أكبر اعتماد الأب الروحي للنووي الإيراني ومسار المفاوضات

السبت 2015/02/07
أكبر اعتماد هرب من طهران بعد سقوط الشاه

تدور الدوائر الدولية حول مصير المفاوضات الدولية الماراثونية مع الإيرانيين حول الملف النووي، وتقود تلك المفاوضات الولايات المتحدة، بينما تحذّر إسرائيل من الخطر النووي الإيراني واقتراب إيران من مراحل متقدمة في التحول إلى دولة نووية خطرة، وبين الأطراف كلها يجري توتير الدول العربية ودول الخليج العربي، وإبقاؤها تحت التهديد النووي الإيراني، وربط ملفات المنطقة بما سيجري الاتفاق عليه مع طهران، حتى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما وصل إلى التهديد باتخاذ إجراءات فردية بحكم سلطاته، إن أصرّ الجمهوريون على الاستمرار في تطبيق العقوبات على إيران، لكن الملف النووي الإيراني لم يبدأ ذات يوم بعيدا عن بصمات واشنطن التي أسّست بنفسها مشروع طهران النووي ودعمته، كما شهد العالم النووي الإيراني أكبر اعتماد، وتقدمه اليوم للعالم على أنه مشكلة خارجة عن إرادتها وأن السياسة والتفاوض هما السبيلان الوحيدان لحل تلك المشكلة.

أكبر اعتماد المولود في همذان في العام 1933، في زمن كانت فيه إيران دولة مدنية، كسائر المشرق، وقبل زمن طويل من تحوّلها إلى منبع للثورة الثأرية التاريخية والتوسّع الإمبراطوري، في زمن الشاه صحيح، وكان الشاه يتحوّل مع الزمن إلى شرطي المنطقة الأميركي، ولكن الشرق الأوسط كان معقولا للحياة في ذلك الزمان. في همذان درس أكبر مراحله الأولى ثم تابع تعليمه في طهران، لينضم إلى اليسار الإيراني، الذي كان ينتعش في تلك الفترة، مع تقدّم السوفييت وتصدير ثورة مبكرة كانت الشيوعية قبل غيرها على رأس الثورات التي استوردها الشرق، مثلها مثل القومية والليبرالية تاليا، وكان الحزب الشيوعي الإيراني متشدّدا تجاه الغرب كي يرضى ستالين، في زمن ستالين، معمّما عقلية الدكتاتور الجورجي الرهيب، فلم يطق أكبر صبرا طويلا داخل الحزب، ليغادره ويغادر معه طهران للدراسة في سويسرا متخصصا في الهندسة الكهربائية.

بعد الحرب العالمية الثانية، وتحولات مراكز القوة والنفوذ في العالم، لم يتمكن الشاه الشاب من مواصلة حكم إيران بالقبضة ذاتها التي كان يلوح بها إلى الإقليم، وفي منتصف الخمسينات، كان الجالس على العرش البلهوي، يصعّد من صدامه مع مصدّق رئيس الوزراء، فثارت البلاد ومعها اليساريون الإيرانيون، حينها كان أكبر اعتماد قد قرر العودة إلى العمل السياسي وإلى حزبه الأم، ولكنه غادره من جديد لمتابعة دراسته في الفيزياء النووية بدءا من أواخر الخمسينات في فرنسا وسويسرا ليحصل على الدكتوراه في الفيزياء النووية في العام 1963، العام الذي ظهر فيه التيار القومي العربي في جوار إيران، في العراق وسوريا.

كان الجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور الخارج بنصره من الحرب الكونية الطاحنة، بضربة نووية أميركية على هيروشيما وناغازاكي، يطرح مشروعا نوويا للسلام هذه المرة، ويقدّم لحليفه الإيراني هدية بسيطة، تعبيرا عن قوة العلاقات الأميركية الإيرانية وترابط المصالح، كانت الهدية مفاعلا نوويا، بعد سنوات يقرّر الشاه تطوير هذا المفاعل وإطلاق مشروع نووي إيراني مستقل، ويعلن في العام 1967، عام الهزيمة العربية أمام الإسرائيليين، عن تأسيس مركز طهران للبحوث النووية الذي جهّز بمفاعل بقدرة 5 ميغاوات، وتلقى هدية ثانية من الولايات المتحدة، وكان يوارنيوم عالي التخصيب. لكن الشاه الذي كان يمشي في حقل ألغام سياسية، سارع بعد عام واحد إلى توقيع اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي، فدخل ضمن دائرة الوكالة الدولية للطاقة ورقابتها في الوقت ذاته.

