أكاليل على الأبواب: نصوص حلمية

الأحد 2016/01/10
الرسم للفنان بهرام حاجو

ظل

كأنّما هو صوت لا أحد. لم أكن أسمعه، لكنه كان صوتاً، لا أدري من أين يأتي. الساحة فارغة، المحال مقفلة، كانت هرّة تموء قرب باب. الليل لم يكن مظلماً، ضوء قمر ينفلش على أطرافه. الأبنية هاجعة في نوم ساكنيها. إنها الثالثة بعد منتصف الليل. الهواء الذي يهب من البحر رطب وسميك. لم يكن يفاجئني سوى هذا الصوت الذي لم أكن أسمعه، بالأحرى الذي كنت أسمعه وكأنني لا أسمعه، الصوت الذي كأنّه لم يكن صوتاً.كنت أمشي على الرصيف الذي كثيراً ما مشيت عليه، في الليل غالباً. خفاش عبر بسرعة من فوق رأسي واختفى بين أوراق شجرة. هل هو صوته. لا.

كنت أمشي، ظلي يتبعني حيناً وحيناً يسبقني فأراه أمامي. هل هو صوت ظلّي يهب خافتاً وكأنّ أحداً يخفته؟ ربّما، قلت لنفسي.

ورحت أراقب ظلّي ناظراً أمامي حيناً وورائي حيناً، بحسب وجهة الضوء المنعكس عليّ.

غابة الادميين

نظرت أقصى ما أمكنني ، كانت الأرض شاسعة، تحتلها غابات، أشجارها كثيرة الثمار. سمعتهم يقولون: مَن سيقطن هذه الأرض؟ اننا نحتاج الى اشباه لنا لنملأها. أرض لا يملكها أحد. ليس بوسعنا نحن أن نأكل كل ثمارها... نظرت الى نفسي فرأيتني عارياً مثل الآخرين الذين من حولي. لم أخجل، قدماي مشققتان، جلدي قاس، ركبتاي سوداوان. قال واحد: نحن آدم، أنا آدم، أنت آدم، أنتم آدم... لم استغرب! ثم أشار الى كائنات أخرى قائلاً: إنهنّ حواء، لقد أتين للحين. ودعانا الى القفز صوبهنّ. ولم أدر ماذا فعلنا بهنّ. كنّا نصيح فرحاً، وفي البعيد يتردّد صدى صياحنا.

الإجاصة

الشجرة التي قطفت منها حواء تفاحة، لم تكن شجرة تفاح، هي أخطأت. قطفت حواء اجاصة من شجرة اجاص وأغرت بها آدم. أشجار التفاح كانت أبعد قليلاً، كنت أراها، لا أعلم كيف. الحديقة كانت بلا أسيجة. كنّا نجلس نحن في ظل سنديانة عندما شاهدنا حواء تقرّب الاجاصة الى فم آدم وسرعان ما راح يأكلها. كنّا جميعاً نأكل ببهجة ولم يكن من حراس يراقبوننا.

مدينة الموت

عندما بلغنا مدينة "ياء"، أوقف السائق سيّارته أمام نزل صغير لا تحمل واجهته لوحة كتب عليها إسمه. طرقنا الباب الخشب وانتظرنا، فتحت الباب سيّدة تناهز الخمسين، بحسب ما تراءى لنا. قالت تفضّلوا. دخلنا بهو النزل ورحنا نلتفت يمنة ويسرة، مذهولين بما نرى. كانت تحتل جدران البهو صور لأشخاص كأنهم راحلون، بضع منها بالأسود والأبيض وبضع بالألوان، نساء ورجال وأطفال، عائلات، رجل وامرأة كأنهما زوجان... وما هالنا كثيراً منظر أكاليل الزهور الموضوعة أسفل الجدران، وأدركنا للحين أنها زهور "اصطناعية" فلا رائحة تنبعث منها. أما الطاولة التي تتوسّط البهو فكانت أشبه بتابوت مغلق، ووضعت عليها مزهريتان وجمجمة. سألنا السيدة التي كانت تقف الى جانبه، وقد شعرت بحيرتنا: أهذا نزل أم...؟ ولم نكمل سؤالنا. قالت المرأة: كلّ غريب يدخل النزل، يسأل هذا السؤال. نعم، إنه نزل. لا تخافوا. كلّ الفنادق في هذه المدينة تشبه هذا النزل. حتى المنازل، كلّ المنازل. وعليكم ألا تستغربوا عندما تصعدون الى غرفتكم في الطبقة الأولى.

