أكراد عراقيون يتمردون على قوميتهم ويرفعون راية داعش

الأربعاء 2015/04/01
البيشمركة تقاتل داعش على جبهتين: صد هجماته ومنع الشباب الكردي من الالتحاق بصفوفه

أربيل – انضمّ إقليم كردستان العراق إلى قائمة الدول المصدّرة للمجنّدين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية، وسط تصاعد التحذيرات من مخاطر تواصل عملية التجنيد التي تشكّل خطرا على الأمن القومي للإقليم. ويؤكد مسؤولون أكراد ومراقبون في إقليم كردستان العراق أن ارتفاع عدد الشباب الأكراد الملتحق بداعش يحوّل المسألة من قضية أمنية لمحاصرة بضعة شباب يتبنى الفكر المتطرّف إلى قضية أمن قومي تستوجب محاربة هذا التطرف الفكري، الذي حوّل ولاء الشباب الكردي عن قضيتهم القومية إلى تبني أفكار التنظيم المتشدد.

لم يعد خافيا أن الصعوبة التي تواجهها قوات البيشمركة، في معركتها ضدّ تنظيم داعش، سببه انضمام عدد هام من شباب إقليم كردستان العراق إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية. ويكشف اعتراف أربيل أن ذبّاحي أفراد البيشمركة الأسرى هم أكراد انخرطوا في صفوف داعش صعوبة الوضع بالنسبة للحكومة الكردية التي أصبحت تقاتل تنظيم داعش على جبهتين: صد هجماته على المحافظات التابعة لإقليم كردستان، ومنع الشباب الكردي من الالتحاق بصفوفه.

وتقول مصادر إعلامية كردية استنادا، إلى تقارير صادرة عن جهاز المخابرات الكردية (الأسايش) إن أغلب الهجمات التي شنّها مسلّحو تنظيم داعش في محاور مخمور وكوير وزمار وبرطلة قادها أكراد التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية وتبوّأوا مراكز متقدّمة فيه وبات عدد منهم أمراء وقادة.

ويعكس خطورة هذه الظاهرة وأهميتها، تصريح أمين عام وزارة البيشمركة، جبار ياور، الذي اعتبر قضية انضمام شباب الأكراد إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية “أخطر من صدّ هجمات قوات داعش على المناطق الكردية”. وكشفت الأسايش عن أن الموجة الكبيرة من التحاق أعداد من الشباب الكردي بداعش حدثت منذ استيلاء التنظيم على الموصل في العاشر من يونيو الماضي.

ولا تملك سلطات إقليم كردستان العراق إحصائية دقيقة عن عدد الأكراد الملتحقين بتنظيم الدولة الإسلامية غير أن مصادر كردية مطّلعة قدّرتهم بحوالي 3 آلاف مقاتل. وتنقل وكالة “العباسية نيوز”، عن المسؤول السابق في وزارة الأوقاف بأربيل، مريوان النقشبندي، أن الوزارة أحصت عددا من الشباب كانوا يدرسون في معاهدها الدينية انقطعوا عن الدراسة والتحقوا بتنظيم داعش.

واستعادت قوّات البيشمركة السيطرة على مناطق واسعة متاخمة لإقليم كردستان في الموصل، في حين ما زالت مناطق أخرى خاضعة لسيطرة تنظيم داعش الذي اجتاح المحافظة في 10 يونيو 2014، وانتشر أيضا في محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك بالإضافة إلى الأنبار. ويعترف ضبّاط في قوات البيشمركة بصعوبة القتال في مواجهة قوات داعش، في ظلّ مشاركة أكراد يعرفون طوبغرافية المناطق التي يهاجمونها، ولهم دراية في الطرق المؤدية إليها. ويقول ضابط برتبة رائد إنه لاحظ أن الهجمات التي شنّها مسلحو داعش في قاطع مخمور، جنوب أربيل، قادها أكراد انتحاريون تم التعرف على هوياتهم بعد مقتلهم.

تتردد في مدينة حلبجة، التي كانت مسرحا لقتال شديد بين الجيش العراقي والقوات الإيرانية في آذار عام 1988، أن أكثر من 40 شابا من المدينة التحق بالتنظيم أغلبهم طلاّب في المعهد الديني الذي يتبع وزارة الأوقاف الكردية التي تؤكد أنّها طلبت من الهيئات التدريسية في معاهدها الدينية والعلماء وخطباء المساجد في عموم الإقليم بضرورة إيضاح مخاطر الأفكار المتطرّفة والتحذير من التعاطف مع داعش أو الالتحاق به.

500 شاب التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية منذ احتلاله للموصل، حسب إحصائيات كردية رسمية

وفي تصريح لـ”صحيفة التايمز” كشف مسؤول استخباراتي كردي “أن نحو 80 بالمئة من الموجة الحالية من شباب حلبجة الذين ينضمون إلى داعش، غالبيتهم في سن المراهقة وأوائل العشرينات ويرتبط معظمهم بأحزاب سياسية إسلامية”، ويمثل ولاء هؤلاء تهديدا للأكراد، الذين شاركوا تنظيم داعش في الاستياء من حكومة نوري المالكي سابقا.

ونقلت صحف كردية في محافظة السليمانية عن والدة أحد المقاتلين الأكراد، يدعى شالاو بختيار، قتل مؤخرا في هجوم شنه تنظيم داعش على جنوب أربيل، أنها لم تنتبه إلى أن ابنها أطال شعر رأسه إلا بعد غيابه المفاجئ وانقطاعه عن البيت حيث اكتشفت مع ذويه أنه التحق بداعش في الموصل. وإذا كان شالاو قد اتخذ قراره بالتوجه إلى داعش بسرية بالغة، فإن أهالي منطقة “سيد صادق” يتحدثون عن سفر خطيب جامع المنطقة مع أسرته إلى الموصل علنا للانضمام إلى داعش وسط توديع العشرات من الأشخاص له.