اعتماد أول رئيس لهيئة الطاقة النووية الإيرانية ترجم رغبة الشاه في تطوير برنامج نووي قدمه إليه الرئيس الأميركي آيزنهاور بداية الخمسينات

حينها سيعود أكبر اعتماد للعمل في مشروع الشاه، منهمكا قرابة عشر سنين في إنشاء مؤسسة إيرانية للطاقة الذرية، كعضو في فريق تطوير المفاعل، وفي تلك الفترة بدأ اعتماد يلقى التقدير والاحترام من الشاه، فعينه رئيسا لجامعة في همذان، ثم رئيسا لهيئة الطاقة الذرية الإيرانية في العام 1974.

زعم الشاه أن المشروع يهدف إلى التنمية، في السنوات ذاتها التي كان يحتلّ فيها الجزر الإماراتية ويناكف العراق ودول الخليج، وكان واضحا لاعتماد أن مليكه يرمي إلى ما هو أبعد من الأغراض السلمية، وبدأت مرحلة إبرام اتفاقات وعقود مع كثير من شركات الأميركية والأوروبية في أنحاء العالم لاستيراد التقنية النووية، ومنها العقد الكبير مع شركتي الائتلاف فرانكفورت وإرلانغن، الذي بلغت قيمته من 4 إلى 6 مليارات دولار لبناء مفاعل متطور، واستمر الدعم الأميركي للمشروع النووي الإيراني، فوقع الرئيس فورد قرارا في العام 1976 لتقدم لطهران فرصة لشراء وتشغيل منشأة إعادة المعالجة الأميركية الصنع لاستخراج البلوتونيوم، من وقود المفاعل النووي، وكان ريتشارد تشيني رئيس موظفي البيت الأبيض حينها، ودونالد رامسفيلد وزيرا للدفاع، وجاء في ورقة فورد “تطوير الطاقة النووية بهدف توفير الاحتياجات المتنامية للاقتصاد الإيراني واحتياطيات النفط الباقية الحرة للتصدير أو التحويل إلى البتروكيماويات”، وانخرط الشاه كليا في المشروع، فأبرم اتفاقية مع جنوب أفريقيا العنصرية حينها، لتقوم إيران بتقديم النفط مقابل تطوير التكنولوجيا النووية وتخصيب اليورانيوم في يريتوريا، لقاء استيراد الوقود المخصب من جنوب أفريقيا وناميبيا.

لكن الزمن كان قد بدأ يتغيّر، لتنشأ تحالفات جديدة للولايات المتحدة في المنطقة، وصارت السعودية هي الحليف الأقوى والأقرب، ومعها دول الخليج ومصر السادات، وتراجع دور الشاه وقيمته على جدول الأعمال الأميركي، وما دامت للرجل مشاريع من هذا النوع، فهذا سيعني أن تضيء الولايات المتحدة الضوء الأحمر حرصا على مصالحها، فبدأت بالفعل تتوجّس من نوايا الشاه، وأخذت تفاوض ولمدة أربعة أعوام على السؤال، من الذي سيتحكم بتخصيب اليورانيوم؟، وقد يكون لطموح الشاه بالتفلّت من الحدود التي رسمها له أسياده دور كبير في تخلي أميركا عنه ودعمه الخفي لعودة الخميني وإنجاح ثورته التي أطاحت بالشاه إلى الأبد.

المفاوضات النووية مع إيران تدور اليوم، بينما يحارب الحرس الثوري عسكريا في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وتهدد إيران بالمزيد في البحرين والقرن الأفريقي، محاولة مد أذرعها في مصر وشمال أفريقيا


المفاوضات تنتج الخميني


سقط الشاه، وورث الملالي إيران بما عليها ومن عليها، يقول اعتماد إن الثوار رأوا أن المشروع النووي الإيراني هدر للمال، وأظهروا عدم الرغبة في مواصلته، فتم إيقاف النووي الإيراني في أول رسائل التطمينات الإيرانية للغرب وواشنطن، بذريعة أن روح الله الخميني يرى أن الشريعة الإسلامية تحرّم سلاح الدمار الشامل وكل ما يؤدي إليه، ولكن الإمام سمح لدولته الجديدة إثر اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بمواصلة إجراء الأبحاث على نطاق ضيّق، وبعد وفاته انطلق المشروع بشكل موسّع، ابتداء من منجمي يورانيوم ومفاعل واحد، لتقتصر العمليات على محطات تخصيب اليورانيوم الثلاثية.

