أكاذيب حول حمل كاذب

الاثنين 2016/08/15

في سياق نمط التفكير الاختزالي السائد، ثمة أساطير عجيبة تسربت إلى عقول الكثيرين، حول ما كان يُسمى بـ”الرّبيع العربي”، على رأسها الزّعم بأن ذلك “الرّبيع المغدور” لم يكن سوى مخطط أميركي مدروس من ألفه إلى يائه، وُضِع لغاية تفكيك الشرق الأوسط الكبير، وتقسيم الدول العربية والإسلامية على طريقة سايكس بيكو 2. هذا التصور المؤامراتي لم تكن تعوزه التأويلات المقرونة ببعض الوثائق المبتورة والمنتقاة بعناية، وقد تبناه بعناد أنصار ما يسمى بمحور “الممانعة”، على الأقل منذ بدء احتجاجات درعا في سوريا. أما الإسلام السياسي فكما هو معلوم، لم يكف يوما عن تبني نظرية المؤامرة في كل أحواله، سواء أكان غالباً أم مغلوبا، حاكما أم محكوما، قاهراً أم مقهوراً، يكتمها حيناً ويعلنها أحياناً. لكن الأسطورة إياها يتبناها أيضا صنف من اليساريين المتحلقين حول أسطورة “الممانعة”، ممن لا يتورعون عن اعتبار إيران وحزب الله حليفين استراتيجيين في مواجهة الإمبريالية ولو بالعمائم السوداء، ولسنا ندري أين ترك هؤلاء اليساريون فجأة مسائل الخوصصة (الخصخصة بلسان أهل المشرق)، واقتصاد السوق، وحقوق الطبقة العاملة، ومطلب العدالة الاجتماعية، ووحدة النوع البشري..! ثم إن نفس الأسطورة يتبناها أيضا عدد غير قليل من القوميين العرب، ممن يبحثون عن بقايا “النخوة العربية” داخل فوهات “مدافع آيات الله”، ويا للعجب!

غير أن المعضلة هنا لا تتعلق فقط بنظرية المؤامرة، وإنما بما ينجم عنها من تفكير اختزالي، تفكير يختزل كل قضايا العالم في عنوان واحد ووحيد، من خلاله يرى ويحلل ويجادل، ويصدر الأحكام ويطلق الاتهام. بمعنى أن ثمة من اعتاد الانطلاق من شعار محدد سلفا، يجعله مفتاحا متعدد الاستعمالات لحل كل المعادلات الإقليمية والدولية منذ بدء الخليقة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها: الإسلام هو الحل، سلاح حزب الله خط أحمر، كلنا أردوغان، الأسد أو لا أحد، رابعة، المسلم السني هو المستضعف في الأرض، الخلافة ستعود، أميركا هي الشيطان الأكبر، إلخ. بمعنى، ثمة من ينطلق من نقطة ثابتة لا تتغير لغاية تحليل كل القضايا واستطلاع كل الخبايا واستقراء كل النوايا سواء في الإطار الإقليمي أو الدولي، فيجعلها معيار الحق والباطل في كل المشاكل والمسائل، داخليا وخارجيا، وفي جنبات الدنيا وأقاصي الأرض.. فضلا عن ذلك، كثيرون لا يعرفون سوى الرّكض خلف كل من يرفع “لواء الإسلام”، سواء أكان هذا اللواء أخضر اللون (الإخوان)، أم لونه أسود (داعش)، أم أصفر (حزب الله)، أم أحمر (أردوغان)، أم كان بالأحرى مثل الماء، يأخذ لون الإناء الذي يوجد فيه.

من أعراض العقل الاختزالي أيضا، المقارنة في اتجاه واحد: مثلا، قد يبدو – ظاهريا على الأقل – تصور الإخوان المسلمين للسياسة أقل تخلفا من تصور السلفيين أو الجهاديين، إذن نراهن على الإخوان المسلمين! لكننا بنفس المنطق سنجعل الرهان على “الفلول” و”الدولة العميقة” أرحم لمن يبتغي حماية مفهوم السياسة، وفي الحد الأدنى نتساءل، لِم لا نراهن على اليساريين أو الليبراليين مثلا؟ مثال ثان، قد تبدو صورة المرأة في إيران – ظاهريا على الأقل – أقل تهميشا من السعودية إذن نراهن على إيران! لكن باعتماد نفس المنطق يصبح الرهان على إسرائيل أكثر إقناعا، وفي الحد الأدنى نتساءل، لِم لا ننظر إلى صورة المرأة في دبي أو بيروت أو مراكش مثلا؟ المقارنة في اتجاه واحد هي حجة السيئين في الغالب. لكنها أيضا فخ كبير قد تنصبه بعض المنظومات الدعائية التي لا حجة لها سوى أن تقول لنا: انظروا إلى هناك فأنا أقل سوءا!

في كل الأحوال، نحتاج إلى ما يسميه إدغار موران بالتفكير المركب، ذلك التفكير الذي لا يختزل الرؤية في زاوية نظر محدودة ومحددة، لا ينطلق من عنوان بسيط يقرأ منه ويقرأ به كل الأحداث. وشخصيا لستُ أشك في أن تقنيات التواصل الحديثة تمنحنا اليوم فرصة سانحة لتطوير مهارات التفكير المركب.

