافدين تكتب تغريبة عراقية جديدة

الجمعة 2014/08/08
المتطرفون يستهدفون تمزيق الفسيفساء العراقية بتهديدهم للأقليات

بغداد – الأقليات الدينية في العراق في مرمى أسلحة تنظيم الدولة الإسلامية الذي غزا ديارهم وسبا نساءهم ودنّس كنائسهم ومعابدهم تحت شعارات، الإسلام منها براء.

في غمرة صيحات الفزع التي أطلقها مسيحيو العراق مستغيثين من تهديد تنظيم الدولة الإسلامية، علت صيحة فزع أخرى، مصدرها هذه المرة الطائفة الإيزيدية، وسط تحذيرات جدّية من أن أعمال مشابهة قد تطال أقليات أخرى من مكوّنات المجتمع العراقي.

يمكن القول إن هذا الأسبوع، كان أسبوع الإيزيديين في العراق، حيث طغت أخبار داعش معهم على أغلب الأحداث الأخرى في البلاد. ودق ناقوس الخطر صيحة النائبة العراقية، فيان دخيل، التي تردّد صدى كلماتها في مختلف وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في العالم.

فيان دخيل قالت وهي تغالب دموعها إن أبناء الطائفة الإيزيدية يعانون من عمليات القتل والتهجير والاضطهاد الوحشي بعد دخول تنظيم داعش منطقة سنجار، إثر انسحاب قوات البيشمركة الكردية. وصرخت فيان قائلة: "نذبح تحت يافطة لا إله إلا الله ونساؤنا تسبى وتباع".

وأضافت النائبة العراقية: "هناك حملة إبادة جماعية على المكوّن الإيزيدي، أهلي يذبحون، كما ذبح كل العراقيين، ذُبح الشيعة والسنة وكل الطوائف، نريد، بعيدا عن كل الخلافات السياسية، تضامنا إنسانيا باسم الإنسانية، أنقذونا، 48 ساعة، و30 ألف عائلة محاصرة في جبل سنجار، 70 طفل ماتوا من العطش والاختناق". نقلت كاميرات وكالات الأنباء الدولية في العراق صورا حيّة لما جاء على لسان النائبة العراقية، وقدّمت للعالم مشاهد واقعية للتغريبة الإيزيدية، التي هي جزء من تغريبة تطال المجتمع العراقي بكافة طوائفه وقومياته ودياناته.

مدن تلكيف وقره قوش وبرطلة وكرمليس خلت بشكل نهائي من سكانها المسيحيين

في بلدة سنجار ترك الإيزيديون حياتهم متاعهم ومعابدهم، وتوّجهوا نحو تركيا وإقليم كردستان العراق. ومن الموصل فرّ المسيحيون من حاضنتهم بعد أن عاث فيها رجال داعش وحشية وعنفا، مثلما فروا من الكوير وقرقوش. وتحتضن مخيمات عديدة على مشارف أربيل لاجئين تركمان وعرب (سنة وشيعة) هربوا خوفا من بطش داعش وإرهابها.

يتحدث إيزيديون نازحون من سنجار بغضب ومرارة عن وقائع رأوها بأم أعينهم في الأيام القليلة الماضية في المناطق التي نزحوا منها، إلى التلال المحيطة ببلدة شيخان، ذات الأغلبية الإيزيدية، والخاضعة لسيطرة قوات البيشمركة.

وفي حديث مع أحد المشرفين على استقبال النازحين (من أهالي شيخان)، قــال إنــه وحده استقبل ما لا يقــل عن 500 عائلـة، مشيـرا إلـى أن عـــدد النازحـين يـزداد باطـراد.

من جانبه، قال خالد صباح، الذي نزح من سنجار نتيجة هجمات عناصر تنظيم داعش ويقيم اضطراريا في معبد “لالش”، أهم مزار للديانة الإيزيدية في العالم: "لو أن قوات البيشمركة سلمتنا الأسلحة لدافعنا عن سنجار، ولما سمحنا لعناصر الدولة الإسلامية بالدخول إليها".

وأشار صباح إلى أن "عناصر داعش والمسلحون المتطرفيون من خلال مكبرات الصوت يعلمون الأهالي بالاختيار بين اعتناق الإسلام أو مواجهة عقوبة القتل، وهذا ما يسبب الرعب هناك".

