أكثر من وجه واحد لليمن

تشكيليون يمنيون وجدوا في تاريخ بلادهم القديم وتراثها الثقافي ملاذا يهربون عبر بواباته الفضفاضة من مرارة الحاضر بلوحات تدعو إلى الحياة وتهجر الموت.
الخميس 2019/08/15
أزياء تراثية لحضارة قديمة

حاول 120 تشكيليا يمنيا استعادة ماضي وطنهم العريق في معرض فني بالقاهرة، رسموا من خلاله وجوه الأجداد المليئة بتجاعيد الدهر، والنساء المحافظات بأزيائهن التقليدية الحامية للهوية، وخيرات عصور السعادة قبل أن تتعرّض بلادهم لمحاولات اختطاف من فصيل داخلي مدعوم من قوة إقليمية غاشمة، وحرب مستعرة منذ عدة أعوام.

الفن في مواجهة الحرب، الفن بوجوهه المختلفة وإمكاناته المفتوحة يقترح فضاء التعدد في مواجهة الانقسام السياسي، والتواصل في مواجهة القطيعة أو الانفصال الطائفي. هو ذا الدرس الذي يريد 120 فنانا يمنيّا أن يقدموه للسياسيين اليمنيين، الفنّ يحرّر الإنسان من العُقد، وينفتح به على عوالم الوئام المجتمعي والحب والجمال والتآلف الأهلي. الفن أقوى من الحرب.

وجد التشكيليون اليمنيون في تاريخ بلادهم القديم وتراثها الثقافي ملاذا يهربون عبر بواباته الفضفاضة من مرارة الحاضر في خضم اقتتال مستعر منذ أربعة أعوام، خلف معاناة إنسانية للملايين من البشر، بلوحات تدعو إلى الحياة وتهجر الموت، وترسم الابتسامات وتعزف عن العيون الدامعة، وتقدم البيوت العامرة بالحركة بدلا من الأطلال المهجورة.

وشارك قرابة 120 تشكيليا، في معرض تستضيفه دار “غاليري آرت” بحي المهندسين بالجيزة المتاخمة للقاهرة وتم افتتاحه الاثنين، واختتم الخميس 8 أغسطس، وقدّمت ريشاتهم رسالة أرشفة للماضي، وحنينا دفينا إلى الهدوء ليجسّدوا السهول والجبال والأرض والبشر، باحثين عن التطهر في زرقة السماء والبحر ومروّجين للتفاؤل من خلال السفوح الخضراء والفاكهة الملونة.

جغرافيا اليمن

ملامح نحتها الزمن
ملامح نحتها الزمن

يبدو المعرض، الذي حمل عنوان “قافلة الفن التشكيلي اليمني”، ممثّلا لجميع الأطياف الفنية اليمنية وتوزيعاتها الجغرافية، وضمّ جميع المحافظات سواء الخاضعة لسيطرة الحوثيين أو التابعة للحكومة الشرعية، مع مجموعة مميزة من فناني اليمن في السعودية ومصر والكويت وتركيا وإسبانيا والصين وبريطانيا.

قال الفنان اليمني محمد سبأ، إن كل الفنانين رسموا ما يجول ببالهم دون إملاءات، فالقافلة لا تتبع جهة سياسية، وهدفت إثراء المشهد التشكيلي المحلي، والتأكيد على حرية التعبير الفكري والفسلفي للمشاركين في صياغة الرموز والأشكال البصرية لتصوير اليمن بثقافته وجماله.

تحمل التركيبة المتنوعة للمشاركين في المعرض رسالة تأكيد على أن الفن يجب أن ينقى ثوبه من الالتصاق بدوائر السياسة وصراعات السلطة، كي ينهل الفنان من الحرية جرعة كاملة لا تتضمن ضغوطا داخلية أو توجيهات خارجية من الواقفين وراء المصالح الحزبية الضيقة.

وأضاف سبأ لـ“العرب”، أن المعرض جاء تجسيدا للحركة التشكيلية لشباب اليمن المبدعين تحت سقف واحد، بعدما جمع عددا من الفنانين مثلوا جميع المحافظات، وتناولوا موضوعات تبتعد بصورة مباشرة عن الحرب، وتتعلّق بتنوّع البيئة الجغرافية وجمال العمارة والزخارف الشعبية وعناصر الثقافة والتراث والفلكلور.

وتحاول الألوان الدافئة في غالبية اللوحات رسم مستقبل مليء بالسلام للجميع، وينعم فيه الأطفال بالرغد بدلا من حياة العوز حاليا، وتتدلّى فيها قطوف العنب بحبّاتها الحمراء الصغيرة، وتتلألأ خلالها ثمار التفاح على عربات البائعين، وبجوارها لوحات لفتيات يعزفن لحنا على الكمان أمام بيوت تقليدية جميلة فوق الجبال، وشباب يرقصون رقصات الفرح التقليدية شاهرين لسيوفهم.

