أقلية مسلمة هجرها الاضطهاد في باكستان فوجدت الحرمان في الصين

الثلاثاء 2014/07/01
جماعة الأحمديّين من أكثر الأقليات تعرضا للاضطهاد في باكستان التي تمنعهم من اعتبار أنفسهم مسلمين

سانهي (الصين)- لطالما ضاقت السبل بالأقليات العرقية والدينيّة التي لا تجد قبولا لها في أوطانها، ممّا حدا بها إلى طريق الهجرة والهرب بحثا عن مكان آمن للعيش، إمّا طواعيّة وإما قسرا. فكلّما غاب التسامح عن مكان ما من هذا العالم، وانعدمت بالتالي فرضيّات التعايش وبرزت مظاهر التمييز المنوطة بالعنف، أصبح الهرب نحو المجهول هو الحل الأمثل، ولا أمل للهارب أو المهاجر غير الحلم بمستقبل أفضل، إن وُجد فعلا.

وفي هذا السياق، وهربا من التمييز والعنف، غادر أفراد طائفة مسلمة منازلهم في باكستان سعيا إلى ملاذ لم يكن مُتوقّعا في الصين.

حيث قال سعيد، الذي يبلغ من العمر 37 عاما: “كنت أسمع كل يوم قرقعة الأسلحة”. وكان يتحدث عن مدينته السابقة لاهور، ثاني كبرى مدن باكستان. وأضاف “كنا نبتهل إلى الله يوميا، لأنّنا شعرنا أنّ شيئا ما قد يصيبنا في أيّ وقت”.

وسعيد واحد من بين المئات الذين لجأوا إلى الصين في السنوات الأخيرة، غالبا من بلدان تشهد نزاعات من بينها العراق والصومال هربا من المتاعب.

وتسمح الحكومة الصينية ببقائهم، لكنها لا توفر لهم أيّ دعم، علما أنّ منظمات حقوق الإنسان تندد منذ سنوات بإقدام بكين على ترحيل عشرات الآلاف من طالبي اللجوء الذين يصلون إلى أراضيها هربا من القمع في كوريا الشمالية أو بورما.

من بين حوالى 500 لاجئ أو طالب لجوء مسجلين رسميا لدى الأمم المتحدة حاليا في الصين، هناك 35 شخصا من الطائفة الأحمدية المسلمة التي تؤمن أنّ مؤسسها في القرن التاسع عشر ميرزا غلام أحمد “نبيٌّ”، و”أنّ المسيح توفي عن سن 120 عاما في سريناغار في الشطر الهندي من كشمير”.

وهؤلاء من أكثر الأقليات تعرضا للاضطهاد في باكستان، الجمهورية الإسلامية الدستورية، التي تمنعهم من اعتبار أنفسهم مسلمين أو الذهاب إلى الحج في مكة المكرمة.

الناجون من القتل والاغتيال في باكستان يتمّ تجاهلهم حتى ولو كانوا من بين الحاصلين على جائزة نوبل

وفي 2010 اقتحم ناشطون مسجدين أحمديّين وقتلوا 82 شخصا، في هجوم بالرصاص والقنابل اليدوية، قبل استهداف مستشفى كان يعالج الجرحى. ويذكر أنّه غالبا ما يتم تدنيس المستشفيات والمقابر التابعة للأحمديين.

حتى أنّ الناجحين منهم تم تهميشهم، على غرار بروفسور الفيزياء عبدالسلام، الباكستاني الوحيد الحائز على جائزة نوبل.

وغالبا ما تندد الخارجية الأميركية بسياسة الصين في تقييد حرية العبادة، والّتي يشير المحللون إلى أنها عنصر أساسي في التوتر الذي تشهده منطقتا التيبت حيث الأكثرية البوذيّة وشينجيانغ ذات الأكثرية المسلمة.

لكن سعيد الذي وصل قبل أربع سنوات علّق على هذا الأمر قائلا: “من وجهة نظر أمنية، الصين جيدة”. وأضاف “ليس هناك إرهاب يذكر، مقارنة بباكستان حيث يجري قتل واضطهاد الأقليات يوميا”، مشيرا إلى أنّ اثنين من أقاربه قتلا في هجوم سنة 2010.