وفي صورة مشابهة، ذكرت تقارير كردية أن إمام أحد المساجد ومسؤول مدرسة دينية في أربيل، التحق بصفوف داعش مع أسرته وعدد من تلاميذه الكرد، ما دفع اتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان إلى إصدار بيان إدانة ودعوة الشباب إلى عدم الإنضمام إلى هذه الجماعات وبالأخص تنظيم “داعش المتطرف”. ويرى عبدالرحمن صديق، الخبير في الشؤون الإسلامية، أن التحاق الشباب الأكراد بتنظيم داعش، ورغم قلّة أعدادهم مقارنة بالعراقيين السنّة، والجنسيات الأخرى، يُشكل خطرا على أمن الإقليم. ويوجد في اقليم كردستان العراق أكثر من 6 آلاف مسجد، وبحسب صديق هناك أئمة جوامع يعيشون في زمان آخر، ويتحدثون عن دار حرب وسلام ويلقون خطبا بعيدة عن الإسلام المعتدل.

ورغم أن الأحزاب الإسلامية في إقليم كردستان، حاولت النأي بنفسها عن تنظيم الدولة الإسلامية، مشيرة في تصريحات لقاداتها وأنصارها بأنه خطر يهدد إقليم كردستان، وأن محاربة هذا التنظيم واجب شرعي، إلاّ أن الخبراء يشيرون إلى علاقة بين بعض هذه الأحزاب وتشجيع الشباب على الالتحاق بداعش والتنظيمات المتطرفة.

ويعود تاريخ ظهور الحركات الإسلامية في كردستان العراق، إلى أواخر سبعينات القرن الماضي، أي مع وصول موجة الإخوان المسلمين إلى الإقليم الكردي، إذ تم الإعلان عن تأسيس الحركة الإسلامية في كردستان بقيادة الشيخ عثمان عبدالعزيز عام 1978، وهي أول تنظيم إسلامي في الإقليم. وخلال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين ظهرت حركات الإسلام السياسي في الإقليم.

أغلب الهجمات التي شنها داعش في محاور مخمور وكوير وزمار وبرطلة قادها أكراد التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية

لكن، بقي نشاطها محصورا جدّا، حتى داخل الإقليم، وفشلت تلك الحركات في تحقيق قاعدة شعبية قويّة في صفوف الأكراد، المعروف عنهم ميلهم أكثر للأيدلوجيات اليسارية وشعارات القومية الكردية؛ بالإضافة إلى التركيبة العشائريّة والقبليّة التي كانت وما زالت السمة الغالبة والمؤثّرة في النسيج الاجتماعي الكردي؛ الأمر الذي يجعل البعض يتفاجأ عند الإعلان عن انضمام شباب أكراد إلى صفوف تنظيم داعش الإسلامي المتشدّد.

ويؤكّد الباحث الصوفي محمد حمه أن الأفكار الدينية المتطرفة لم تكن موجودة في المناطق والمدن الكردية قبل 2003، باستثناء مجموعة صغيرة ومعزولة في جبال حلبجة اصطلح على تسميتها بجماعة “أنصار الإسلام”، وكان أفرادها مقاتلين عادوا من أفغانستان وعبروا الحدود العراقية من إيران وكانت بقيادة الملا كريكار.

واختفت هذه الجماعة بعد عام من الاحتلال الأميركي. ولم يعد لها نشاط يذكر منذ عام 2005، بعد تدمير معسكرها على الحدود مع إيران.

ويشير حمه إلى أن المجتمع الكردي محافظ كما هو معروف عنه وأغلب المتدينين فيه ينخرطون في طرق صوفية منتشرة في مدن الإقليم، وهذه الطرق لا تلتقي أصلا مع التنظيمات المتشددة كالقاعدة وداعش. لكنه يعزو انخراط الشباب الكردي إلى مثل هذه التنظيمات إلى قلّة الوعي الديني والإحباط النفسي والبطالة وفشل الأحزاب السياسية والدينية من احتوائهم، مما ولد في نفوسهم مظاهر التمرد والتحدي.

ذات الأسباب، يسوقها مريوان النقشبندي، مضيفا في تصريحات صحفية، أن من الأسباب التي تدفع الشباب الكردي إلى الانضمام إلى داعش، مناهج المدارس الدينية وعددها كبير في إقليم كردستان.

وأكد النقشبندي أن أكثرية الشباب الذين انضموا إلى داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة كانوا يدرسون في هذه المدارس، كما أن أساتذة وعمداء المدارس الدينية هم من خريجي جامعات إسلامية في العراق واليمن وجامعة أم درمان في السودان التي درس فيها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وكل هذه الجامعات تؤمن بالسلفية، بحسب النقشبندي.

بدروه، شدّد عبدالرحمن صديق على أن التطرف فكر غريب على المجتمع الكردي، لكنه أشار إلى أن خلايا نائمة لتنظيمات إسلامية متطرفة موجودة في الإقليم. وكما هو الحال في جميع المجتمعات ومنها المجتمعات الغربية، على حكومة إقليم كردستان نشر ثقافة التسامح والتعايش ومراقبة خطب أئمة الجوامع ورجال الدين، كي لا تجد بذور الإرهاب أرضية خصبة لها.

7