أكاديميٌّ على طريقته الخاصة

الاثنين 2017/05/15

امتدتْ فترة الغياب بيننا سنواتٍ طويلة. وباستثناء مكالمات هاتفية متباعدة، لم يجمعنا لقاء مباشر إلاّ في مؤتمرٍ عن الأدب العربيّ، أقامته جامعة إكستر عام 1994. وفي زيارتي الأخيرة إلى لندن سمعت عنه ما لم تطاوعني نفسي على تصديقه. وكان لا بد لي من التأكد من خبر رحيل جاك سمارت، قبل أن يبدأ العدّ الفعليّ لإحساسي بالفقدان.

اتصلت بعددٍ من الأصدقاء المشترَكين فلم أحظَ بإجابةٍ شافيةٍ من أحد. وكان صديقي الناقد رشيد العناني آخرَ من لجأتُ إليه، وأكثر العارفين بأخبار سمارت ربما.

كنا، في ثمانينات القرن الماضي، مجموعة من طلبة الدراسات العليا في جامعة إكستر. كان بيننا رشيد العناني، المفتون بنجيب محفوظ، والذي خصص جلّ منجزه النقدي لإبداع هذا الروائيّ الكبير. كان يدرس ويدرّس في قسم الدراسات العربية، ونجم عبدالله كاظم، الناقد الجاد لاحقاً، الذي كانت ترافقه زوجته الروائية ميسلون هادي. وكان بيننا أيضاً صادق السوداني، وعبدالله المعطاني وآخرون.

كان في القسم عدد من الأساتذة اللامعين: رئيس القسم محمد عبدالحيّ شعبان، الذي كان مزيجاً نادر المثال من المؤرخ المجدد، والأب القاسي حدّ الرحمة. وكان هناك البريطاني توم نبلوك، والسوري عزيز العظمة، والأسكتلندي جاك سمارت.

عدد من الطلبة العرب كانوا تحت إشراف جاك سمارت، مع أنه كان في مقتبل عمره الأكاديميّ، بل يكاد يكون مقارباً لأعمار الكثيرين منا.

لم أكن أرى في جاك سمارت مدرّساً تقليدياً، بل أكاديمياً على طريقته الخاصة، ومقبلاً على الحياة بشراهة عجيبة.

أثار اهتمامي، في حياة سمارت، جانبان لم يجتمعا في حياة أكاديميّ ممن عرفت كما اجتمعا لديه: شغفه بالأدب العربي والاندفاع في دراسته حد المغامرة المضنية. ومن جانب آخر، لم تحجبه مهنته الجامعية عن مهارات الحياة الأخرى. كان يستعين على إكمال دراسته الجامعية بالعمل، وقت فراغه، في طلاء الجدران، أو العزف في إحدى الحانات الليلية. وكان لا يجد نفسه مضطراً للذهاب بسيارته إلى ورشة للتصليح إلاّ نادراً.

عاش جاك سمارت فترة عامين بين قبائل البدو الرحل على الحدود المصرية الليبية، يتأمل في بنية القصيدة البدوية ويكتب عنها. كما ذهب إلى جامعة الخرطوم ليستمع إلى محاضرات العلامة عبدالله الطيب المجذوب، صاحب المرشد إلى فهم أشعار العرب. وكان يتردد، فترة من الزمن،على جامع الأزهر ليتعلم تجويد القرآن.

وهكذا كان تعلّق سمارت بالأدب العربي يتجاوز الحدود المألوفة أحياناً. وما حكاه لي، في ذلك اللقاء، عن شغفه بالشعر الجاهلي أمر يصعب عليّ نسيانه. أراد أن يقيم على الأرض بعضاً مما تركته القصيدة الجاهلية في نفسه من فتنة بالجمال، فعمل على أن يجعل من بعض أجواء الشعر القديم أو كائناته جزءاً من بيته وأجوائه اليومية. كانت نداءات القصيدة القديمة لا تقاوم.

اختار جاك سمارت، كما حدثني في ذلك الحوار، بيتاً بعيداً عن مدينة إكستر، لكنه لم يكن بعيداً عن حلمه الشعري الذي كان يرافقه دائماً. تحيط به مزرعةٌ عامرةٌ بالأشجار وسماواتٌ مملوءةٌ بالنجوم. لا بد من اكتمال هذا الديكور الرعويّ الحافل بالنشوة والانشراح البريّ الدافق بالحياة. جوادان عربيان أصيلان. نواةٌ لقطيعٍ صغيرٍ من الأغنام. وسربٌ من الطيور الأليفة. صورة شعرية أكثر منها واقعاً حياً. وكأنه كان يستمد نشوته الكبرى من ذلك المناخ الذي حاول إقامته على أرضه الخاصة.

وحين يقام سباق للخيل في إحدى المدن البريطانية كان جاك سمارت لا يفرط بمتعته الكبرى: متعة الطريق إلى هناك. أن يذهب إلى مكان السباق ممتطياً جواده الأصيل. وإمعاناً في تقمصه هذه الحالة كان يُمضي ليلته أحياناً في خانٍ على الطريق. وكأنه يحاول أن يعيد إلى الحياة تلك اللذة الشعرية القديمة، التي اختزنتها ذاكرته منذ سنوات، لذة ركوب الخيل وما فيه من خُيَلاء، ليحوّلَ ذلك كله الى متعةٍ ملموسةٍ، تمدّ حياته بالتوتر والجمال.

شاعر عراقي

14