والتقط طرف الحديث أحد رجال الدين في معبد “لالش” قائلا إن المسلحين المتطرفين بعد قتلهم عشرات الرجال من أهالي سنجار قاموا أيضا بأخذ عدد مماثل من النساء معهم كسبايا.

وأضاف رجل الدين الإيزيدي: "نزح عشرات الآلاف من أهالي سنجار إلى الجبل (سنجار) خشية الوقوع في أيدي العناصر المتطرفة، وهناك مخاوف كبيرة من وقوع كارثة إنسانية هناك".

يقع جبل سنجار في غرب محافظة نينوى وهو عبارة عن ارتفاعات بطول 70 كم تحيط به أراض منبسطة شبه صحراوية من جميع الأطراف، والتي سيطرت عليها الجماعات المتشددة يوم الأحد الماضي، والغالبية الساحقة من سكان المنطقة هم من الكرد الإيزيديين، بالإضافة إلى أقلية مسلمة من الشيعة والسنة من العرب والكرد.

ويحد قضاء سنجار من الناحية الشرقية قضاء تلعفر ذو الغالبية التركمانية المسلمة، بالإضافة إلى أقلية سنية، ونزح التركمان من تلعفر عقب سقوط مناطقهم بيد مسلحي الدولة الإسلامية.

كنيسة سيدة النجاة

ظهرت الإيزيدية في بلاد العراق منذ أكثر من أربعة آلاف عام. ويعتبر أتباعها أنها من أقدم الديانات في العالم. وقد اختلطت على مر الزمان بالمسيحية والإسلام. وبحسب باحثين تعد الديانة الإيزيدية من الديانات الكردية القديمة، لأن جميع نصوصها الدينية تتلى باللغة الكردية في مناسباتهم وطقوسهم الدينية. والتوحيد هو أحد الأسس الثابتة في فلسفة الإيزيدية. ويصلي أتباعها ثلاث مرات إلى الله متوجهين إلى الشمس. وهم يؤمنون بوجود سبعة ملائكة خلقوا من نور الله وأن “الطاووس ملك” وهو رئيس الملائكة. وينقسم الإيزيديون إلى ثلاث طبقات دينية لا يجوز التزاوج بينها كما لا يجوز زواج الإيزيدي من أتباع الديانات الأخرى. ومن معتقداتهم القديمة تحريم أكل الخس وارتداء اللون الأزرق.

ووفق إحصائيات غير رسمية، يقدر عدد الإيزيدية بنحو 600 ألف نسمة في العراق، غالبيتهم تقطن في محافظتي نينوى ودهوك (شمال العراق)، فضلا عن وجود أعداد غير معروفة في سوريا وتركيا وجورجيا وأرمينيا، وأعداد أخرى من المغتربين في دول أوربية أبرزها ألمانيا.

أصبح وجود هذه الأقلية اليوم بالعراق مهددا من قبل تنظيم الدولة الإسلامية بعد سيطرة التنظيم على مدينة سنجار ونزوح الآلاف من الأسر نحو الجبال. وذكرت مصادر من هناك أن هؤلاء مهددون بالموت جراء الجوع والعطش بسبب محاصرتهم في هذه الجبال من قبل عناصر التنظيم المذكور.

المسيحيون يستغيثون

يشكل مسيحيو العراق الذين فر عشرات الآلاف منهم أمس الخميس بعد دخول متطرفي تنظيم داعش عدة مدن في شمال العراق، مجموعة مهددة وهاجر عدد كبير منهم البلاد في السنوات الأخيرة. وأعلن رجل دين مسيحي عراقي أن المسلحين الإسلاميين المتطرفين سيطروا الخميس على مناطق المسيحيين في محافظة الموصل (شمال) وأجبروا عشرات الآلاف منهم على الفرار.

وأعلن بطريرك بابل للكلدان في العراق والعالم لويس ساكو، وهو أبرز رجل دين مسيحي في العراق أن “نحو مئة ألف مسيحي نزحوا بملابسهم وبعضهم سيرا على الأقدام للوصول إلى مدن أربيل ودهوك والسليمانية الكردية”، محذرا من أنهم يواجهون خطر الموت في حال عدم تأمين الطعام والمأوى لهم.