عاش أكبر اعتماد تلك اللحظات طريدا باعتباره من رجال الشاه الذين تم إلقاء القبض عليهم وإعدام كثيرين منهم، وما لبث أن هرب من إيران إلى فرنسا، وبعد سنوات، بعد أن أعادت إيران الخامنئي إحياء مشروع الشاه النووي، مستعيدة مشروعه التوسعي الإمبراطوري ذاته ومعه ملحقاته وأدواته، كانت أميركا قد تناقضت كلياً مع إيران في ظاهر الصراع، بتطبيق سياسة الاحتواء المزدوج ودعم العراق ضد حكم الشاه، فاندفعت إيران شرقا ناحية الروس، مستفيدة من خدمات وكالة روساتوم للطاقة الذرية، وكان مفاعل بوشهر أكثر المفاعلات الإيرانية اكتمالا.

استمر هذا الحال حتى أعلنت إيران البدء بإنشاء موقع دار خوين بقدرة 370 ميغاوات بدعم روسي من جديد، وانطلق المشروع، ليتحوّل إلى ورقة مفاوضات من جهة، وإلى تهديد فعلي للإقليم من جهة أخرى.


بعد سقوط بغداد


ذكرت تقارير للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران أجرت بالفعل دراسات على تصاميم لإنتاج أسلحة نووية، ووصلت إلى مرحلة تركيب الصاعق، مع تطوير قدراتها الصاروخية، وبدأ مسار طويل من الصراع ما بين الوكالة الدولية وطهران التي لم تكن تسمح لمفتشيها بزيارة المواقع النووية، حتى الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، حين قام خاتمي بتقديم مقترح سري للغرب عرضت فيه إيران التخلي عن دعم حماس وحزب الله اللبناني، والتعامل بشفافية مع برنامجها النووي، وساعد الأوربيون في تحقيق التقدم بجلب إيران إلى طاولة المفاوضات، لتصبح علاقتها مع الوكالة الدولية ومفتشيها حية من جديد.

أكبر اعتماد يخرج هاربا من طهران بعد سقوط الشاه، وقرارات الخميني التي حرمت حيازة أو تطوير سلاح الدمار الشامل في بداية الأمر، لتقوم الثورة بالتخلي كليا عن رأي الإمام والانخراط في تصاميم أسلحة نووية

ومنذ ذلك الحين تحوّل الملف النووي الإيراني إلى العصا التي يلوّح بها ثلاثة أطراف مهمّة في اللعبة، الولايات المتحدة، وإيران، وإسرائيل، بينما تحارب إيران اليوم عسكرياً في العراق واليمن وسوريا ولبنان وتهدّد بالمزيد في البحرين والقرن الأفريقي وحاولت مدّ أذرعها في مصر وشمال أفريقيا، محتفظة بتحالف من نوع خاص وغامض مع تركيا التي تفارقها كليا في العلن في جميع المواقف السياسية الإقليمية.

العالم النووي المؤسس للمشروع الإيراني ذات يوم، والشاهد على طموحات الشاه الذي طارده نظام الملالي أكبر اعتماد كشف في العام 2013 في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، العلاقة السرية بين الأميركيين والإيرانيين ودور واشنطن في تأسيس ودعم المشروع النووي الإيراني، ولكنه خرج بنظرية تقول إن القوة لن تستطيع ثني الإيرانيين عن تطوير برنامجهم النووي، وأن الحل الوحيد هو بالمفاوضات والتفاهم، مفاوضات بتضاريس متعرّجة ومعقدة، ومليئة بالمفاجآت التي تتكشف يوما بعد يوم، بينما لا يحقق الغرب أي تقدّم عبر المفاوضات، فإيران تصل إلى آفاق مشروعها النووي، وعلى الأرض تزداد شراسة، بينما ينحسر الحضور العربي وتتفكك دول عربية وتنهار جيوش وتغيب مشاريع دون أن تحلّ محلها روابط تجمع المجتمعات في اتجاه واحد.

12