أجهل ماذا أعني بـ"سابقاً"

لم يكن أمامنا إلاّ أن نرضخ للأمر، الظلام حلّ قبل ساعتين وعلينا إلا أن نقضي الليل هنا ونبيت. فتحت لنا باب الغرفة، وقد علّق عليه إكليل صغير من معدن يشبه الأكاليل الصغيرة التي تعلّق على بوابات المقابر ، وعندما دخلنا حلّ علينا خوف وأخذتنا قشعريرة. لقد كانت الأسرة الثلاثة توابيت من خشب، وقد وضعت في داخلها أفرشة ومخدات. أصبنا بذهول شديد، ونظرنا السيّدة بعيون تبرق ذعراً: كيف سننام؟ ضحكت السيّدة ثم قالت: كلّ الأسرّة في مدينتنا هي توابيت. سأشرح لكم لاحقاً هذا السرّ. ولكن الآن عندما تنامون عليكم أن تغلقوا غطاء السرير وهو من خشب التابوت نفسه وإغلاقه سهل جداً، وستجدون فيه فتحة بمقدار الوجه أو لأقل الرأس، منها تتنفسون وتبصرون ما يمكن أن تبصروه في الظلام. قال لها احدنا بصوت يرتجف: لن أنام في هذا التابوت. سأقضي الليل جالساً على الكنبة.

ولكن، إشرحي لي هذا السرّ الذي حدّثتني عنه. ابتسمت وراحت تحدّثنا: لعلكم لم تقرأوا ما كتب على اللوح المثبت عند مدخل مدينتنا، هذه المدينة التي باتت مقصداً للزائرين الذين أصفهم بالحجّاج. لقد كتب على اللوح: أهلاً بكم في مدينة "ياء"، مدينة "الموت الحيّ". إنّه الظلام الذي لم يدعكم تقرأون هذه الجملة. مدينتنا باتت مشهورة جداً، ويقصدها الأشخاص الذين يودّون التمرّن على الموت. يأتون الى هنا وينزلون في الفنادق، وعندما تضيق هذه بالزائرين، تفتح عائلات أبواب منازلها. فالبيوت أيضاً هي أشبه بالمقابر، والأسرّة كلّها توابيت، حتى أسرّة الأطفال. أهل هذه المدينة اعتادوا فكرة الموت وأضحوا يعيشونها بلا خوف ولا خشية. وإذا سرتم في الأحياء، تجدون هياكل من عظم وجماجم معلّقة على الاعمدة وعلى الابواب اكاليل زهر. انها مدينة "ياء" يقصدها الزوار ليعتادوا فكرة الموت ويصبحوا أصدقاء معه.

قطار اللامكان

كان القطار يعبر قرى وحقولاً بسرعة فائقة، ولم يكن يتوقف عند محطة من المحطات الموزعة على الجانبين، مع أنّ ركاباً كانوا يستقلونه، أفراداً وعائلات، ولكن لم يكن يظهر على وجوههم ما يدل على أنهم مسافرون، كأنهم ركاب صعدوا الحافلات مصادفة، وجلسوا على المقاعد ولم يكن يلوح في عيونهم قلق أو اضطراب ولا يساورهم همّ. كأنهم لم يصعدوا القطار قاصدين بلدة أو جهة. ما كانوا يبالون متى تنتهي الرحلة وأين. كأنهم مسافرون من غير وجهة، مثل القطار الذي يقلّهم. ينظرون أمامهم، ولا يكادون يحرّكون رؤوسهم، ولا يبتسمون ولا يعبسون، ليسوا فرحين ولا متجهّمين. لكنهم كانوا يهتزّون إذا اهتزّ القطار في أحيان...

