أكثم عبدالحميد يشكّل من الخامات الصمّاء قصائد مهداة إلى سوريا

"مراحل إبداعية 2021" معرض يختزل مسيرة النحات السوري أكثم عبدالحميد منذ العام 1993 وحتى اليوم.
الأربعاء 2021/03/31
علاقة حميمية تجمع الفنان بمنحوتاته

يُشكّل الفنان السوري أكثم عبدالحميد معالم منحوتاته باستخدام تقنيات حديثة بأسلوبه التبسيطي والتجريدي، مستقيا إلهامه من دراسته الفنية للأساطير والفن السوري التقليدي، حيث تُكثِّف أعماله جسد الإنسان في رموز بصرية غنية تُحيل إلى مرجعيات ضاربة في التاريخ. ومعرضه الجديد المقام حاليا بصالة “تجليات” الدمشقية، اختزال لهذا التاريخ الإنساني الممتد برؤية فنان عالمي يُزاوج بين الحلم والخيال بضربات إزميله التعبيرية.

دمشق - يأتي معرض “مراحل إبداعية 2021” للنحات السوري أكثم عبدالحميد بعد 23 عاما من آخر معرض فردي أقامه في سوريا، حيث صب اهتمامه خلال تلك السنوات على إدارة الملتقيات النحتية والمشاركة فيها محليا وخارجيا، واضعا بصمته الفنية والإبداعية في عدد كبير من بلدان العالم.

والمعرض الذي تستضيفه صالة “تجليات” بالعاصمة السورية دمشق، ويتواصل حتى العاشر من أبريل القادم، يضم 54 عملا نحتيا بمواضيع تعدّدت بين الأسرة والمرأة والثور وطائر الفينيق، وبخامات متنوّعة منها البازلت والرخام والخشب والبرونز، وبأحجام مختلفة تراوحت بين الصغير والكبير وبأساليب غلب عليها التعبيري.

و”مراحل إبداعية 2021″ هو بعض من نتاج كبير خلال سنوات طويلة تعود إلى العام 1993 وحتى اليوم، وهذه التجربة المحكومة بالبحث عبر خامات نبيلة جسّدت بعض أفكار عبدالحميد الجمالية ورؤاه الفنية حول الأعمال التنصيبية والمجسمات، وهي جزء من رحلة طويلة مليئة بالمشاغل الفنية والإدارية والعشرات من المعارض الفردية والجماعية والمشاركات في ملتقيات النحت المحلية والدولية.

والفنان الشغوف بالخشب أولا بحكم بداياته وما اكتسب وتعرّف من خلالها على مواطن الجمال في جذوع الزيتون والأشجار الأخرى، لم ينقصه حينها إلاّ بعض الأدوات وتتبّع ذاته الخبيئة التي تُحيط بحواسه النبيهة، التي فعلت فعلها وأنتجت ما يجعل منه الفنان المتفرّد في لطافة فنه.

وقد قدّم الفنان ذاته تعريفا لمنجزه ضمن الكاتالوغ الخاص بالمعرض، قائلا “في تجليات تجربتي بواقع هذا المعرض تتبلور المراحل الإبداعية في المنظور الزمني متجوّلا في ضفاف العديد من الخامات المتنوعة كالخشب والرخام والبرونز والبازلت، معبّرا عن رؤيتي بقصائد لمعشوقتي سوريا”.

النحات السوري ينوّع في أشكال الوجوه في أعماله بين المستديرة والمسطحة للإشارة إلى تسطيح أغلب المفاهيم

ومن هناك، أتت منحوتات المعرض انعكاسا للوجدان الإنساني الذي يتشكّل بصريا في فناء حدود الذات ليكون اللمحة الوهاجة من عطاءات العقل. وفن النحت هنا هو فن المجسّمات الذي يلامس الواقع ويرتقي بالخامة الصمّاء إلى منطلق الخامة المعبّرة، فيتغيّر مفهوم الخامة من الناحية التعبيرية، ويبقى حضورها موجودا كأحد العناصر الأساسية التي يتركّب منها الشكل لاحتوائه على البعد الثالث الملموس والبعد الرابع الناشئة منه الأبعاد الثلاثة، ألا وهو عنصر الضوء الذي يتركّب منه الحجم الضوئي مكوّنا البعد الرابع في فن المجسمات.

وعن المعرض يقول عبدالحميد “أردت أن أنوّع أعمالي في هذا المعرض من ناحية التصنيفات النحتية والمواضيع بما يتناسب مع الخامات احتراما للمادة وخصوصيتها، وركّزت على موضوع الأسرة السورية مع إسقاط ملامح المدينة على وجوه أفراد هذه الأسرة كنوع من الانتماء للأرض والبيئة، وهو الموضوع الذي كرّسته خلال سنوات الحرب في الملتقيات النحتية الخارجية التي شاركت فيها لإثارة الجدل حول موضوع استهداف الأسرة السورية والنسيج المجتمعي لبلدنا”.