من جهته، قال يوسف توما، رئيس أساقفة كركوك والسليمانية: "إنها كارثة، الوضع مأساوي، ونحن نناشد مجلس الأمن التدخل الفوري” مضيفا أن “عشرات الآلاف من السكان المذعورين هربوا".

وقال رجل الدين إن "مدن تلكيف وقره قوش وبرطلة وكرمليس خلت بشكل نهائي من سكانها المسيحيين وأن النازحين يسلكون الطرق ويستقلون مركبات للوصول إلى نقطة التفتيش في أربيل للدخول إليها".

وكان تنظيم داعش الذي يسيطر على الموصل منذ يونيو وجه منتصف يوليو انذارا يمهل المسيحيين بضع ساعات لمغادرة مدينتهم وإلا سيكون مصيرهم التصفية. وكان قد خيرهم بين “اعتناق الإسلام” أو “عهد الذمة” أي دفع الجزية، مهددا بأنهم "إن أبوا ذلك فليس لهم إلا السيف".

استهداف طائفي

قبل الاجتياح الأميركي في 2003 كان عدد المسيحيين في العراق يزيد عن المليون منهم أكثر من 600 ألف في بغداد و60 ألفا في الموصل، لكنهم كانوا موزعين أيضا في مدينة كركوك الغنية بالنفط (شمال) ومدينة البصرة في الجنوب.

لكن بسبب أعمال العنف الدامية التي هزت البلاد منذ ذلك الحين لم يعد عددهم يربو اليوم عن أربعمئة ألف في كل مناطق العراق، نصفهم في نينوى التي تعد الموصل عاصمتها. وكان بطريرك الكلدان في العراق والعالم لويس ساكو صرح أنه "لأول مرة في تاريخ العـراق، تفـرغ الموصل مـن المسيحيين".

وقال ساكو إن مغادرة المسيحيين وعددهم نحو 25 ألف شخص لثاني أكبر مدن العراق التي تضم نحو 30 كنيسة يعود تاريخ بعضها إلى نحو 1500 سنة، جاءت بعدما وزع تنظيم الدولة الاسلامية بيانا يطالبهم بمغادرتها.

بحسب المصادر التاريخية دخلت المسيحية إلى العراق مع القديس توما الرسول أواخر القرن الأول بعد المسيح. والأكثر ترجيحا أن المسيحية في هذه البلاد تعود إلى القرن الثاني بعد ميلاد المسيح.

المسلحون المتطرفون بعد قتلهم عشرات الرجال من أهالي سنجار قاموا بأخذ عدد مماثل من النساء معهم كسبايا

بعد الغزو الأميركي استهدفت الطوائف المسيحية التي ربطت بـ”الصليبيين” الغربيين بأعمال عنف طائفية. وخلال عشر سنوات هوجمت 61 كنيسة وقتل نحو ألف مسيحي. والاعتداء الأكثر دموية وقع في 31 اكتوبر 2010، عندما قضى 44 مصليا وكاهنان في الهجوم الذين شنه تنظيم القاعدة في العراق والشام على كاتدرائية السريان الكاثوليك في بغداد.

والمسيحيون ليسوا الأقلية الوحيدة التي تخشى توغل داعش، فقد وردت تقارير عديدة عن هجمات على قرى الشبك، كما يستهدف المسلحون طائفة التركمان، وهي ثالث أكبر جماعة عرقية في العراق.

وما يعيشه المسيحيون والإيزيديون تعشيه أيضا أقليات عديدة من مكوّنات الشعب العراقي، التي صنعت في الماضي تاريخ بلاد ما بين النهرين حيث تتداخل مجموعة مختلفة ومتعددة من الهويات وتتعايش منذ آلاف السنين.

هناك في ماضي بلاد الرافدين عاش الناس سواسية مختلطين، فكان العرب والتركمان والكرد والمسلمون السنة والشيعة والمسيحيون الأرثوذوكس والروم والصابئة والآشوريون إلى جانب اليهود والإيزيديين والسريان. هذا المزيج من الأديان والأعراق والهويات الحضارية صنع، في الماضي، تفرّد العراق لكنه اليوم يشهد تدنيسا وتشويها من جهات متطرّفة تسعى إلى تمزيق الفسيفساء العراقية.

12