قد لا تعدو أن تكون نظرية المؤامرة أكثر من أضغاث أوهام لعقل دخل في سبات عميق منذ زمن طويل. إن الاعتقاد بأن ما كان يسمى بالرّبيع العربي صناعة أميركية يبقى تصورا ساذجا ومضللا أيضا، غير أنه فوق ذلك يعفينا من أي قدر من المسؤولية عن تعاستنا، فيجعلنا نتخفف من وزر المسؤولية في ما آلت إليه أوضاعنا من فتن وأهوال، ثم يصير القاتل والمقتول كلاهما غير مسؤول عن اقتتالهما، طالما أنهما مجرد دمى تحركها خيوط المتآمرين الخارقين للطبيعة والتاريخ. لعل هذا التصور يغري العقل العاجز، ويقدم له طبقا شهيا على فراش النوم الوثير. كم هو مريح للأذهان الخاملة أن يبدو أشرارنا مجرد دمى تحركها الأرواح الشريرة من بعيد. طيب، لا بأس من استذكار أبسط البداهات: إن الزعم بوجود مخطط مدروس يستدعي في الحد الأدنى افتراض أن نقطة البداية نفسها كانت مدروسة بعناية فائقة. إذ لا يمكننا أن نتصور وجود مخطط دون نقطة بداية محددة بدقة. من العبث تصور وجود مخطط يراهن على منطلق قد لا يتحقق إلا مصادفة! فهل يُعقل أن نتصور بأن حرق محمد البوعزيزي لنفسه جزء من مخطط أميركي؟ هل يعقل أن نتصور بأن ما كتبه تلاميذ المدرسة الابتدائية في درعا قبل اعتقالهم وقلع أظافرهم من طرف أمن المحافظة كان أيضا مخططا أميركيا لتفجير الثورة ضد نظام “الممانعة”؟ هل يمكننا أن نعتبر “حركة كفاية” في مصر، و”صفحة كلنا خالد سعيد”، واعتصام “ميدان التحرير”، وقبلها “صدمة التوريث الجمهوري”، كلها مجرد تكتيكات تتحكم فيها أياد تفعل ما تشاء وقتما تشاء؟ في واقع الحال، خلال ثلاثة أسابيع من ثورة الياسمين في تونس، والتي كانت فاتحة الثورات المغدورة، كان الارتباك باديا على العالم كله، بما في ذلك “ثوار الساعة الخامسة والعشرين”؛ قناة الجزيرة، والقرضاوي، وأردوغان، والناتو، إلخ. بل العالم برمته كان مرتبكا. لم يكن هناك أي مركز دراسات أمكنه التنبؤ بالتفاصيل: متى وأين وكيف ستندلع أول ثورة في القرن الحادي والعشرين؟ بل كان الظن الغالب أن عصر الثورات مضى وانقضى. فعلا، فقد ظهرت محاولات مضنية لأجل احتواء الموجة والتحكم فيها، لكنها ستظهر متأخرة عن موعد انطلاق القطار، والذي انطلق جامحا منفلتا من كل التوقعات، قبل أن يغرق على حين غرة في الوحل السوري.

إن القدرة على تعديل الأشرعة لاستثمار اتجاه الرياح لا تعني القدرة على التحكم في تحديد اتجاه الرياح؛ فهذا الأمر يتطلب قوة خارقة للطبيعة. مجمل القول، ثورة الياسمين فاجأت العالم برمته، الحراك في مصر لم يكن متوقعا على الأقل بذلك الحال والمآل. وإلى حدود اندلاع الثورة في مصر كانت الثورة في سوريا مستبعدة بالنظر إلى أن الاستبداد هناك قد مسح الأرض مسحا. وكان التوقع حول ليبيا شبه منعدم، وهذا ما يفسر الارتباك الذي أبداه الغرب في الموقف من نظام معمر القذافي قبل أن يتهور هذا الأخير في استعمال الطائرات الحربية لقصف المتظاهرين. وهو الارتباك الذي كان ولا يزال جاثما على الحالة السورية.

إن الزّعم بأن الأمر يتعلق بمخطط جهنمي دبّرته أياد شيطانية في الخفاء، لهو مجرد تعبير عن هواجس تعود إلى المراحل البدائية من تاريخ البشرية، يوم كان أجدادنا البدائيون يظنون بأن الأرواح الشريرة تراقبهم عن بُعد، وتتآمر عليهم في الخفاء، وتنغص عليهم عيشهم، وأحيانا قد تتلبس تلك الأرواح الشريرة بآدميين يعيشون بينهم.

مجمل القول، نحن كائنات عاقلة بكل المقاييس، وإننا لمسؤولون عن أحوالنا وأهوالنا مسؤولية كاملة. لسنا محجوزين، وليس القلم مرفوعا عنا.. فوق هذا وذاك، فقد أمسى العالم قرية صغيرة بكل المقاييس، لأجل ذلك فإنّ ضرب الاستقرار في أي بلد سيؤثر لا محالة على بقية العالم. هذا بالذات ما يدركه الغرب إدراكا واضحا.

أي نعم، كيفما كان البيت، صغيرا أم كبيرا، فاخرا أم فقيرا، فإنّ صاحب البيت هو من يتحكم في بيته الداخلي بلا خلاف، لكن، عندما يحترق الداخل سيتدخل الآخرون بالضرورة، وهذا طبيعي، وإلاّ سيحترق الجميع.

كاتب مغربي

9