كان القطار يصفر ساعة تلو ساعة، منذراً المحطات التي يعبرها بوصوله من دون أن يتوقف ولو مرّة واحدة. لم يكن يهمّه أن يصل، مثله مثل ركابه، هؤلاء المسافرين الى لا مكان. كان يكفيهم أن يركبوا القطار ويجلسوا على المقاعد فلا يغادروها. ما كانوا ينهضون عنها ليشربوا أو يقصدوا الحمام. حتى الأطفال كانوا جالسين في حال من السهو. لعلهم ما كانوا أطفالاً. حتى النسوة، أمهاتهم، كنّ كأنّما في صورة التقطت بالأسود والأبيض. ظلّ القطار يصفر، عابراً بسرعة هائلة. لم أسأل أحدا من الركاب إن كان أحد يقوده. طوال تلك الرحلة التي لم تنته، لم يطلّ أحد، لا قاطع التذاكر ولا المراقبون. كان القطار وحده يشق القرى والسهول، في وضح نهار لا يغيب. ربما لم تكن من سكة. لا أحد أبصر سكة يسلكها القطار. اما أنا فكنت اجلس بدوري صامتا وبالقرب مني حقيبة يد.

كتب

إنني فقدت كتبي. نظرت فرأيت مكتبتي فارغة وعلى الأرض أوراق وقصاصات كأنّما رميت على عجلة... صرخت: من استولى على كتبي؟ ثم تذكرت أنني رأيت بعضاً منها في بيت لا أعرف أين ولا مَن هم أصحابه، وصرخت: هذه كتبي، ولم يسمعني أحد. إنها كتبي، ولكن مَن الذي أتى بها الى هنا، هنا الذي لا أعرف أين.

كان القطار يصفر ساعة تلو ساعة، منذراً المحطات التي يعبرها بوصوله من دون أن يتوقف ولو مرّة واحدة. لم يكن يهمّه أن يصل، مثله مثل ركابه، هؤلاء المسافرين الى لا مكان

المخطوط

ما إن فتحت درج الطاولة التي أخلد إليها لأكتب وأقرأ، حتى فوجئت بمخطوط علمت للحين أنني أنا مَن كتبه. سألت نفسي: أأنا من ألّف هذا الكتاب؟ متى؟ كنت حائراً، ثمّ خامرني شك في أن أكون أنا صاحب هذا المخطوط. لعلّ أحداً قلّد خطّي وكتبه. ولكن لماذا؟

عندما قلّبت أوراق المخطوط تذكّرت أنّ النصوص التي يضمّها تشبه نصوصاً لي. هذا أسلوبي، وهذه أفكار عبرت رأسي. سألت نفسي: هل هذا فخ نصبه لي أحد؟

أعدت المخطوط الى الدرج غير مطمئن، لكنّ فرحاً قليلاً اعتراني، لم أعرف من أين حلّ عليّ.

ساعة دالي

عندما فتحت عينيّ أبصرتني نائماً تحت غصنٍ تتدلى منه ساعة حائط متراخية كرغيف لم يخبز ومنها كانت تسقط الأرقام على وجهي ثم على الأرض. لم أتمكن من معرفة الوقت، ميناء الساعة لم يبق فيه حتى عقرباه، لكنني سمعت الساعة تتكّك ببطء... ثم تذكّرت.

البكالوريا

قلت لأستاذي الذي لم أتذكّر إسمه: إنني نجحت في امتحان البكالوريا، فلماذا أتقدّم الى الامتحان مرّة ثانية. قال: إنك رسبت. لا لم ارسب، اسأل رفاقي، لقد نجحنا جميعا. ثمّ تذكرت انّه قال لي أكثر من مرّة أنني رسبت. أما أنا فكنت دوماً أسأل نفسي: لماذا أتقدم الى امتحان البكالوريا ما دمت قد نجحت سابقاً. لكنني كنت أجهل ماذا أعني بـ"سابقاً".

شاعر وناقد من لبنان

16