أكاديمية ميدانية لكرة القدم تغزو شوارع العاصمة الغينية

أعمدة من الحديد وخطوط غير مستقيمة خطّت بالطباشير على قطعة من الأرض المفتوحة.. ذاك هو الفضاء العام الوحيد الذي يقصده الشباب الغيني في العاصمة كوناكري، لصقل مواهبهم في لعب كرة القدم.. وفي ظل غياب البنية التحتية للرياضة في البلاد، يضطرّ معظم عشاق هذه الرياضة إلى اكتساح جزء من الشارع وتحويله إلى ما يشبه الملعب الصغير.
الخميس 2015/06/04
لاعبو الشوارع يغالبهم الحلم بالنسج على منوال نجومهم الأفارقة المفضلين

رغم المواهب الكروية التي تزخر بها البلاد فإنّ البنية التحتية المتوفرة، في العاصمة الغينية كوناكري، لا تتلاءم بأيّ حال مع أحلام شباب يطمح إلى خوض غمار البطولات المحلية والعالمية والمنافسة عليها، والذي لم يتبق أمامه سوى الشارع كحلّ أخير لاحتضان موهبته وطموحه.

“إنّه أمر إجباري وليس اختياريا بالنسبة إلينا، إذ لا حلول أخرى أمامنا”.. هكذا ردّ شاب من كوناكري في الخامسة عشرة من عمره، متحدّثا عن دوافع لعب كرة القدم في الشوارع بدلا من الأماكن المخصصة لها.

وتابع “هناك مخاطر، غير أننا نحاول الحذر قدر المستطاع، وفي حال مرّت سيارة من الشارع الذي نلعب فيه، نقوم فورا بإزالة أعمدتنا ونوقف المباراة.. حاليا، لا زالنا هواة ومبتدئين في عالم كرة القدم، لكن مع الوقت من المؤكّد أن يتطوّر أداؤنا، تماما كما حصل مع الذين يفوقوننا سنا”.

في وسط العاصمة كوناكري يتجمّع الشباب وينقسمون إلى مجموعتين متنافستين للتدريب البدني ثمّ لإجراء مباراة في كرة القدم، إذ لا حلّ أمامهم سوى ما تمنحه لهم “رياضة الشارع” أو ما يسمّونه بـ”الأكاديمية” من فرصة لممارسة رياضة يعشقونها حتى النخاع.

يشار إلى أنّ الوضع لا يختلف كثيرا في مختلف أحياء كوناكري الشعبية والراقية بهذا الخصوص، ويرى البعض الأمر عاديا، فإذا كان الحال هكذا بشوارع وسط العاصمة، فما بالك بالأحياء الشعبية المحيطة بها.

كايتا دوماني دوري: الشباب في حاجة، خلال هذه الفترة، إلى فضاءات قريبة للترفيه

ثيرنو سايدو دياكيتي، مستشار وكاتب صحفي غيني متخصّص في الرياضة، يقول إنّ “الشباب قاموا بغزو شوارع كوناكري لسبب بسيط، وهو غياب البنية التحتية المخصّصة للأنشطة الرياضية. وهذا الأمر ناجم عن غياب الإرادة السياسية من جهة، وندرة المساحات من جهة أخرى، ولهذا يظلّ الشارع الملاذ الوحيد لأولئك الشباب”.

يذكر أنّه من المنتظر أن تستضيف غينيا كأس الأمم الأفريقية لعام 2023، ومع ذلك فإنّه لم يتمّ إلى حدّ الآن إقرار أو وضع أي إستراتيجية رياضية لتشييد البنية التحتية التي يتطلّبها تنظيم حدث قاريّ مماثل، حسبما يؤكّده المستشار الرياضي، معربا عن أسفه البالغ لهذا الوضع غير الطبيعي.

وأشار دياكيتي أيضا إلى أنّه تمّ “التخطيط لإنجاز مشاريع للبنية التحتية الرياضية من 1998 إلى 2010، غير أنّ هذه الخطوة لم تحظ بالمتابعة، ويكفي القول بأنه لا العاصمة كوناكري ولا حتى المدن الداخلية للبلاد، تضمّ ملعبا واحدا لكرة القدم يستجيب للمعايير المطلوبة من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا.

ويرى الكثير من الغينيين المولعين بكرة القدم أنّ هذا النقص الفادح في البنية التحتية كان لابدّ وأن ينعكس على ما يمكن أن تفجّره مراكز التدريب والفضاءات الرياضية من طاقات كروية كامنة في الشباب الغيني المتعطش لممارسة رياضته المفضّلة.

وقال أحد الموظّفين بوزارة الرياضة، ممتنعا عن ذكر اسمه “غالبا ما يقال إنّ الإدارة تعني الاستمرارية، غير أنّ لا أحد من الوزراء المتعاقبين أقرّ إنجاز المشاريع المخطط لها، فالدولة لم تحدّد الوسائل، والأشغال لم تبدأ أبدا”.

ثيرنو سايدو دياكيتي: الشباب قاموا بغزو شوارع كوناكري، وهي ملاذهم الوحيد

وفي المقابل، فإنّه رغم غياب البنية التحتية المؤهّلة لاحتضان الشباب في المجال الرياضي عموما، وكرة القدم على وجه الخصوص، فإن غينيا كوناكري تعدّ من البلدان التي تضمّ مواهب وطاقات استطاعت أن تحتلّ مكانة ريادية على الصعيدين القاري والدولي.

ويتباهى الشباب الغيني بنجوم بلاده في مجال كرة القدم، ومن بينهم محمد لمين ياتارا مهاجم أولمبيك ليون بفرنسا، وفرانسوا كامانو بنادي دي باستيا الفرنسي، أو كذلك كيفن كونستون الناشط ضمن نادي طرابزون سبور التركي.

ويمنح هذا التألق الباهر، الذي حصده لاعبون غينيون انطلقت مسيرتهم من شوارع كوناكري والمدن الأخرى، فسحة واسعة من الأمل للشباب الصاعد في تحقيق إنجازات مماثلة والانضمام إلى فرق كروية عالمية ومشهورة.

وبالنسبة لدياكيتي، فإنّ النجاحات التي يحققها الشباب الغيني تعود بالأساس إلى موهبته وإلى حقيقة أنّ “كرة القدم تجري في عروقه”.

أما صلب الاتحاد الغيني لكرة القدم، فإنّ الصمت يهيمن على مسألة نقص البنية التحتية الرياضية في البلاد أو غيابها تماما، خصوصا عقب تصريح أدلت به وزيرة الرياضة كايتا دوماني دوري، مؤخرا، أعربت من خلاله عن أسفها للنقص المسجّل على مستوى فضاءات الترفيه في غينيا.

في هذا السياق، كانت دوري قد أكّدت أنّ “الشباب في حاجة، خلال هذه الفترة، إلى فضاءات قريبة للترفيه”، واعدة بإنجاز العديد من المشاريع الرياضية، وهي مشاريع لا يزال الشباب الغيني ينتظرها بفارغ الصبر.. وإلى أن تتحقّق استعاض عنها بالشوارع لممارسة رياضته المعشوقة.

20