.. أكان الإرهاب إيرانيا أو مصدره ضحايا إيران

الأربعاء 2013/11/27

الأكيد أن محاولة تفجير السفارة الإيرانية في بيروت، أمر مرتبط بلبنان وليس بأيّ دولة خليجية. أظهرت النتائج الأخيرة للتحقيقات في العمل الإرهابي الذي استهدف السفارة أن الشرخ المذهبي في لبنان يزداد عمقا يوما بعد يوم، خصوصا في ظلّ الرغبة الإيرانية في وضع اليد على الوطن الصغير، وإجبار «حزب الله» على التورط أكثر فأكثر في الحرب التي يشنها النظام السوري على شعبه. إنها حرب يتبيّن يوما بعد يوم أنّها ذات طابع مذهبي بحت. لم يعد، للأسف الشديد، في استطاعة لبنانيين كثيرين ينتمون إلى مذهب معيّن ويتعرّضون للظلم البقاء بعيدين عن الممارسات الإرهابية.

هذا يستدعي في طبيعة الحال أن تكون هناك دولة لبنانية على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، دولة تعرف ماذا تريد وليس دولة تتحكّم فيها إيران عن طريق ميليشيا تضع الانتماء المذهبي فوق الانتماء الوطني، ولا تقيم أي اعتبار للحدود اللبنانية والسيادة الوطنية.

لا يمكن بأي شكل تبرير عمل إرهابي استهدف سفارة لدولة أجنبية في لبنان. لا يمكن بأي شكل تبرير القتل، أيا تكن الدوافع. ولكن ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته أن الاحتقان المذهبي في لبنان بات من النوع الذي لا يمكن السيطرة عليه. من يستثمر في التجييش المذهبي لا يستطيع أن يتوقع سوى تجييش مذهبي مضاد، أكان ذلك في العراق أو في اليمن أو في سوريا.. أو في لبنان.

ما نشهده في لبنان حاليا يشكّل تهديدا لوجود البلد القائم على فكرة العيش المشترك بين اللبنانيين بديلا من المواجهات والصدامات بين الطوائف والمذاهب. لكنّ إيران استثمرت في هذه الصدامات والمواجهات، وعملت أوّلا على تغيير طبيعة المجتمع الشيعي.. من أجل الوصول إلى تغيير طبيعة المجتمع اللبناني كلّه لاحقا.

كانت النتيجة أن هناك من عثر على التربة التي تسمح له بالعمل على تعبئة الطائفة السنّية بطريقة لا تتفق مع الاعتدال الذي أبداه أهل السنّة في لبنان وما زالوا يبدونه. من يحتاج إلى دليل على ذلك، أي على الاعتدال السنّي، يستطيع العودة خصوصا إلى طرابلس، ثاني أكبر مدينة لبنانية.

رفض أهل طرابلس، بعد الانفجارين اللذين استهدافا قبل أسابيع قليلة مسجدين من مساجد المدينة، الأمن الذاتي. رفضوا السقوط في لعبة «حزب الله» الذي شجّع دائما على إقامة ميليشيات مذهبية في هذه المنطقة اللبنانية أو تلك، من أجل تبرير سلاحه المذهبي غير الشرعي الذي لا علاقة له بلبنان بمقدار ما أنّه مرتبط بـ»الحرس الثوري» في إيران.

أدى تفجيرا طرابلس إلى مقتل ما يزيد على خمسين مواطنا بريئا وجرح العشرات. امتنع أهل طرابلس عن الردّ بطريقة تسيء إلى الدولة اللبنانية على الرغم من كشف السلطات الأمنية المختصّة الفاعلين والجهة المجرمة ومن يقف خلفها. أصرّ أهل طرابلس على التمسّك بالدولة ومؤسساتها. هل يستفيد «حزب الله»، في ضوء العمل الإرهابي الذي استهدف السفارة الإيرانية في بيروت من تجربة طرابلس؟ انّه السؤال الكبير. إنّه سؤال يعني أوّل ما يعني أن التجييش المذهبي لا يمكن إلا أن يرتدّ على أصحابه.

المؤسف أن «حزب الله» عاجز عن القيام بعملية النقد الذاتي هذه. هذا عائد بكلّ بساطة إلى أنّه مرتبط عضويا بإيران التي تستقوي حاليا باتفاق مع «الشيطان الأكبر» الذي صار فجأة ملاكا. الحزب لا يمتلك هذه الحرّية. ولذلك يُخشى أن يكون العمل الإرهابي الأخير مناسبة يمكن استغلالها إيرانيا لتصفية الحسابات مع هذه الدولة العربية أو تلك، خصوصا مع المملكة العربية السعودية. ما تفعله إيران يصبّ في الإساءة إلى لبنان ومواطنيه بدل البحث في الأسباب التي جعلت شابيْن أحدهما لبناني متهوّر من صيدا وآخر فلسطيني من أحد المخيّمات يتحوّلان إلى إرهابيين ويقدمان على تفجير نفسهما أمام السفارة.

ألم يحن الوقت كي يدرك «حزب الله» ومن خلفه إيران أنّ التورط المباشر في دعم النظام السوري لا يؤدي سوى إلى إثارة الغرائز المذهبية؟

ألم يحن الوقت للاعتراف بأنّ استخدام الغرائز المذهبية للتوسع في هذا البلد العربي أو ذاك، أكان ذلك في اليمن أو البحرين.. أو سوريا والعراق ولبنان سياسة قصيرة النظر لا يمكن إلا أن تسيء إلى أصحابها؟

مرّة أخرى، لا يمكن تبرير أي عمل إرهابي من النوع الذي استهدف السفارة الإيرانية في بيروت. ولكن هل سيوجد من يستفيد من هذه التجربة الأليمة، التي راح ضحيتها أبرياء، لإصلاح ما يمكن إصلاحه في السياسة الإيرانية التي تراهن على الغرائز المذهبية وعلى العلاقة الجديدة مع «الشيطان الأكبر» من أجل تبرير التدخل في هذا البلد العربي أو ذاك؟

إنّه رهان لا جدوى منه للهيمنة في هذا البلد العربي أو ذاك وكي تثبت إيران أنّها قوة إقليمية لا يمكن للولايات المتحدة إلا الاعتراف بها.. حتّى ولو كان ذلك على حساب كلّ ما هو عربي في المنطقة.

الإرهاب هو الإرهاب، لا وجود لاسم آخر له، أكانت تستخدمه إيران أو الذين يعتبرون أنفسهم ضحية من ضحايا سياساتها في المنطقة. كلّ إرهاب مدان. من يتذكّر كم سفارة استهدفت في بيروت في السنوات الثلاثين الأخيرة؟ من يتذكّر أن اتهامات كثيرة وجهت إلى توابع إيرانية بعد هذه التفجيرات؟

إعلامي لبناني

8