أكثر من مجرد نور

الاثنين 2015/08/17

راهن نور الشريف على قلوب جماهيره فكسب الرهان مرتين، وراهن على موهبته فكسب الرهان آلاف المرات. راهن على جماهيره حين قدم شخصية رسام الكاريكاتير الفلسطيني المهموم بقضايا بلاده “ناجي العلي” وقوبل بالنقد والرفض و"الركنة بالبيت" دون عمل. واتهموه بالخيانة والعمالة، عافاه بعدها المخرجون وظل على هذا الحال فترة طويلة، ولكنه أبداً لم يعض أصابع الندم على عمل اعتز به وظل يردد أنه أفضل أعماله وإحدى العلامات البارزة في تاريخه الفني على الإطلاق.

وعلى الرغم من كون الفيلم عرض بشاشات السينما عام 1992 إلا أنه تعرض لموجة رفض حتى تم عرضه التليفزيوني الأول عام 2014 حين انتصر الشريف لفنه بعد 22 عاماً، ثم راهن عليه مرة أخرى حين تم الزج باسمه في قضية أخلاقية، ولكن حب جمهوره له وإيمانه بفنه كان الرهان الباقي له.

وراهن على موهبته منذ ظهوره الأول وخلال مشواره الفني الذي امتد قرابة خمسين عاماً، تعرض خلالها للنقد والتشويه والتجريح، خاض معارك كثيرة منها معركته بفيلم “الكرنك” الذي تغلغل في أعماق السجون المصرية ورصد ما يحدث فيها في فترة كان النقد من الممنوعات والسياسة ليست من الكلام المباح فكل الأنظار تعلقت بناصر الزعيم الوطني الذي اجتث بذور الملكية من مصر وحرر الأرض من قبضة الإقطاع.

فإذا بالكرنك وبطله “الناصري” يفتشان السجون المصرية نقلاً لصورة التعذيب وانتهاك الحقوق والحريات.

وكما واجه عصراً ناصرياً بالفن رصد ثراءً “ساداتياً” فتح له الرئيس السادات أبواب الانفتاح في فيلم “أهل القمة”، كانت معاركه كثيرة تواجه قضايا كبرى، فهو مطلق الصرخة، المدافع عن حقوق الصم والبكم وما يتعرضون له من استغلال نفسي وجنسي، ومعه علا الصوت منادياً على أصحاب القرار “الحقونا” للتصدي لتجارة الأعضاء البشرية، وشرح جسد فئة ليست بالقليلة باعت نفسها للشيطان من أجل المال في “دماء على الأسفلت”.

وحده نور الشريف يبقيك أمام الشاشة مفتوح العينين لترى كل أبعاد الشخصية، وترى جميع الاتجاهات، أكثر من مجرد فنان يجسد شخصية أو يقدم دوراً فنياً ولكنه ينقلك لعالمه، تحلم معه وتفكر مثله.

وحده نور الشريف يجعلك تعيش عالما ثلاثي الأبعاد تزداد ضربات قلبك معه في “ضربة شمس وتتصاعد كلمات العشق المجنون في “حبيبي دائماً”، لم أغلق التلفاز مرة أو أخرج من صالة السينما وتنتهي علاقتي بالفيلم بل تبدأ مفاتيح عقلي في الدوران يميناً ويساراً تفتح أبواباً مغلقة أعطاها “نور” إشارة البدء.

جنازته المهيبة شكلت لوحة وفاء بريشة مبدع، توافد الجماهير عليها أكد الحب الجارف والرصيد الكبير في قلوب محبيه.

نور الشريف فنان من طراز خاص، بل أكثر من مجرد فنان، أكثر من مجرد نور، هو فنان الضمير والحرية، حدوتة مصرية تمشي على قدمين.

21