أكاذيب ذات دفع رباعي

الاثنين 2014/09/01

روى أحدهم قال: كدت أضرب رأسي على الجدار أو أضرم في جسدي النار، وأنا أصادف إخوانيا في مقهى يتحدث عن جرائم داعش هذه الأيام، ثم يقول إنها تركيبة أزلام، وأن داعش ليست أكثر من فلول أنظمة بن علي ومبارك والقذافي اخترقت الآفاق وحطت بأجزاء من سوريا والعراق لتضرب مشروع الصحوة الإسلامية وما أسست له الثورات العربية، وأن هناك دولا معروفة بعدائها للإخوان المسلمين هي التي تدعم الدواعش بالمال والسكاكين.

لم أستغرب هذه النظرية في فهم الظاهرة الداعشية، فنحن في زمن عجيب غريب مريب يرتوي بماء الأكاذيب، زمن انقلبت فيه الموازين بما شاءت مطامح المتأسلمين، زمن يتم فيه ضخ الأكذوبة تلو الأكذوبة، لضرب ما تبقى من هذه الأمة المنكوبة، زمن ارتفعت فيه المنابر بالكذب، وبات الدجل من حسن الأدب، وتحوّل الإعلام الى أداة إجرام على أيدي من يدّعون الدفاع عن قيم الإسلام، وأضحت هناك دول وحكومات تحتضن الكذّابين المُجيدين وتدفع لهم الملايين، وتخلع عليهم الألقاب النضالية والصفات الثورية، فهذا كذّاب الأمّة النّحرير، وهذا عالمها الجليل برتبة كذّاب كبير، وهذا مفتي الكذب الصراح في رحاب الدين المستباح، وهذا المفكّر العروبي الكذّاب القادر على تحريض الشباب، وهذا المحلل ذو الرؤى العميقة في تحويل أية أكذوبة الى حقيقة، وهذا الكاتب المجبول على الكذب منذ نعومة أظفاره، والذي وجد مجالا للاستفادة من موهبته في بقية مشواره.

وما رأيناه ونراه هذه الأيام أن الكذب تجاوز مداه، وتطوّر في شكله ومحتواه، فبات ينتقل من ألسنة مخترعيه من كذّابي أمتنا العربية إلى وسائل الإعلام الغربية انطلاقا من أن الثروة موجودة والميزانية مرصودة، ويمكن أن تتحول كذبة بسيطة على موقع التواصل الاجتماعي إلى كذبة ذات دفع رباعي، ويمكن أن تتحوّل نكتة مبتكرة من شخص خفيف الظل إلى قضية قومية أو دينية مطروحة للجدل.

لذلك على من يداوم على قراءة الأنباء أن يغربلها صباح مساء، وأن يتحصّن بالظن والشكوك، فيفرز منها أخبار تويتر وفيسبوك، وما جاء في المواقع الإخوانية التي تعتبر الكذب رسالة حضارية، وأن يحذر من تلك الفضائيات ذات الخبرة في الزيف والحيف بجميع ألوان الطيف، وأن يدرك أن بعض وكالات الأنباء تكذب كذلك بلا حياء، وأن جزءا منها من المحللين السياسيين يحترف الترويج لأكاذيب الدافعين، وأن من الدعاة البارزين والمغمورين من يكذب بدعوى نصرة الدين، وأن من الثوريين الاشتراكيين من يكذب بدعوى نصرة الفقراء والكادحين، وأن من جماعة اليسار من يشرّع الكذب لمساندة الثوّار. في حين أن الجميع في آخر المساء وقبل أن يخلد إلى النوم، يفتح دفتره ليحصي مكاسب اليوم، كم من كذبة كذب وكم من المال كسب، وكم نال من الهدايا وكم حصد من الوعود، وكم أجرى من اتصالات وكم وقّع من عقود.

وهذا موسم الحصاد في بلاد العرب، وهذا زمن الشغل لمن يجيد الكذب، ومن كان كذّابا فصيحا لا يعرف حمرة الخجل، يمكن أن يصبح ثريا وذا مكانة وقد يوصف بالثائر وينعت بالبطل.

24