أكراد تركيا يعيقون خطط العدالة والتنمية للظفر بالانتخابات البرلمانية

الثلاثاء 2015/03/17
الغموض لا يزال يكتنف مقتل الناشطات الكرديات قبل أكثر من عامين في باريس

أنقرة – تتصاعد حدة التوتر في تركيا بين حكومة العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني قبل أسابيع قليلة من الاستحقاق الانتخابي الذي يعوّل عليه الحزب الحاكم للسيطرة على البرلمان، لكن اللافت أن الأكراد يعقدون كل تلك المساعي بتحميل المخابرات المسؤولية عن مقتل قيادييهم، ما سيعطل مسيرة السلام الداخلي الشائكة.

واتهم حزب العمال الكردستاني المخابرات التركية بتدبير عمليات اغتيال ضد قيادته داخل البلاد وخارجها، في منحى تصعيدي بين الجانبين قبل أشهر قليلة من الانتخابات البرلمانية.

وأكد جميل باييك، رئيس المجلس التنفيذي لمنظمة الحزب في تصريحات مثيرة، حسب ما أورده موقع صحيفة “حرييت” التركية، الاثنين، أن رئيس المخابرات التركية خاقان فيدان اعترف “ضمنيا” بأن عناصر من الجهاز قامت بتصفية ثلاث قياديات في 9 يناير 2013 بمقر معهد الأكراد شرق العاصمة الفرنسية باريس.

وهي المرة الأولى الذي يعترف فيها أحد أبرز زعماء الأكراد بأن أنقرة هي من تقف وراء تلك الاغتيالات تحديدا، لتزيد على ما يبدو من إضعاف فرص إبرام اتفاق سلام بين الجانبين لإنهاء نزاع ناهز الثلاثين عاما.

وكان فيدان قد نفى تورط المخابرات التركية في تلك العملية وقال حينها “يُقال إن هناك بعض الأجنحة داخل المخابرات هي التي نفذت هذه العملية”، بيد أن القيادي الكردي شدد على أن “جهاز المخابرات ككل كان على دراية بهذه الجرائم”.

ولم تعلق السلطات التركية لحد الآن على تلك الاتهامات التي يبدو أنها ستعقد حسابات حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات التشريعية التي يعلق عليها الرئيس رجب طيب أردوغان آمالا كبرى لإحكام قبضته على دواليب الدولة.

ويبدو أن تلك الاغتيالات، حسب خبراء، على علاقة بالمفاوضات التي أطلقتها الاستخبارات التركية بطلب من أردوغان حينما كان رئيسا للوزراء مع زعيم حزب العمال عبدالله أوجلان الذي اعتقل عام 1999 لنزع أسلحة الأكراد لإبرام اتفاق السلام “المنتظر”.

وقد رافق مقتل الناشطات الكرديات في باريس تعتيم إعلامي كبير في تركيا، لكن تسريبات تتعلق بتلك التحقيقات التي فتحتها السلطات الفرنسية آنذاك، أكدت ضلوع المخابرات التركية في العملية.

وعثر على الناشطات سكينة جنسيز وفيدان دوغان وليلى سايليميز مقتولات برصاصات في الرأس بالمركز الكردي في وضح النهار، ما آثار غضب الجالية الكردية التي يبلغ عدد أفرادها 150 ألف شخص في فرنسا.

وتشير بعض المصادر الكردية إلى أن الناشطات تمت تصفيتهن من تيار متشدد داخل حزب العمال الكردستاني كان يرفض المفاوضات مع الجانب التركي لترك السلاح مقابل الإفراج عن أوجلان المحكوم بالسجن المؤبد في إحدى الجزر التركية.

لكن أقارب الضحايا أشاروا بأصابع الاتهام إلى الاستخبارات التركية أو أحد فروعها وذلك بعد أن طرحت في البداية فرضيات عدة حول الجهات التي أمرت بالاغتيال.

