أكبر صحيفة مستقلة في مصر في طريقها لتصبح تحت عباءة الحكومة

شهد العامان الماضيان نموا واضحا في انتقالات ملكية مؤسسات إعلام مستقلة، إلى أشخاص أو شركات تابعة للدولة المصرية، وتجري حاليا مفاوضات لبيع صحيفة "المصري اليوم" المستقلة إلى شركات خاصة مملوكة لإحدى الجهات السيادية- الأمنية.
الثلاثاء 2018/05/22
ملف الاستحواذات يتضخم

القاهرة - شهد الخط التحريري لصحيفة المصري اليوم، أكبر صحيفة مستقلة في مصر، تغيرات واضحة تزامنا مع سريان معلومات بشأن مفاوضات تقوم بها إحدى الشركات للاستحواذ على الصحيفة.

وجاء ذلك عقب أزمة واجهتها الصحيفة بسبب عنوان اعتبره المجلس الأعلى للإعلام “غير مهني” كان يشير إلى حشد الدولة للمواطنين للتصويت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وقام المجلس بتغريم الصحيفة بمبلغ ثمانية آلاف دولار، وإنذار مالك الصحيفة، وإلزامه بالاعتذار وإقالة رئيس تحريرها محمد السعيد صالح، وتعيين حمدي رزق، المقرب من الحكومة، خلفا له.

وكشفت مصادر مقربة من صلاح دياب مؤسس وصاحب الحصة الأكبر في المصري اليوم، أنه يجري مفاوضات مع إحدى الشركات الخاصة المملوكة لإحدى الجهات السيادية- الأمنية، للتخلي عن الصحيفة.

وأكدت المصادر، لـ”العرب”، أن توفيق دياب نجل مؤسس الصحيفة وافق بشكل مبدئي على الصفقة.

وتعهد المشترون بالحفاظ على اسم المؤسس على الصحيفة وسداد ديونها لهيئة التأمينات والضرائب، والإبقاء على العاملين وعددهم 550 صحافيا وإداريا وعاملا.

وأسست صحيفة المصري اليوم، كشركة مساهمة مصرية سنة 2004، بإشراف الناشر المعارض هشام قاسم، لتُصبح أول صحيفة يومية مستقلة برئاسة تحرير الصحافي مجدي مهنا ثم أنور الهواري، وتبنت طرح آراء ليبرالية، قبل أن تفتح نوافذ لكُتاب معارضين لنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك خلال سنوات حكمه الأخيرة.

ويكتب صلاح دياب عمودا يوميا في الصحيفة تحت عنوان “وجدتها” بتوقيع نيوتن، وكان دائم الانتقاد للنظام الحاكم، متخفيا وراء الاسم المستعار. وقامت الحكومة باعتقال دياب أواخر 2015، بتهمة حيازة أسلحة دون ترخيص، ثم تم الإفراج عنه بعد دفع غرامة مالية.

وأصبح الاستحواذ على الإعلام، محط اهتمام الحكومة بعد ثورة 30 يونيو 2013، وعبر الرئيس عبدالفتاح السيسي عن توجه نحو ذلك فور توليه الرئاسة بقوله إن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر “كان محظوظا بوقوف كافة أجهزة الإعلام خلفه”.

جهاد عودة: ما تحتاج إليه مصر تنظيم وضبط للإعلام وليس الاستحواذ عليه
جهاد عودة: ما تحتاج إليه مصر تنظيم وضبط للإعلام وليس الاستحواذ عليه

وتتولى شركات خاصة ملف الاستحواذات، وهي تابعة لجهات سيادية (أمنية) على مؤسسات إعلامية حققت نجاحا خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وتعتمد الفكرة على إقرار مبدأ رفض إغلاق صُحف تصدر بشكل قانوني، والعمل على شراء تلك الصحف لعدم استغلالها من قبل رجال الأعمال أو قوى معارضة لتصبح مصدر تأثير على الرأي العام في مصر.

ويرى مؤيدو الفكرة أن بعض المؤسسات الإعلامية يتم اختراقها بواسطة جهات معادية، لنشر الفوضى والبلبلة في المجتمع، وأن هناك حاجة لضبط الخطاب الإعلامي وضمان عدم استغلاله ضد أجهزة الدولة في هذه المرحلة.

غير أنّ آخرين يعتبرون ذلك التوجه قاتل للتعددية السياسية، ويدفع إلى احتكار الأمن مؤسسات الإعلام، ما يؤثر سلبا على الحريات بشكل عام.

كما أن انتقال ملكية المؤسسات الإعلامية المستقلة إلى أجهزة تابعة للدولة يكرس تجربة تحمل أعباء الملكيات الفاشلة التي تضطر الحكومة إلى الإنفاق عليها، سواء التلفزيون الرسمي أو الصحف القومية.

علاوة على أن المؤسسات التي تم بيعها لم تشهد تغيرا كبيرا في هيكل إدارتها، واقتصر التغيير على بعض الكُتّاب ومقدمي البرامج الذين كان يمكن ترويضهم أو توجيههم أو حتى منعهم من التطرق لموضوعات ذات طابع حساس دون الحاجة لشراء المؤسسة بالكامل.

ويكتشف المتابع لهذا الملف أن العامين الماضيين شهدا نموا واضحا في انتقالات ملكية مؤسسات الإعلام المستقلة، ووصل الأمر إلى عمليات شراء صريحة، وهو ما ساهم في تضييق هامش الحرية الذي كان مسموحا به في المؤسسات المستقلة.

ويقول جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، لـ”العرب”، إن عمليات شراء أشخاص أو شركات تابعة للدولة لبعض المؤسسات الإعلامية لا يعني التحكم أو السيطرة على الإعلام، وما تحتاج إليه مصر “تنظيم وضبط للإعلام وليس الاستحواذ عليه”.

وكان يمكن تحقيق ذلك من خلال سياسات واضحة تضمن عدم اختراق جماعات إرهابية أو أجهزة معادية للدولة عبر الإعلام، لأن الصحافة المستقلة والفضائيات الخاصة كانت موجودة وتعمل خلال عهد الرئيس حسني مبارك، ومحل ضبط وتصحيح لمسار الدولة ذاتها.

ويضيف عودة، “دعم الإعلام للنظام السياسي أمر ضروري في ظل التحديات القائمة، غير أن ذلك لا يستلزم عمليات الاستحواذ على كل هذه المؤسسات، لأن إنشاء المجلس الأعلى للإعلام يمثل بداية للحد من عمليات الانفلات الهدامة أو اختراق الجماعات الإرهابية للإعلام”.

ويؤكد خروج رجال أعمال مثل، السيد البدوي، وأحمد أبوهشيمة، ونجيب ساويرس، ومحمد الأمين، من مجال الإعلام، أن الحكومة أرادت وضع سيطرتها التامة على القواعد المنظمة للإعلام، ولم يعد من المقبول الثقة في أشخاص بعينهم، إنما هناك حاجة للإمساك بكافة الخيوط دون مساندة من أحد.

ويؤكد خبراء إعلام، أن الاستحواذ لن يحقق مصلحة الدولة بالطريقة السليمة. ولن يؤدي إلى إحكام السيطرة، وربما يقود إلى العكس، فبعد انتشار التأثير الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد الإعلام التقليدي وسيلة مضمونة لتحقيق الأهداف السياسية، وهناك فئات كثيرة وجدت ضالتها وحريتها في الإنترنت.

18