أكرم خان غريبا في باريس

جسد الراقص أكرم خان يمثل مساحة لاستعادة أطياف من رحلوا، والتراب خزان خطواتهم.
الأحد 2020/04/19
الصراع مع حبال الماضي

إثر الحجر الصحي الإجباري في فرنسا، قامت المسارح وصالات العرض بإتاحة نسخ رقميّة مسجلة عن الفعاليات التي أقامتها منذ بداية هذا العام، وذلك في محاولة للتخفيف عن المواطنين المجبرين على البقاء في منازلهم ضمن عزلة أصبحت تهدد الصحة العقليّة لدى الكثيرين، هذه السياسة الاستثنائيّة أتاحت لنا مشاهدة عروض مسرحيّة وفنيّة فوّتناها أو أخرى لم نسمع بها، لنرى أنفسنا أمام “كنز” من نوع ما، وصحيح أننا نفقد متعة المشاهدة الحيّة، لكن ذلك لا يعني أن المشاهدة على الشاشة تنفي كليّا جماليات الطقس المسرحيّ.

أتاح مسرح لافيلت في العاصمة الفرنسية باريس عبر منصة ARTE عرض “Xenos” أو “الغريب” باليونانية، والذي يؤدّي فيه الراقص ومُصمم الرقصات البريطاني – البنغالي أكرم خان وحيدا مع ستة موسيقيين، مُحاولا مُساءلة موضوعات المنفى والانتماء والذاكرة، جاعلا من جسده مساحة نكتشف عبرها العنف الممارس ضد الإنسان والأرض، مُستعيدا حكاية فلاحين بنغال جنّدهم الاستعمار البريطانيّ، وأرسلهم للقتال في أوروبا والشرق الأوسط خلال الحرب العالميّة الأولى، هذه الرحلة الإجباريّة التي خضع لها الفلاحون مستمرة في الذاكرة الجمعيّة، وتهدد مفهوم الهوية والفرد، راسمة حدودا مادية ورمزيّة تجعل الجسد حسب تعبير خان ينتمي إلى “اللامكان” كونه مشغولا بـ”الانتقال”، فلا أرض للاستقرار، ولا هويّة ثابتة تشكّل الأنا.

يبدأ العرض في فضاء تقليديّ يعزف ضمنه اثنان من الموسيقيين الستة، يَتخللهما فجأة خان، الذي يرمي بنفسه داخل الخشبة ومعه حبل، ليظهر وكأنه لا يعلم أين هو، مع ذلك نراه يتحرر من الحبل، ويكتشف حريّة حركة يديه، وما إن تُطفأ الأنوار وتتوقف الموسيقى حتى يخبرنا خان إن “هذه ليست حربا، بل نهاية العالم”، لنراه بعدها في حوار راقص مع المغنّي الذي يُنشد له، وبعد أن تتحرر يداه من الحبل مرة أخرى، يدرك عبر الرقص والإيحاء والأداء أن “حرّيته” من هذا القيد ليست سوى وهم، فهناك قيود أخرى كبّلت سابقا من هم مثله، نراها مرئية وراءه على الخشبة، حبال تنتظر وتحدّق به، وكأن كل واحد منها يختزن حكاية واحد من الفلاحين، الذين جندهم الاحتلال البريطاني ورماهم في حرب لا دخل لهم فيها.

تحضر أطياف من رحلوا في جسد خان الذي يتلمس ما حوله، محاولا أن يتمسك بالمكان المكبّل بالحبال، أما ذاكرته فحبل يحاول الإنصات إليه، فجأة يبدأ المشهد التقليدي بالتداعي، يختفي الموسيقيون، وتسحب الحبال كل ما هو حوله، الكراسي والطاولة والمنزل التقليديّ، ليبق هو والتراب، لكن، هناك أيضا حبل الذاكرة، الذي أصبح قيدا يحاول خان الفكاك منه، وما إن ينجح، حتى ينكشف حبل آخر، ذاك المربوط حول قدميه والذي يحوي علب الإيقاع الصغيرة، تلك التي نكتشف أنها صدى لهوية سابقة، يحاول الفكاك منه لكنها تلتف حول جسده وتمتدّ كأنّها سلاسل ذات إيقاع يعبر بها الحدود، وسواء كان يرقص أو يمشي أو يهرب، هناك إيقاع الماضي، الذي وإن تلاشى كل أثر له، بقيت علامات الحبال/ القيود قائمة.