وأفاد اللاّجئون الأحمديّون في سانهي أنّ كلا منهم دفع مبلغا يقدّر بثلاثة آلاف دولار أميركي لوسطاء من أجل الحصول على تأشيرات دخول صينية، وهو مبلغ يفوق ضعفي معدل الدّخل السنوي في باكستان.

وتابع سعيد أنّه بعد الوصول إلى الصين “ينبغي أن تفعل كل شيء بنفسك”. وأوضح أنّه يعتمد على تبرعات من عائلته في المهجر، مؤكّدا بالقول: “لا أنتظر شيئا من الصينيّين”.

ولا يحصل الوافدون الجدد على أيّ مكسب، إلى أن منحتهم الأمم المتحدة صفة لاجئين بعد فترة 18 شهرا مضنية من الفحوصات. وحتى بعد ذلك، مازالت الصين ترفض دمجهم وتحظر عليهم العمل، فيما ينتظرون قبول لجوئهم إلى بلد ثالث، غالبا لسنوات. ويقول سعيد في هذا السياق: “في هذه الأوضاع لا يمكنك الاستمتاع بالحياة كثيرا”.

لكن المراهقة لايبا أحمد، الّتي وصلت قبل عامين مع والدتها وعدد من الأشقاء لم تكن لديها شكاوى، رغم أنّها لا تتكلم اللّغة المحلية بما يكفي لترتاد المدرسة.

وصرحت “أنا سعيدة هنا مقارنة بباكستان التي كانت خطيرة. حيث لم يكن في وسعنا الخروج من دون آبائنا وأشقّائنا، لا سيما بالنسبة إلى النساء”.

ويذكر أنّ الصين كانت قد وقّعت على بروتوكول اللاجئين للأمم المتحدة عام 1982، لكنّها لم تنشئ أيّ آليّة لتقييم مطالبهم وتركت هذه المهمة للمفوضية العليا للاجئين. ولا يحتوي مكتب المفوضية في بكين على أكثر من ثمانية موظفين ثابتين في أكثر بلدان العالم سكّانًا.

المهاجرون الباكستانيون بين مطرقة التهجير بفعل الاضطهاد وسندان الفاقة والفقر والانتظار المرير

وفي هذا الإطار، صرّح كبير مسؤولي الحماية في المفوضية فرنسيس تيوه: “أحيانا أتساءل كيف يستمرون، فالمساعدة الّتي نقدمها بالكاد تكفي”.

وقد قرّرت الصين مراجعةً لقانون الدخول والخروج في 2012، تجيز للاّجئين الحصول على وثائق، لكنّ اللاجئين والمفوضية العليا أكدُوا أنّ هذا القانون ما زال غير مطبق.

وفي ما يتعلق بهذه المسألة، قالت المتحدثة باسم الخارجية، هوا تشونينغ: “في الصين ليس لدينا لجوء سياسي”، مضيفة أنّ بلادها استقبلت حوالي 300 ألف لاجئ من جنوب شرق آسيا منذ 1978 وهي تعيد الوافدين من بورما عندما يكون الأمر آمنا فحسب.

وبدورها، صرحت الباحثة في مركز دراسات الهجرة القسرية في جامعة نورثويسترن ليلي سونغ، بأنّ “قضايا اللاجئين في الصين متشابكة مع بعض المسائل الأكثر حساسية، سياسية واستراتيجية، في منطقة آسيا- المحيط الهادئ”. وتابعت “كما قد تشمل مخاوف من جذب المزيد من طالبي اللجوء”.

وغادر سعيد في وقت سابق، برفقة زوجته وابنتهما البالغة من العمر عامين إلى إحدى المناطق الأميركية قبل اليوم العالمي للاجئين الذي انتظم الجمعة الفارط. لكن الباقين الذين غادروا بلادهم غصبا مازالوا ينتظرون كرم الصين الذي من شأنه أن يكفّ حرمانهم ومتاعبهم، والذي طال انتظاره.

13