أكاديميتان في السعودية واحدة للتراث وأخرى للموسيقى

حلم راود جميع المثقفين والفنانين السعوديين يصبح واقعا، وعلى وزارة الثقافة الاستفادة من الخبرات والاستعانة بآرائهم.
الخميس 2019/08/22
صبايا سعوديات في حفل موسيقي غنائي أقيم في جدة العام الماضي

تماشياً مع رؤية وتوجهات وزارة الثقافة السعودية للإسهام في تحقيق أهداف رؤية المملكة المستقبلية، وضمن مبادرات برنامج جودة الحياة، تتوجه الوزارة ناحية تأسيس أكاديميات للفنون، وذلك تنفيذاً لتوجيهات القيادة في بناء وتنمية الإنسان. الأمر الذي يقيم تساؤلا حول طبيعة الأكاديميات وتوجهاتها المستقبلية، وهل ستكتفي بالنمط الشعبي التراثي مثل العرضة السعودية والسامري والخبيتي والمجرور واللّيوى، أم أنها ستكون ذات توجه موسيقي عربي وعالمي يعكس انفتاحها على المدارس الكلاسيكية والحديثة.

في وقت سابق أكد وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبدالله آل سعود بأن الاستثمار في بناء القدرات من أهم مقومات تشجيع القطاع الثقافي، الذي يحظى بدعم غير محدود من القيادة السعودية.

وقال الوزير “إن المملكة غنية بالفنون الثرية والمتنوعة وبالمواهب والإنتاج الفني، لافتا النظر إلى أن أكاديميات الفنون ستكون بداية للتأهيل الأكاديمي لها داخل المملكة”.

ولفتت الوزارة إلى أن أكاديميات الفنون ستنطلق مبتدئةً بأكاديميتين في المرحلة الأولى؛ واحدة متخصصة في التراث والفنون التقليدية والحرف، وستبدأ في استقبال طلبات الالتحاق بها في خريف 2020 وتستهدف 1000 طالب ومتدرب في البرامج طويلة وقصيرة المدى، فيما ستكون الأكاديمية الثانية خاصة بالموسيقى، وستستقبل 1000 طالب ومتدرب ابتداءً من العام 2021.

الحلم والواقع

تأتي الأكاديميتان ضمن المبادرات الـ27 التي أعلنتها وزارة الثقافة كحزمة أولى، وذلك سعيا من الوزارة إلى رفد القطاع الثقافي بالمخرجات المميزة.

وعقدت الوزارة ورش عمل عدة حول تعزيز بناء القدرات في القطاع الثقافي مع مسؤولين ومتخصصين وخبراء سعوديين ودوليين، كما أجرت دراسة شاملة للعرض والطلب في السوق السعودي في القطاعات الثقافية، وأكدت الدراسة على ضرورة رفد القطاعات بكوادر مؤهلة أكاديميا.

إنشاء الأكاديميتين يأتي ضمن المبادرات الـ27 التي أعلنتها وزارة الثقافة لرفد القطاع الثقافي بالمخرجات المميزة

وأوضح مدير الفرقة الموسيقية الوطنية الفنان عبدالرب إدريس أن أكاديمية الموسيقى التي وضع إطارها العام تحت رعاية وزارة الثقافة تهدف إلى تبنّي المواهب الموسيقية السعودية الناشئة، وتطويرها على أيادي مختصين محترفين بالعزف على الآلات الموسيقية المختلفة.

وأكد مدير بيت السرد الناقد مبارك الخالدي بأن تدشين ‏أكاديمية للفنون هو أمر ضروري، لكنه يرى وجوب النظر للتفاصيل بعد التأسيس، واضعا بذلك مجموعة من الأسئلة على طاولة النقاش والبحث.

يقول الخالدي “لمَ يسبق تحديدُ عددِ الدارسين التأسيسَ؟ ولِمَ لا يُحدد العدد بناء على الإمكانات المتوفرة بعد التأسيس، وبعد إعداد برامجها الأكاديمية؟ أيّ سوق عمل سيستقبل الخريجين؟ وما موقعهم في خارطة الخدمة المدنية، ناهيك عن القطاع الخاص؟ لم لا تكون البداية بعدد أصغر؟”.

ويرى المشرف على لجنة الموسيقى في جمعية الثقافة والفنون بالدمام الفنان سلمان جهام أن “قرار إنشاء أكاديمية للفنون يمثّل حلما راودنا جميعا وسعينا كثيراً وطويلاً من أجل تحقيقه. وهاهي حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمد بن سلمان وطموحاتهم التي عانقت طموحاتنا من خلال توجه وطننا الغالي عبر رؤية المملكة 2030، ومن خلال وزارة الثقافة يطلق وزير ثقافتنا الأمير الشاب الطموح ضمن برنامج جودة الحياة هذه المبادرة الكريمة التي نتطلع أن تكون في مناطقنا عامة، وفي المناطق الرئيسية؛ الوسطى والغربية والشرقية، لتنهي حالة التفرّق العلمي في مجال الفنون عامة والموسيقى خاصة لتنتج أجيالا استفادت من الخبرات التي سبقتها وآن الأوان أن تكمل هذه الخبرة في مجال الموسيقى من خلال بوابة التأهيل العلمي، وهذا في اعتقادي دائماً السبيل الوحيد للاستغناء عن موسيقيين من الخارج”.

