أكاديمي من فضلك

الأربعاء 2014/01/22

الأكاديمية مدرسة بصيغة ما، منظومة قيم تسعى للرقي بالمجتمعات، وتستهدف تطوير نهج المعارف والتربية والبحث، من هنا يقصد بالأكاديمي في العرف العام، الباحث المختص، في الآداب أو العلوم أو العقائد أو السياسة وغيرها. وفي السياق العربي الحديث العهد بالمؤسسات، ورثت الجامعات العربية سمات عديدة لحلقة العلم التقليدية التي كانت تعقد في جوامع عتيقة كالأزهر والقرويين والزيتونة؛ لعل من أهم سماتها ربط المعرفة بالشخص، الذي يتحدّث، ويملي على مريديه، وكما كانت في الماضي مصنفات حملت عنوان “الأمالي” فإن أمالي الجامعات العربية الحديثة هي تلك الدفاتر الركيكة التي ترقن في المكتبات.. وتتلاشى حروفها من كثرة التداول، ولأن الأمالي تحجب التعدّد وتتصل بالأفراد وأهوائهم وعللهم، فقد صار ولاء طالب العلم، ليس لسؤال المعرفة الحارق، وإنما لمن اكتسب سلطة الجواب. بهذا المعنى بات الأستاذ أو الدكتور لا يحيل في سياقنا العربي على درجة علمية فحسب وإنما أيضا على صفة سلطوية منتحلة، وجدير بالذكر في هذا السياق أن عددا كبيرا من زعماء الأنظمة التسلطية العرب كانوا يصرّون على ترصيع سلسلة ألقابهم بصفة “دكتور” استكمالا لأسباب الوجاهة وإمعانا في تمييع رمزية الصفات، وهكذا باتت الأكاديمية توازي في المتخيل الجماعي نوعا من “التسلط” على رقاب المريدين، قرين القدرة على الشقشقة اللغوية، والتعالي الزائف، والانصراف عن المعرفة العامة إلى المعرفة التي تهمّ أناسا معدودين. أي أنها باتت تدل على وجود مقيّد، يتصرف داخل نسق مغلق، له مجال مصطلحي خاص وأفق بالغ التعقيد.

في كتاب “صور الماضي” الذي هو سيرة ذاتية للمفكر العربي هشام شرابي تحدث طويلا عن شخصية “الأستاذ” “شارل مالك” أحد مؤسسي الدرس الفلسفي في الجامعة الأميركية ببيروت، باعتباره النموذج الأكمل والأكثر دقة للشخصية الأبوية، بتسلطها العاتي، وانعزاليتها، وولعها الشديد بالبلاغة المظهرية للأشياء. بالطبع انحاز شارل مالك في مرحة الحرب الأهلية اللبنانية للخندق الكتائبي، الانعزالي، وأضحى أحد أهم منظريه، كما ابتعث سفيرا لدى الأمم المتحدة في مرحلة لاحقة، وذاع صيته في الولايات المتحدة كأحد أكبر مناهضي أيديولوجيات اليسار، وشغل مناصب رسمية عديدة، بات معها رهينا لسلطوية مزدوجة، وأنهى مساره السياسي دون مؤلفات فلسفية تذكر، كان قصده كما صوّره ببلاغة هشام شرابي هو رسم صورة “الأستاذ الكبير” صاحب السلطة، والمتحكم في أحوال ومصائر مريديه.

بخلاف هذا النموذج يحضر إلى ذهني وضع الباحث الأميركي من أصول يهودية “نورمان فنكلشتاين”، الذي يمثل الصورة النقيض، التي تعكس حالة مناهضة السلطوية، في بؤرة الأكاديمية، ذات يوم قرّر صاحبنا أن يتقدّم لمنصب أستاذ رسمي بجامعة نيويورك، وهو من المؤرخين الجدد للهلوكوست، والمشككين في مزاعم الصهيونية، فحصت لجنة أكاديمية ملفه العلمي، ورفضته، حيث أن شعب دراسات الشرق الأدنى في الغالب يتحكم فيها لوبي متعاطف مع الصهيونية، أراد “نورمان” الاحتجاج على القرار، وهو من أفنى زهرة شبابه في البحث والتأليف وكتابة المقالات لألمع المنابر العلمية، فاستقبله السيد العميد وقال له: “لقد تابعت جيّدا ما تكتب. يجب على الباحث دوما أن يختار بين أن يكون أكاديميا، أو متسقط فضائح” وبالطبع اختار فنكلشتاين أن يبقى متسقطا لفضائح المجتمع الأكاديمي.

أذكر كل هذه الأشياء لأعود بك عزيزي القارئ إلى جبة “الأستاذ” التي يتلفع بها متسلط أبويّ، لن أنسى مشهدا خارقا في شريط مصوّر نشر على اليوتوب لمناقشة أطروحة دكتوراه في كلية دار العلوم بالقاهرة، حيث انحنى الطالب المجتهد بعد انتهاء المناقشة ليقبل يد الأستاذ الأكاديمي العتيد، الذي أشرف على بحثه، أتمثل طبعا أن صاحبنا يمهّد بذلك الفعل الطقوسي المخجل كي يعيّن مدرسا ثم أستاذا في الجامعة إياها، لن يدخل في حسبانه يوما ما أن يشعّ إنتاجه شرقا وغربا، وإنما أن تاتي اللحظة التي ينحني فيها مريد بليد آخر ليقبل يده.


* كاتب وناقد من المغرب


14