وتقول تقارير إن هؤلاء الأشخاص هم يوريت ويو، وكاي إييك، وواس أسال، وواش أوزكان وقعوا وثيقة سرية سرّبتها بعض وسائل الإعلام التركية في 14 يناير 2013 مموّهة بختم الاستخبارات التركية في نوفمبر 2012 كتبت باعتبارها “أمر مهمة” لعمر غوناي وهو عميل سري يعتقد أنه من أشرف على العملية.

ولم تقف القضية عند ذلك الحد بل إن الاستخبارات الألمانية بدورها أكدت صحة الوثيقة حيث أشارت إلى أن الأسماء الأربعة هي بالفعل أسماء لأعضاء يعملون في المخابرات التركية وموكول إليهم متابعة ملف حزب العمال الكردستاني.

تصفية الناشطات الكرديات تبدو على علاقة برفضهن المفاوضات التي أطلقتها تركيا مع أوجلان لإحلال السلام

وقد نشرت الوثيقة عقب بث تسجيل لمحادثة سبقت الاغتيال بين رجل قد يكون عمر غوناي واثنين من العملاء الأتراك، حيث نفي غوناي الاتهامات الموجهة إليه أمام القضاء أن يكون أحد الرجال الذين يتحدثون في هذا الشريط.

وتم النظر في عدد من السيناريوهات لتفسير اغتيال الناشطات، منها تصفية حسابات في صفوف الحزب الكردي على خلفية مفاوضات السلام الجارية بين الحزب وتركيا أو عملية لتيار اليمين القومي المتشدد التركي “الذئاب الرمادية” أو حتى نتيجة خلاف شخصي، لكن الجريمة لا يزال يكتنفها الغموض حتى الآن.

ويرفض باييك بشكل قاطع مبادرة زعيم المنظمة أوجلان التي دعا إليها مطلع الشهر الجاري وتقضي بفكرة إلقاء السلاح قبل الحصول على اتفاق مع أنقرة ينهي النزاع المسلح في البلاد نهائيا.

وعلى الرغم من ذلك الموقف، إلا أن أوجلان المسجون في جزيرة آمرلي لا يزال يتمتع بولاء لا يتزعزع من جانب مقاتلي الحزب الذين يعيشون في سلسلة الجبال التي تمتد عبر حدود تركيا وإيران والعراق.

ويرى مراقبون أن هذه المعارضة من داخل الحزب الكردي ستعيق التوصل إلى إبرام اتفاقية سلام بين الطرفين وسيبخر كل مساعي العدالة والتنمية في الحصول على أصوات الأكراد في الانتخابات البرلمانية التي تعقد عليها آمالا كبرى، الصيف القادم، لمواصلة قمع خصومها ولا سيما من تصفه بالكيان الموازي.

ويزعم مسؤولو حكومة العدالة والتنمية أن المفاوضات مع الأكراد تسير على نحو جيد وأنه سيتم إحلال السلام في البلاد من خلال إعلان سيصدر عن الطرفين قريبا.

ويتهم الأكراد أردوغان بدعم التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا، لمحاربة الأكراد بالوكالة على الأراضي السورية وهو ما يتضح جليا حينما تقمّصت أنقرة دور المتفرج في حرب الأكراد ضد داعش في كوباني السورية قبل أشهر.

ويستبعد سياسيون أن تتواصل عملية المفاوضات طالما هناك اختلاف في الرؤى داخل حزب العمال الكردستاني ولا سيما عدم تنفيذ الحكومة وعودها التي أطلقتها أواخر 2013 لتحسين ظروف عيش الأكراد.

فيما يؤكد محللون أن الحكومة تستغل مفاوضاتها مع الأكراد لربح مكاسب سياسية تتمثل في دخولها للانتخابات البرلمانية في وضعية مريحة باعتبار أن الأصوات الكردية تعد الأكثر عددا أمام الأقليات التركية الأخرى وهم يسعون إلى الظفر بها مثلما فعل أردوغان في الانتخابات الرئاسية العام الماضي.

5