أقنعة الكاتب

الأحد 2016/02/21

هل حقا أن الكتّاب جميعا مزدوجو الشخصية؟ هل هم رومانسيون من جانب وعقلانيون ومتفلسفون صارمون من جهة أخرى؟ هل الشخص هو ذاته عندما يكتب وغيره عندما يتسوق أو يتشاجر مع زوجته/زوجها؟

هل هو الشخص نفسه الكادح ليل نهار من أجل الحياة وذلك الحالم المسكون بالرؤى والتصورات عن عوالم سحرية وحكايات عشق فردوسية وذلك الذي يخبرنا عن عصابات وقتلة وكائنات فضائية ومشاعر استثنائية ونبوءات وأسرار؟هل هو الشخص الحالم أم الشخص التقليدي الذي يغير غيارات طفله ويذهب إلى الطبيب لقلع ضرس تالف.

ثمة آراءً وأفكار وتأويلاتٍ ذات طابع شخصي لا يمكن تعميمها لدى بعض المؤلفين عن الكاتب وفن الكتابة، أفكار مفعمة بالمعرفة والطرافة والسخرية، فالروائية آتوود ساحرة تتقمص رداء الشر أحيانا وجنية تتسربل بعباءة الملاك وكاتبة تروي القصص ولنا أن نتساءل بناء على طروحاتها وبراهينها الممتعة عن ازدواجية الكاتب.

تبوح لنا أتوود أننا كذلك ولكنها تفسر لنا ازدواجيتنا وتعدد شخصياتنا وفصامنا الإبداعي على نحو يرضي زهونا بأنفسنا ويبرئنا من شياطيننا وساحراتنا الشريرات فتعلن لنا في كتابها النقدي “مفاوضات مع الموتى”: كل الكتّاب مزدوجو الشخصية وذلك ببساطة أنك لم تلتقِ حقيقة وعلى الإطلاق بمؤلف الكتاب الذي قرأته لتوّك فقد مرّ وقت طويل بين التأليف والنشر، والشخص الذي كتب الكتاب هو الآن شخص آخر أو هكذا يثبت عدم وجود المتّهم في مكان الجريمة، وهي طريقة ملائمة لينفذ الكاتب بجلده من الأحكام دون أن نشعر بهروبه: إنه شخص آخر تقمصه ليكتب ما كتب.

لقد كان العرب الأولون يعتقدون بشياطين وادي عبقر التي تتلبس رأس الشاعر وتلهمه القصائد ثم تغادره فيعجز عن الإتيان بقصائد جديدة، بمعنى أن شخصية المبدع التي احتلت جسد الشاعر وعقله -لبرهة إلهام- هي شخصية ثانية مختلفة، وقد يحبط معجبو الكاتب أو الفنان عندما يلتقون الشخص الذي كتب وبرع في الأدب أو الفن في لحظة التجليات ويجدونه شخصية عادية لا تبهر ولا تسّر، فأيّ من الشخصيتين هو الحقيقي؟ أهو الشخص العادي دون هالات الشهرة أم هو ذلك العبقري الذي أمتعنا بكتاباته وسحرنا بأسلوبه.

طبّق بورخيس هذه الفكرة في قصته “الآخر” التي قرأناها في”كتاب الرمل”، يقابل بورخيس قرينه الآخر شبيهه ويعترف “إن الأمر كان مرعبا لدى وقوعه وكان أكثر رعبا في ليالي الأرق التي أعقبته” ويكشف بورخيس أن الآخر الذي داهم وحدته وهو جالس على مقعد يطل على نهر “تشالرز″ في كمبردج كان مزعجا لكنه بدأ يحادثه وتعارفا فظهر أن الآخر يحمل الاسم ذاته “خورخي لويس بورخيس″ وعندما تشعّب الحديث وظهر أن الآخر يعرف كل شيء عنه وأنه هو ذاته وإن كان في عمر مختلف، قال له بورخيس الكاتب “إذا كان هذا الصباح وهذا اللقاء حلمين، فعلى كلينا أن يظن أنه الحالم وربما توقفنا عن الحلم وربما واصلناه وواجبنا أن نقبل بالحلم تماما كما نقبل بالعالم” قال الآخر فزعا: وإذا استمر الحلم؟

لقد جسد بورخيس ذلك الآخر الخفي الذي يساكننا ويعرف كل شيء عنا ويرعبنا أحيانا، إنه قريننا المختلف بطريقة ما، ذلك الذي يتجاوزنا ويتخطى ضعفنا البشري وموتنا عندما يكتب ليبقى، إنه ليس نحن ولكنه يشبهنا، فأي واحد منا هو الأصيل: الساحر المبدع أم العادي؟

كاتبة من العراق

11