الموسيقى انفتاح على العالم
الموسيقى انفتاح على العالم

ويضيف جهام “في رأيي أن تحقيق هذه المبادرة لتصبح على أرض الواقع ستوصلنا إلى هذه النتيجة، وستكون ثمرة جهد كل هذه السنين من الكفاح الفني. يبقى على وزارة الثقافة الاستفادة من الخبرات التي عملت في الداخل من خلال جمعيات الثقافة والفنون والاستعانة بآرائهم، فهُم الجهة الداخلية الوحيدة التي كانت حاضنة لكل الموسيقيين خلال كل هذه السنوات التي غابت فيها كل الحواضن”.

مستوى عالمي

من جهته يقول الفنان مرتضى الخنيزي “إن الموسيقى مرآة حضارة الشعوب”، هكذا يُنقل عن الفيلسوف الصيني كونفشيوس، والموسيقى هنا في المملكة كصناعة، في غالبها ليست عملاً فردياً، إذ تَمُر على الأقلّ في ثلاث مراحل أساسية، وهي: التلحين، ومن ثمّ التوزيع، ويليها التنفيذ الموسيقي. وغالبا ما يكون التأليف الموسيقي الأولي أي صياغة اللحن الأساسي “شغلا” سعوديا، أما التوزيع والتنفيذ الموسيقي فهو بأيدي أشقائنا الموسيقيين العرب. ما لا يخفى عن المهتمين بالشأن الثقافي والموسيقي أن التوزيع الموسيقي يعدّ كإعادة صياغة وتقويم للعمل الموسيقي، والتنفيذ الموسيقي يعدّ جزءاً لا يُستهان به من نفس العملية. التنفيذ جزء من عملية التأليف الموسيقي وهو أهمّ مراحل إبراز هوية العمل في الواقع، ويكفي أن تستمع للعمل الموسيقي لتحدد في أي البلاد نُفّذ”.

ويتابع الخنيزي “تأسيس أكاديمية خاصة بالموسيقى يعدّ خطوة في الاتجاه الصحيح؛ إذ سنشهد تغيّرا نوعيا في هوية موسيقانا ما أن يتسلم خريجو الأكاديمية السعوديون مهمة توزيع وتنفيذ أعمالنا الموسيقية السعودية، حينها يكون ما نُقل عن الفيلسوف الصيني كونفشيوس منطبقا علينا، وتكون الموسيقى حقاً مرآة حضارتنا. شكرًا لوزير الثقافة”.

وفي الشأن نفسه يقول الباحث في التراث والمتخصص بالفنون الأدائية والصوتية الموسيقية الفنان خليل إبراهيم المويل “إنه من المفرح جداً لنا -نحن المهتمون- بالفنون وجمالياتها وفلسفتها أن نرى الحلم الذي كنا نتمناه من عشرات السنين سيتحقق؛ وهو تدشين أكاديميات مهتمة بالفنون، حيث قمت أنا شخصيا قبل ثلاث سنوات بتقديم فكرة معهد أو مركز لحفظ التراث للفنون الأدائية وتدوينه بشكل علمي وأكاديمي. لكن -ومع الأسف- لم توافق عليه الجهة التي قدمناها له”.

تبنّي المواهب الموسيقية السعودية الناشئة
تبنّي المواهب الموسيقية السعودية الناشئة

ويتابع “كانت الفكرة إيجاد مركز تدريبي للفنون الأدائية والصوتية من التراث السعودي من أجل حفظ بقائها والارتقاء بها من المحلية إلى العالمية بطرق علمية أكاديمية. فكانت الرسالة لهذا المعهد تخريج فريق من الباحثين في التراث السعودي، قادر على تدوين التراث بشكل علمي وأكاديمي”.

ويأمل المويل في حديثه إلى “العرب” من الأكاديميات المخطط افتتاحها أن يكون هدفها الرقيّ بالمستوى الثقافي والعلمي للفنون، بحيث ترتقي بالفنون المحلية إلى مستوى عالمي، وأن يكون احد أهدافها نشر القيم الجمالية للفنون والارتقاء بذائقة المجتمع الفنية والأخلاقية بشكل علمي ومنهجي.

يقول مختتما “نجاح هذه الأكاديميات يعتمد على الاختيار الجيّد لمدربي هذه الفنون ومستواهم الثقافي والعلمي والأكاديمي، وكذلك على طريقة توصيل فكرة المعنى الحقيقي للفنون. ليس فقط على المستوى الأدائي، وإنما على المستوى الثقافي والفلسفي من وراء الفنون”.

14