أكتب لأعبر عن القهر والألم وأفتح نافذة على المستقبل

يرى البعض أن الأدب الحقيقي هو الذي ينبع من المشاهد اليومية والعابرة، ومن الشجون الإنسانية، يصنع الكاتب عوالمه الروائية والقصصية، وهو في ذلك يقضي جل أوقاته في التأمل والقراءة والخيال، ليخرج من تأملاتها بكتابة إبداعية صادقة تعبر عن الذات الإنسانية، والهموم التي تمس الإنسان العربي. “العرب” التقت الشاعرة والقاصة والباحثة العمانية عزيزة الطائي للحديث إليها حول عوالم القصة القصيرة جدًا التي دأبت على كتابتها وواقع أدب الطفل وأدب المرأة، فكان لنا معها هذا الحوار.
الأربعاء 2016/08/10
واقع الكتابة للطفل هزيل وضعيف

كتبت عزيزة الطائي في فن القصة القصيرة جدًا، وتلفت إلى أن كتابتها للقصة القصيرة جدًا ليست آنية، بل مرت بمراحل كانت بداية تجميعها وتبويبها في “ظلال العزلة” وأعقبتها بـ”موج خارج البحر”، موضحة “أنا أرى عوالمي تتعمق مع حالات من الوجد الإنساني، وتتناص مع شخصيات من الموروث الأدبي تتكرر أمام عيني، وتلامسها نفسي. اصطادها بعدستي التي تلتقط مشاهد قصيرة تمر عابرة علينا يوميًا، لكنها تترك أثرًا فزعًا في هذا الومض من القص، أرى عقلي ينساب وروحي تتجذر في محيطي وما حولي فأترجمه في ذاك الحدث المختزل الذي يمكن أن يلوذ إلى عمق الوجع والعقل الإنساني“.

عن الأسباب التي دفعتها إلى كتابة هذا النوع من الفن تقول الطائي “دفعني إلى كتابة هذا النوع من القص، والذي كان الكثير منه محفوظا طي مذكرتي التي لا تفارق حقيبتي، الانهزام المصاحب للواقع المرير الذي نعيشه كأمة (سياسيا واجتماعيا واقتصاديا). فالمتمعن في خصائص هذا القص يتبين أن زمامه التوغل في العمق الإنساني، معبرًا عن ذلك بلغة رمزية قوامها التهكم؛ وهذا لن تتأتى بلورته إلّا من خلال لفتات سريعة قصيرة لتدخل سهامها إلى قلوب القراء وعقولهم آخذة بهم إلى معاناتهم اليومية، وأحداثهم المعيشة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ما دفعني أيضا إلى كتابة القصة القصيرة جدا إيماني الشديد بهذا السرد القصصي السائر في التطور والنمو مع الحياة”.

وعن رؤيتها لمستقبل القصة القصيرة جدًا وواقعها توضح الطائي “من وجهة نظري، استطاعت القصة القصيرة جدًا أن تفتح نافذة حالمة بجمال فحواها عند الكثير من كتابها ونقادها من المشارقة والمغاربة على حد السواء، وإن دلّ هذا على شيء فإنّه يدل على انفتاح السّرد العربي على أنواع جديدة تتأصل يومًا بعد يوم آخذة في النّمو. إضافة إلى أنّ بنية القصة القصيرة جدا بحد ذاتها بنية صعبة المبنى، عميقة الدلالة، كما أنّها تتعامل بشكل مختلف مع العناصر القصصية التي تحاول أن تقربها من القصة القصيرة كالحكائية والحدث والشخصية والحبكة. وإنّ وجود هذه العناصر كلّها لا يحرمها من استقلالها؛ لأنّ هذه العناصر ذاتها تتأسس عليها الأنواع السّردية الأخرى كالرّواية والمسرحية. وهناك من أجاد في كتابتها وتميز بصياغة عناصرها كوحدة الحبكة والعقدة، والتكثيف، والمفارقة وما تحققه من دهشة”.

أما عن أبرز مشكلاتها فتشير الطائي إلى اعتقاد البعض من هواة الكتابة أنّها طريقة سهلة لبناء فنية السرد، إضافة إلى اختلاف النّقاد العرب في تصنيفها؛ فمنهم من اعتبرها نوعا مستقلا ومنهم من اعتبرها فرعا تابعا للقصة القصيرة؛ فهم بين المؤيد لكتابتها والرافض لها والمحايد.

وعن اللغة الشعرية التي تمتاز بها نصوصها الأدبية، تقول “أحب هذه اللغة لكونها جزءًا من ذاتي وحياتي اليومية، ولكونها تعطي ملمحًا لشكل الرواية الحديثة. وعلينا ألا نأخذ القوالب الجاهزة كما يراها المنظرون فقط. ورغم أنّي أحاول التحرر منها قليلًا إلّا أنها تتلبسني.. وأرى أن لكل كاتب طريقته التي يؤسس عليها عمله، وعليه ألّا يأخذ بالقوالب الجاهزة المعتاد عليها عند بناء نصه، طالما أن الخصائص الفنية للعمل السّردي من الحكائية والحبكة والأحداث والشخوص والزمان والمكان هي قوامه”.

