أكذوبة المجتمع الذكوري

الاثنين 2016/11/21

مجتمع ذكوري يغفل حق المرأة ويهضمها، مجتمع لا يعترف بقدرات النساء ومواهبهن في إحداث تغير اقتصادي، وثقافي، وفكري.

تغيير جذري في كافة مناحي الحياة وتحويل دفة الأحداث الخطيرة والمهمة، تلك النظرة التي تصور المرأة على أنها كائن مستضعف ومستباح. أراها من وجهة نظري أكذوبة كبيرة أشبه بفقاعة صابون خلقتها المرأة نفسها وعاشت بداخلها تنعى حظها العاثر وتلعب دور الضحية ببراعة تستحق الأوسكار، وتبكي وضعها الذي تصفه بالمزري أحياناً، ربت الرجل على أنه الأقوى وأنها مكسورة الجناح.

أرى أن المرأة وحدها صاحبة فكرة إضفاء الصفة الذكورية على المجتمع، فمنذ معرفتها بأن الساكن بين أحشائها ذكر تنتشي كقائد حربي حقق نصرا عظيما وربما تسبق دعوات التمني بأن يكون القادم ذكرا الحقيقة ذاتها. منذ ولادتها تشبع الطفل بالتميز والأفضلية عن أخواته الفتيات كونه ذكرا وتغذي فيه التمييز منذ الصغر فينشأ الصغير على أنه مختلف عن النساء ويعلوهن درجة وربما درجات، وليتها تغذي رجولته وشهامته بدلا من “عنترية” مصنوعة من ورق، طوال عمر الذكر في المجتمعات العربية تنمي الأم فكرة “لا تفعل فأنت رجل”، تصنعه ثم تشكو من تأسده.

وحتى الأمثال الشعبية ترسخ لفكرة أفضلية الذكر، ففي صعيد مصر موال في الضمير الشعبي للمرأة يقال عقب الولادة كلماته (لما قالوا ده غلام أشتد ظهري وإستقام، وجابوا لي البيض مقشر وعليه السمن عام، ولما قالوا ده ولد اشتد عودي واستند، ولما قالوا دي بنية اتهد سقف البيت علي وجابوا لي البيض بقشره وبدل السمن مياه)، وأحياناً تتشح بعض النساء بالسواد بعد ولادتهن لأنثى، ولا تخرج لاستقبال المهنئين، على عكس الطقوس التي تعقب ولادتها لذكر.

كان أحد أعمام والدي “جدي” لا يفرق بين أبنائه الذكور والإناث، ألحق الجميع بالتعليم بلا فارق وكان حريصا أشد الحرص على المساواة بينهم، ينهر جدتي حين تقول للفتاة أخدمي أخيك الذكر، وحين ترفض أن يشارك أحد أبنائها في شؤون البيت بحجة أنه ذكر ولا ينبغي له هذا، كان جدي يقول”خير البشر سيدنا رسول الله ‘ص’ كان يخدم نفسه فماذا عن ابنك؟”.

تربت عمتي البرلمانية الشهيرة نوال عامر على المساواة في بيت لا يصنع أكذوبة المجتمع الذكوري، ولا يؤمن بأن المرأة كائن مستضعف، قليل الحيلة، ولا أقلية عليها السمع والطاعة وتنفيذ الأوامر، بل يثق في قدرة المرأة على إحداث تغيير سياسي حقيقي وهذا ما حاول والدها المحامي المعروف محمد أمين عامر ترسيخه في عقلها منذ الصغر. وطالبها في ثاني انتخابات برلمانية للثورة المصرية عام 1964 بالترشح عن دائرة من أخطر الدوائر وأشرسها، واستمرت لست دورات برلمانية متتالية وكانت أول امرأة تشغل منصب وكيل برلماني.

قال لها والدها “حين تجلسين وسط الرجال تذكري أنك مثلهم تماما، إنسان له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات، لا تنظري لنفسك على أنك أقلية”.

لست بصدد الحديث عن عائلتي ولا نشر سيرة ذاتية ـ على أهميتها ـ ولكن ما يعنيني وأردت توضيحه هو فكرة أن المرأة تصنع أكاذيب أحيانا عن التفرقة ثم تستسيغها وتروج لها كحقيقة ثابتة.

لا أرى وجودا لذلك المجتمع الذكوري إلا في مخيلة بعض النساء، اللاتي رضين بنصف الحقوق وكل الواجبات عن قناعة بأنهن الجانب الأضعف وأن الرجل هو صاحب النصيب الأكبر من كل شيء، أراهن حاربن طواحين الهواء في معركة صنعن أطرافها.

يزخر التاريخ بنساء أهلن التراب على الصورة النمطية المحفورة عن المجتمع التمييزي ورسمن صورة أكثر إشراقا بألوان مختلفة بعيدا عن اللون الواحد، وعزفن لحنا مختلفا عن نشاز الأصوات الكريهة.

كاتبة من مصر

21