والنحت عند عبدالحميد هو النتيجة الفعلية والحقيقية في مجال رؤية المجسمات بالواقع الحقيقي في منظور الجمال، فالخامات الطبيعية تحيط به من كل جانب والتي يكمن فيها المحتوى الفكري والجمالي، وما يتوجّب عليه سوى أن يغوص بداخلها مكتشفا أسرارها وكينونتها لاكتشاف أبعادها الحقيقية مستخرجا منها أشكالا جديدة لا تبتعد عن الواقع وتفرض نفسها على واقع الحياة لتصبح جزءا منه.

وهو ما كرّسه الفنان السوري في معرضه الجديد، مؤكّدا أنه نوّع في أشكال الوجوه في أعماله بين المستديرة والمسطحة للإشارة إلى تسطيح أغلب المفاهيم، وقدّمها بعدة خامات، وهو في ذلك يرى أن التنوّع في الخامات أعطى غنى بصريا للمعرض وساعد على إحداث الدهشة عند من شاهد أعماله الجديدة.

ويضيف “صحيح أن الأعمال المعروضة هي نتاج سنوات طويلة، حيث يعود بعضها إلى العام 1993، لكن غالبيتها جاءت نتاج عمل العامين الماضيين، وخاصة الفترة ما بعد جائحة كورونا وما رافقها من حجر صحي وتوقف الملتقيات النحتية في العالم، ما ولّد لديّ رغبة لتكريس هذا الوقت بطاقة فنية إنتاجية”، مشيرا إلى أنه سعى إلى عدم التكرار بين الأعمال ممّا أنتج عددا كبيرا من المنحوتات.

وجاء المعرض كما يودّه عبدالحميد “بهدف إحداث حالة فرح لدى الجمهور السوري ولإثبات أن الفن ينبض في سوريا رغم الظروف الصعبة التي نمرّ بها، وخاصة أن النحت هو الفن الأصعب من ناحية الإنتاج وكلفة مواده وأدواته”، مؤكّدا أن ما تلقّاه من ردود فعل تجاه المعرض منحه شعورا بالسعادة والرضا عمّا قدّمه من أعمال.

وحول واقع الفن التشكيلي السوري راهنا، يرى عبدالحميد أن للأزمة دورا مؤثّرا في الفن التشكيلي السوري بسبب غياب دور الصالات الخاصة، ما أثّر إلى حدّ بعيد في نشاط الحركة التشكيلية واقتصر النشاط على عمل وزارة الثقافة في تحمل أعبائه.

ويؤكّد النحات الحائز على الجائزة الأولى في بيينالي مهرجان المحبة عن فن النحت عام 1999، أن الفن يحتاج عامة إلى الأمن والاستقرار ليأخذ مساحته على الساحة السورية، كما يجب أن يترافق تنشيط الفعاليات الفنية مع تحسن الوضع الاقتصادي، عندئذ يستطيع الفن بأنواعه استعادة مكانته في سوريا، مشدّدا على الحضور القوي للفن التشكيلي السوري في دول العالم عن طريق مشاركة التشكيليين السوريين في الملتقيات الدولية أو المهرجانات الفنية، أو حتى عن طريق إقامة الفنانين السوريين في الخارج وعرض أعمالهم، ما يساهم في نشر الفن السوري عالميا.

وحول دور الفن التشكيلي في إعادة إعمار سوريا، يرى أن للفن التشكيلي دورا كبيرا في هذا المجال من خلال مشاركة جميع أصناف الفنون التشكيلية في نسيج العمارة السورية من ساحات وحدائق وأبنية سكنية وحكومية، لتتجانس الرؤية البصرية في المشهد الجمالي وتعطي هوية ثقافية نابعة من روح التراث المعماري السوري العريق.

ووُلد عبدالحميد في مدينة جبلة السورية عام 1955، وتخرّج من قسم النحت في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق عام 1981. درّس في معهد الفنون التطبيقية في دمشق، ثم أصبح مديرا له. انتقل بعدها إلى إسبانيا ليشغل منصب مدير المركز الثقافي السوري في مدريد.

شارك في معارض وملتقيات فنية متعددة في سوريا والأردن وقبرص وإسبانيا وفرنسا وألمانيا والإمارات ومصر والبحرين والمجر. وأعماله مقتناة من قبل وزارة الثقافة السورية، والمتحف الوطني في دمشق، ومجموعات خاصة حول العالم.

16