القصة القصيرة جدا استطاعت أن تفتح نافذة حالمة بجمال فحواها عند الكثير من كتابها ونقادها من المشارقة والمغاربة على حد السواء

أدب نسوي

انتقالًا للحديث عن كتابات المرأة والثيمات التي تحظى باهتمامها تقول الطائي “كتبت المرأة العربية في ثيمات متعددة وركّزت على العنف والقهر اللذين يتلبسانها من المجتمع، وأرى أنّه آن الأوان لنقرأ أعمالا بأقلام نسوية تضع حلولا لذاتها قبل أن يعريها الرجل، ويكتب عن ذات المرأة ورغباتها وأحلامها وآلامها، والأهم أن تكتب عن تلك الحلول التي تحررها بكل جرأة. أكتب عن المرأة لأني جزء لا يتجزأ من عوالمها، قد أتعاطف معها كثيرا وأناصرها، وقد أختلف معها كثيرا فأنبهها، خاصة أنّ هناك قيودا مجتمعية وعرفية كثيرة تكبل المرأة العربية في مسار حياتها: قرارات، اختيار فنحن لا نعيش لأنفسنا؛ بل حياتنا مرتبطة بحياة الآخرين المحيطين بنا، ومن حولنا”.

وتضيف “لا أؤمن بمصطلح الأدب النسوي، فهذا المصطلح يفتح قوسًا كبيرًا -له ما له وعليه ما عليه- حين نقابله ببقية أنواع الخطاب المجتمعي. وحين أخطط لثيمة مّا تتناول الخطاب النسوي في الوطن العربي لمجموعة من الكاتبات العربيات اللاتي انتقيتهن لمدونة بحثي، يكون تناولي لهن بناء على رؤية محددة للكتابات النّسوية العربية؛ إلّا أنّي أتحفظ على مثل هذا النوع من التصنيفات”.

وعن الهواجس التي تدفعها إلى الكتابة، تلفت الطائي إلى كثرة الهواجس التي تحرر قلمها حين تشرع في التفكير والتخطيط في الكتابة؛ لعل أبرزها التعايش مع شخوصها، والحميمية مع الفكرة، والصدق والجرأة، ونسيان الذّات، والشطح في الخيال، فعزلتها هي محراب تخيلاتها.

وتتابع قائلة “أنتظر الكثير من الكتابة.. أنتظر الشفاء والعافية، الصفاء والنقاء، الحرية والعدالة، أنتظر الدعم والانتصار للفكرة التي تؤرقني وتصحبني إلى حيث لا أدري من عوالم. فأنا بخير طالما أنّي أقرأ وأكتب. يجب أن تكون الكتابة الملاذ الآمن وآلة الزمن التي تتجاوز سقف منزلي ومدينتي والعالم لتهرب من جدران الزمان والمكان الذين يغللان ذواتنا”.

وعن طقوسها في الكتابة تقول “لدي طقوس قبل الشروع في الكتابة وأثناءها.. طقوس مشحونة بالعزلة والتأمل والخيال وقراءة الرسوم والصور. تغريني الطبيعة بفضائها ورحابتها، أنظر بعمق لكائناتها وأشجارها وهوامها. أهيم على وجهي بتخيلاتي، بصمتي وهدوئي، راسمة شخوصي، وأعكف على القراءة”.

طقوس مشحونة بالعزلة والتأمل والخيال

أدب الطفل

تهتم الطائي بأدب الطفل، ولها كتاب في هذا المضمار بعنوان ” ثقافة الطفل بين الهوية والعولمة”، وبسؤالها عن واقع ذلك النوع الأدبي تقول الطائي “الطفل العربي بشكل عام مهضوم الحقوق، فكيف يكون أدبه، وعوالمه؟! وماذا نعني بأدب الطفل؟ وما أنواعه وموضوعاته؟ وما هي حاجاته حتى لا يعيش معزولا عن أطفال العالم.. بمنأى عن أحلامهم وأمنياتهم واتجاهاتهم وميولهم وحاجاتهم؟ فحين نتحدث عن أدب الطفل علينا أن نعي بوجهة عالمه التقني، وبأنّه جزء لا يتجزأ من فضاء واسع أرحب”.

وتستطرد “واقع الكتابة للطفل هزيل وضعيف، فأغلب الكتابات إما مترجمة وإما منقولة. لا يوجد إبداع حقيقي لواقع الطفل يجمع بين أصالته وحداثته. وأعتقد أن علينا أن نرتقي بأدب الطفل بكل تشعباته، وأن نخضع ذلك كله لدراسات تؤسس لبنات مهمة لكتابه”.

وتتحدث الطائي عن الحالة الثقافية في بلدها قائلة “المشهد الثقافي في عمان متنوع ويخطو خطى متسارعة، فالكاتب العماني يسعى إلى أن يكون له حضور على مستوى الوطن العربي وهذه إيجابية تحسب له. فنجد السرّاد ونجد الشعراء، ونجد المترجمين الباحثين على أكثر من صعيد. وهناك تواجد للبعض من النّقاد الذين نأمل أن يكونوا عونًا لنقد الأعمال في الساحة الثقافية”.

وعن المحلية في الأدب وقدرتها على الانفتاح على آفاق أكثر رحابة تقول الطائي “أنا مع انفتاح محلية الأدب، وصياغته بما يجود به فكر الكاتب ورؤيته لما حوله، وقدرته على بسط أفكاره ونسجها في عمل إبداعي شعري أو نثري، وألا يكون مقلدًا؛ بل عليه أن يكون مبتكرًا.. منطلقًا من همه المحلي إلى العربي وصولا إلى الهم الإنساني الذي هو جزء لا يتجزأ من حياتنا”.

درست الطائي النقد وكتبت فيه دراسة نقدية بعنوان “شعر صقر بن سلطان القاسمي”، وتنوه الطائي إلى أن علاقتها بالنقد علاقة أي دارس له بحب؛ فهي ترى نفسها في عتبته الأولى مجتهدة مستفيدة من تنظيراته ومدارسه، وتحاول أن تشكل زاوية لها في أعماقه.

وتشير الطائي إلى أنها لا تستطيع تقييم تجربتها الإبداعية.. فالكاتب يترك المجال للقارئ المتذوق الواعي، والناقد الحصيف الذي يسبر بوعي وأناة أغوار النص.

15