أكاذيب الممثلين

الأربعاء 2017/04/05

كثير من كتب السيرة الذاتية التي يكتبها الكثير من الممثلين والممثلات في الغرب، أو يكتبها لهم غيرهم من “المحترفين”، ويروون فيها بجرأة الكثير من التفاصيل عن حياتهم وتجاربهم في السينما، تمتلئ بالمبالغات والأكاذيب.

والهدف إدعاء العظمة والبطولة، بل والفحولة الجنسية، وضمان الرواج التجاري لهذه الكتب، وهو الهدف الأساسي للناشرين الذين يبحثون دائما عن المادة المثيرة والجوانب الخفية في حياة المشاهير.

كان الممثل الألماني كلاوس كينسكي مثلا، قد أصدر قبل سنوات من وفاته، كتابا يروي فيه سيرته الذاتية، وكيف انتقل من حياة الفقر والتشرد في برلين قبل الحرب العالمية الثانية، ليصبح من أشهر ممثلي السينما في الغرب عموما وليس في ألمانيا فقط، لكنه أسهب كثيرا في وصف مغامراته وغزواته الجنسية مع كل الممثلات اللاتي عملن معه في الأفلام، وذكر أسمائهن وتفاصيل ما كان يحدث بينه وبينهن في غرف النوم، وأحيانا خارج الغرف أيضا!

وقد أعتبر نقاد كينسكي أن الكتاب يتضمن الكثير من الأكاذيب الذي يصل حد الهراء، بل السب والقذف في حق كل من امتنعت عن الاستجابة لرغباته من الممثلات كما في حالة الأميركية سوزان ساراندون مثلا، وعلق البعض بقوله إن كينسكي يزعم أنه عاشر كل من عرفهن في حياته من النساء بما في ذلك أمه وابنته.

أما أكثر من عرف كينسكي عن قرب، وهو المخرج الألماني فيرنر هيرتزوغ الذي قام كينسكي ببطولة ستة من أفلامه الشهيرة وارتبط معه بصداقة طويلة، فقد وصف الكتاب بأنه محض هراء!

المشكلة أن كتاب كينسكي سرعان ما أصبح من أكثر الكتب رواجا في العالم، وقد طبع طبعات عدة، ووزع عشرات الملايين من النسخ.

أما الممثل الأميركي الشهير أنطوني كوين فقد زعم في كتاب سيرته الذاتية "تانغو رجل واحد" أنه وافق على القيام بدور عودة أبو تايه في فيلم "لورنس العرب" قبل أن يعلم أي شيء عن الدور أو عن الفيلم، بل كان همه الأساسي كم سيحصل من المال، ورغم ذلك الاعتراف يمضي ليزعم أنه عندما وصل إلى موقع التصوير في الصحراء كان يتعين عليه أن يقابل أولا المخرج ديفيد لين، وكان لين مشغولا في التصوير.

وقبل أن يذهب إليه عرّج على قسم الإنتاج لاختيار الملابس المناسبة للدور، ثم دخل إلى قسم الماكياج وأخرج صورة لعودة أبو تايه أطلع عليها خبراء الماكياج، وبعد ساعة خرج بلحية عودة أبو تايه وأنفه الشهير المعقوف.

توقفت سيارته على مقربة من موقع التصوير، فقد أراد كما يقول أن يكون ظهوره “جليلا” فغادر السيارة ثم بزغ من وسط الرمال على قدميه، وعندما شاهدوه العرب من الممثلين الثانويين العاملين في الفيلم أخذوا يصيحون: عودة أبو تايه.. عودة أبو تايه!

ويمضي كوين في استعراض ما أسعفه به خياله وهو يقص على من كان يكتب له كتابه، فيقول إن ديفيد لين كان واقفا يسأل مساعده عن سبب تأخر أنطوني كوين عن موعده، فقال له المساعد: ليس هناك سوء هؤلاء العرب يا سيدي.. وهم يهتفون “عودة أبو تايه”، فتساءل لين: ومن هذا الواقف أمامهم؟ فأجابه المساعد: لابد أن يكون هو عودة أبو تايه نفسه، وكان رد لين حسب رواية كوين الهزلية: ليذهب أنطوني كوين إلى الجحيم.. دعنا نستأجر هذا الرجل بدلا منه!

صاحبنا إذن يريدنا أن نصدق أن ترتيب الأمور لفيلم من الإنتاج الضخم مثل "لورنس العرب" كان يتم بهذه الدرجة من العشوائية والارتجال، فهل كان ممكنا أن يسند ديفيد لين، المعروف بدقته الشديدة وتدقيقه في كل تفاصيل العمل، دورا رئيسيا في فيلمه الكبير إلى عابر سبيل من عرب الصحراء؟

إما أن تكون الرواية نوعا من الخيال العابث، أو يكون ديفيد لين واحد من أكثر السينمائيين حماقة في التاريخ، لكن أكاذيب الممثلين لا تنتهي.. وهي مازالت مستمرة حتى اليوم.

ناقد سينمائي من مصر

16