لم يخلُ المعرض، الذي نظمته مؤسسات ثقافية يمنية ومصرية من بينها المركز الثقافي اليمني، من لوحات رثائية غير مباشرة للواقع كوجه امرأة مقسوم إلى نصفين أحدهما تحول إلى جمجمة، وشابة تحمل شمعة تضيء الطريق لبيوت أمامها في ليل مظلم، وشيوخ يملأ عيونهم الحزن، وشجرة جدباء تساقطت أوراقها تنمو على أرضية يغلب عليها اللون الأحمر.

الآن وهنا

أوضح البعض من الفنانين المشاركين أن الواقع يُهيمن أحيانا على لوحاتهم، فلا يمكن تناول تراث بلادهم دون المرور على ما يشهده من صراع سياسيّ وأمنيّ، وممارسات أثّرت على حياة الملايين على المستوى الصحّي والمعيشي، فكيف يرسم الفنان وجوها سعيدة على طول الخط، والحزن يُهيمن على قاطني وطنهم.

قدّم الفنان عادل المجيدي، الذي يفضّل الرسم عبر الخط العربي، العشرات من الرسائل المبطنة في لوحته “البردوني”، التي تلخّص الصراعات المتكررة في اليمن على طول تاريخه، باعتباره يخلط سيرة الشاعر والمؤرخ عبدالله صالح البردوني الذي لم تمنعه إصابته بالعمى بسبب الجدري من أن يصبح واحدا من أشهر شعراء بلاده، وأهمّ مؤرخ لفترة الصراع بين الملكية والجمهورية.

وحاولت اللوحة أن تستلهم مقاطع من قصائد وأشعار البردوني، الذي كان أول رئيس لاتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين بعد تأسيسه، وتناول فيها هموم وقضايا وطنه وعبّر عن نفسية الإنسان وهمومه وقضايا التحرر الوطني والقومي، واعتبر خلالها أنّ مهمة الشعر هي حمل هموم الناس ونقل مشاعرهم واستيعاب عصره.

زائرة للمعرض ونظرة بعيدة
زائرة للمعرض ونظرة بعيدة

ورسمت التشكيلية أحلام الرفاعي في لوحتها صورة حداثة للمرأة اليمنية بسيدة مكشوفة الرأس ترتدي زيّا عصريّا تفكر في حيرة، واختارت عنوان “مُكلف عدن” لها، معتمدة على كلمة ملتبسة المعاني تتباين دلالاتها بين التكلفة المالية أو المشقة البدنية، وربما معناها الشعبي المحلّي الذي يُطلق على المرأة الأرملة أو المطلقة التي يُلقى على كاهلها أعباء الحياة وحدها بعد فقدان الزوج بموته أو الانفصال عنه.

وأشارت الرفاعي، المعروفة بنشاطها السياسي وتعليقها المستمر على الأحداث الهامة في بلادها لـ“العرب”، إلى أنها تقدّم نموذجا للمرأة في عدن كجميلة تستمد ملامحها من حُسن مدينتها، وتظل محافظة على رونقها بإصرارها على البقاء والحياة رغم تشبّعها بالهموم والمعاناة والحزن والمشقّة.

ونقلت “القافلة اليمنية” سجّلا كاملا عن تفاصيل الحياة اليومية المعتادة والثقافة الشعبية، وتضمّنت لوحاتها رجالا يعملون في الحقول وبنات يعتنين بالماشية، ونساء يصنعن أدوات منزلية، وأخريات ينظرن بإعجاب إلى الآثار القديمة، فهذه ملكة تحمل في يدها مشعلا، في رسالة للتأكيد على عراقة هذا الشعب، وامتلاكه مؤهلات للانطلاق وبناء حياة تحقق لقاطنيه الرخاء.

وقدّمت أنفال الموغالس، التي تقيم في مقاطعة غوانزو بالصين، تقنية غير متكررة في لوحاتها بالمعرض، بعدما قررت رسم وجه فتاة يمنية كبديل لصورة “البنت” الشهيرة بأوراق اللعب مع مزجها بكمّ كبير من الزخرفة الشعبية المحلية لتتماهى مع رسالة تقول إن الماضي عريق، وإن الملكتين بلقيس وأروى يمكن تكرار نجاحهما في كل زمان.

تمثّل قافلة التشكيل اليمنية نموذجا لـ“يوتوبيا” فاضلة يحاول الفن تسويقها وتقوم على مجتمع يخلو من الأحقاد يتنازل فيه فصيل مدعوم من إيران عن أحلام السلطة لصالح مصلحة الوطن ككل، أملا في إعادة الحياة لحضارة قديمة، كانت الوحيدة في التاريخ الذي تم إقرانها بمعاني
البهجة فلا يذكر اليمن إلا ويتبعه لفظة “سعيد”.

16