أكتب عما تعرفه

الأحد 2017/05/28

تُعَدّ الكتابة عن الحب والسلام أو استلهامهما في العمل الروائي بديهة، لكن الكتابة عن الحرب والعنف وتمثلاتهما في الرواية هما الاستثناء في الواقع، علماً أن العنف المقصود هنا هو ذلك المناخ العام الذي يهيمن على جسد الرواية كلها ويُقيم السرد بنيته الثيمية عليه، وليس العنف المعتاد المتمثل في الصراعات.

من وجهة نظري أرى المصطلح الأكثر دقّة هو مستويات العنف في الرواية وليس أنواعه، فثمّة عنف ناجم عن فعل الكتابة يعاني منه الكاتب نفسه (كتابة رواية ما قضية مُعذّبة نفسياً)، ثمَّ العنف الذي تجسده الرواية ضمن ثيمتها، وهناك أخيرا العنف الذي تمارسه الرواية على القارئ أو تولّده لديه (شكوى القرّاء من الانفعالات النفسية التي تعتريهم نتيجة لقراءتهم الرواية).

يصنف البعض مفهوم العنف على أنَّه عنف سياسي ناتج عن ممارسات سلطوية قمعية عالمثالثية أو صراع أيديولوجيات وما ينتج عنه، وعنف اجتماعي متمثل في الاضطهاد الديني أو الجنسي الناتج عن التخلف والقيم البالية وما ينتج عنها.

إن الانقلابات، أو المتغيرات السياسية -العنفية في حالتنا هناـ تترتب عليها، أو تنتج عنها انقلابات سوسيولوجية عميقة في المجتمعات-الضحية، فيحصل لدينا نوع ثالث أو تصنيف آخر يمزج بين التصنيفين الآنفين، ولا يقل أهمية عنهما، وهو ما حصل في المجتمع العراقي حين وقعت الحرب العراقية الإيرانية في العام 1980، وهي الحرب الطاحنة والمنفلتة التي استمرت لأكثر من ثماني سنوات ووصفت بأنّها واحدة من أبشع الحروب المنسية التي لم تخضع لأيّ معايير أو اتفاقيات دولية.

لقد تزامنت تلك الأحداث البشعة مع ظهور جيلنا اللاحق الذي سُمّي، اصطلاحاً، بجيل الثمانينات الذي وجد نفسه أمام حقائق الحرب والعنف والقتل والتدمير، جيل الثمانينات هذا، الذي امتلك وعيه الفني والإبداعي في أتون حرب الثماني سنوات وصقلت تجاربه بالنار، هو نفسه من سيستلهم لاحقاً المتغير الكبير الذي سيحدث في أعقاب الاحتلال الأميركي وما نتج عنه من هزات ارتدادية عميقة في المجتمع العراقي، بعد أن ازدادت تجربته ونضجت أدواته الفنية في العقدين الماضيين، وبعد أن أصبح العنف-الموت نسقاً مهيمناً في التعبير عن أزمة الإنسان العراقي، وفضاءً دلالياً للشروخ الدينية والنفسية والسياسية، لتتحول الرواية العراقية ما بعد العام 2003 إلى سردية موجعة للتعبير عن الذات العراقية المسحوقة بالعنف والأسى والخوف من المستقبل المجهول.

لقد تحولت ثيمة العنف في الرواية العراقية الجديدة إلى لازمة سردية تحتل الجسد السردي كله تقريباً، بعد أن اندحرت موضوعات الحب التي امتزجت بدورها في الثيمات الرئيسة للرواية وأصبحت النسيج الذي يشدّها، وهي في الغالب مستندة إلى الواقع العراقي الجديد الذي يتجاوز الخيال في تفصيلاته المحيّرة.

يقول الكاتب راي براد بيري “أكتب عمّا تعرفه” واضعاً بواسطة هذه الكلمات الثلاث قاعدة صارمة للكتابة من وجهة نظره، وما عرفناه كجيل هو العنف والموت والتشرّد، منذ امتلكنا وعينا الأدبي. فمن حرب إلى حرب، ومن حصار إلى حصار، ومن تشرّد في المنافي إلى تشردٍ امتدت تجربتنا المؤلمة ليصبح العنف كمحرّك للفعل المخيلاتي وسمة شبه ثابتة لها، يشترك بذلك الكتّاب الذكور والإناث من الروائيين العراقيين الذين يعيشون في أتون الداخل المحترق أو في المنافي الباردة، وبما أنّ الرواية هي مرآة عاكسة لمجتمعها ومعادل موضوعي له، أو هكذا يصفها البعض على الأقل، فلا يمكن لها الابتعاد عن هذا الواقع-الخيالي أو الانفصال عنه في محاولة دائمة لمحاكاة الواقع وليس تخيله، لأن الواقع العراقي الحالي قد تجاوز الخيال بكثير.

كاتب من العراق

11