الحبال في العرض تتحول من شكل إلى آخر، لكنها دوما علامات تربط الآن مع الماضي، هي استعادة لمن رحلوا، وأسلاك هاتف تتردد ضمنها أسماء الفلاحين الذين قضوا في بلاد لا يعرفونها ضمن معارك لا تخصهم، هي أيضا خيالات المنزل والوطن التي تشدّ الفرد إلى مساحة نوستالجيّة متخيّلة، وفي كل مرة يتحرر منها الراقص، يكتشف أن حريته هذه وهم، فجسده نفسه حبل من نوع ما، قيد يضبط حركته وأسلوب انتقاله، فالغريب كحالة خان نفسه الذي ينتمي لثقافتين مختلفتين، لا يجد تعريفا واضحا لهويته، هو حائر بين حبال الماضي وبين تراب الآن، أما جسده فيواجه سلطة تقوده نحو هلاكه، ذات السلطة التي أسرت 800 ألف فلاح، تأسره وترميه إلى معارك لا يهم فيها الربح أو الخسارة، معارك جوهرها سؤالان “من أنا ؟” و”إلى أي تراب أنتمي؟”.

تداعي العالم وبقايا التراب

أصوات المختفين وجروحهم
أصوات المختفين وجروحهم

يتحول جسد الراقص إلى وعاء تحضر فيه أصوات المُختفين، أولئك الذين لا نعرف عنهم سوى أسمائهم التي تتردد بصوت عال، كإعلان رسمي لا خصوصية فيه، هذه الأسماء تترك أثرها في جسد الراقص نفسه، كل واحد منها أشبه بتعويذة تصيب في جسد خان للحظات وثم تتلاشى، وكأن الاسم جرح ينفتح وينزّ كلما تردد في الفضاء، ومع كل صدى تتداعى عوالم مختلفة ويغرق خان في قيد جديد لا فكاك منه، لأنه ينتمي لذاكرة جمعية تبتلعه وتتجلى أمامنا على الخشبة، فبين كل فصل وآخر يُرمى خان حرفيا في مكان لا يعرفه، تتلاشى الأشياء حوله تباعا ليترك وحيدا مع التراب، العنصر الحاضر دوما طوال العرض، فهو الأرض وموضوع السيادة التي في ظل الاحتلال تتحول إلى عدو للمُستَعمِر، الذي يحاول الهيمنة على التراب ومن عليه، وهنا يظهر الراقص كواحد من الخاضعين لهذه السلطة، يحاول التمسك بقبضة من تراب يهرب من يده ثم يغمره، فلا فكاك من الأرض مهما كان شكلها.

التراب يعني الاستقرار، هو أساس الحياة واستمرارها، وكحالة الفلاحين الذين انتزعوا من ترابهم وألقوا إلى حتفهم، يتزحزح التراب تحت قدمي “الغريب”، كونه فقد خاصية الاستقرار، ولا يمكن “الوقوف” عليه، ما يعني الركض دوما بسبب الخوف من الثبات، مع ذلك، هناك دوما بحث عميق في هذا التراب، ومُحاولةٌ لتفنيده واكتشاف تفاصيله، وهذا ما نراه حين يتحول خان إلى فأر، يبحث ويكتشف التراب، يتذوقه، ويتمرغ فيه، يبحث عن طعام ربما أو عن خطوة لأحدهم، لكنه يجد حبلا يستمع عبره لأصوات من رحلوا، وهنا يظهر التراب كخزان لذاكرة العالم، يكفي فقط الإنصات إليه لنكتشف تواريخ من مروا، ليصبح الرقص وضرب الأرض حوارا مع هذا التراب، ومحاولة لبعث أطياف أولئك الذين لا نعرف عنهم سوى الطريق الذي عبروه.

مأساة التكرار

ذاكرة التراب وآلامه
ذاكرة التراب وآلامه

يقول خان في لقاء معه إن العرض يستدعي أسطورة سيزيف في بعض جوانبه، فالأخير غريب، مَنفي، ملعونٌ بالتكرار، يحمل همومه التي ما تلبث أن تتداعى فوقه، فلعنة سيزيف ليست حمل الصخرة ووقوعها، بل عدم قدرته العودة إلى وطنه، وعجزه عن استعادة السيادة على جسده المحكوم بإيقاع الهزيمة، الأهم أن سيزيف لا يمتلك حكايات، بل يتكرر أمامه تاريخه الشخصي، الذي يتناهى حتّى يحتل كل الزمن، حكاية واحدة تشغل كلّ وقته، يفقد إثرها الوجود معناه، فسيزيف أسير ماض يتكرر إلى ما لا نهاية.

يشير خان في ذات اللقاء إلى أن الإشكالية الرئيسية أو الصبغة العالمية التي يحويها العرض تظهر إن أخذنا بعين الاعتبار ادّعاء الإنسان ملكيّة الأرض، ما جعله يتبنّى موقفا عدوانيا تجاهها، في تناس تام أننا كبشر، ككل الكائنات الحيّة، عابرون، لا بد لنا أن ننتهي يوما ما، فنحن فقط نستعير أماكن وأزمان نشغلها ثم نمضي، وهنا يظهر مفهوم الأثر مرة أخرى، هل نترك وراءنا الدمار وذكريات الاستلاب والألم أم نعيش في تناغم مع هذا التراب والجسد المؤقت الذي نمتلكه.

13