أكرم رسلان سوري سخر من الحقيقة فقتل تحت التعذيب

السبت 2015/09/26
رسلان واجه اجتياح الدبابات لمدينته حماة بقلم الرصاص

هل قتلت لوحة “الأسد أو نحرق البلد” رسام الكاريكاتير السوري أكرم رسلان؟ في اللوحة يظهر رئيس النظام السوري رافعا للافتة كتب عليها هذا الشعار الذي اجتاح الحياة السورية طيلة السنوات الخمس الماضية، ولكن النيران التي يروّج لها الشعار تحيط ببشار الأسد، لا بل إنها وصلت إليه وأذابت الجزء الأسفل من جسمه.

ما يقوله الكاريكاتير هنا، ليس قاسيا، ولا يحتوي مفارقة مضحكة، بل هو يقول واقعا، كان السوريون وطيلة الأعوام السابقة يقولونه سرا وعلانية، غير أن تأسيس العقلية الإعلامية السورية وفق النوابض الأمنية المخابراتية، طيلة نصف قرن كامل، يجعل أي اقتراب من شخصية الدكتاتور جريمة، يحاسب عليها الجميع، الموالي قبل المعارض، في زمن سيطرة النظام على الحياة السورية، كما في زمن الثورة عليه.

معرفتنا بواقع الإعلام السوري، بعد أن عايشناه طيلة عقود، تجعلنا ندرك كم هو حجم الجريمة كبير بالنسبة إلى العقلية الأمنية التي تديره، حينما يرفض إعلامي سوري يعمل في سوريا الحل الأمني الذي فرضه النظام في معالجة حركة الاحتجاجات الشعبية منذ البداية، وكلنا نذكر كيف أن مجرد التعاطف مع المحاصرين في مدينة درعا، كلف العشرات من المتضامنين أثمانا كبرى، عبر الاستدعاءات الأمنية والتهديد بالاعتقال، فضلا عن التسريح من العمل.

كلام الخطوط

أكرم رسلان رسام الكاريكاتير، كان واحدا من هؤلاء، الذين كانوا يعملون في الإعلام الرسمي (التابع للنظام كما يسميه ناشطو الثورة)، ولكنه لم يشأ الصمت، أو العمل خفية، إذ كيف يمكن للكاريكاتير أن يخفي صاحبه، ولأنه خرج على (قواعد السلامة) التي يرسمها مديرو ومخبرو الإعلام الرسمي عبر رسمه وبشكل علني لواقع مأساة السوريين في السنتين 2011 و2012 أي سنوات الثورة السلمية، كان لا بد له – ووفق قواعد الدولة البوليسية الأمنية – من أن يدفع الثمن.

ولد أكرم رسلان في العام 1974، في مدينة صوران بمحافظة حماة السورية، وحمل إجازة في الآداب العامة من قسم المكتبات، من جامعة دمشق في العام 1996، ليعمل بعدها في عدد من الصحف السورية والعربية، ومنها صحيفة “الفداء” الحكومية، التي اعتقل من مبناها بتاريخ 2/10/2012، على يد دورية أمنية تابعة لفرع الأمن العسكري.

الصحفي علي حمرة، الذي رافق مسيرة الراحل أكرم رسلان، يتذكر بعضا من التفاصيل التي ميزت الفترة السابقة لاعتقال أكرم، يقول لـ”العرب” “كان أكثر من صديق، لقد قضينا معا مشوار المرحلة الجامعية، هو كان في قسم المكتبات، وأنا كنت في قسم الصحافة بجامعة دمشق، اجتمعنا أول مرة عندما زار معرضي في العام 1993 بكلية الآداب، وقد جمعنا فن الكاريكاتير منذ ذلك الحين، بعدها قضينا فترة من الخدمة الإلزامية، في مدرسة المشاة بحلب، ثم عملنا في صحيفة ‘تشرين’ سوية بداية العام 1999. هو كان يرسم لقسم الدراسات، وأنا أرسم لقسم الاقتصاد في الجريدة ذاتها. أكرم كان ذا طبع متفرد، يمتاز بطيبة القلب الشديدة، كان خجولا قليلا، لا يحب أن يتكلم لغوا، كان يفضل الرسم أكثر من الكلام والشرح، قبل اعتقاله تحادثنا وعزمنا على عمل مشروع ثنائي لم يكتب له النجاح بسبب اعتقاله وبعدها خرجت من سوريا، أكرم كان من أوائل المدافعين عن الثورة السورية بقلم وورقة بيضاء، كقلبه الصافي كان ضحية نظام فاشستي، فهو اليوم ناجي العلي السوري حقا، لروحه الرحمة والسلام”.

رسلان دفع حياته كآلاف السوريين من أجل أن يقول الحقيقة

تغييب وتحريم

اختفت أخبار أكرم رسلان منذ تاريخ اعتقاله، ولم يجرؤ أحد من زملائه في الإعلام الرسمي على السؤال عنه، ففي سوريا، يصبح مجرد ذكر اسم المعتقل بين الناس جريمة إضافية، فكيف إذا كان المعتقل صحفيا، وكان السائل عنه زميلا له؟

غير أن زملاء أكرم ممّن نجوا من خطر الاعتقال بسبب خروجهم من مناطق سيطرة النظام، عملوا على إثارة قضية اعتقاله في الأوساط الإعلامية العالمية ولاسيما تلك المختصة منها بواقع القمع الذي يتعرض له رسامو الكاريكاتير على يد الأنظمة القمعية، وقد تم وضع مصير أكرم ضمن الاهتمامات الملحة للشبكة الدولية لحقوق رسامي الكاريكاتير، التي أعلنت في شهر يونيو للعام 2013 عن توارد أخبار تقول بأن رسام الكاريكاتير السوري أكرم رسلان قد أحيل للمثول أمام محكمة الإرهاب، وأنه سيواجه تهما منها “التعاون مع الجماعات المتمردة، والعمل ضدّ الدستور السوري، وإهانة رئيس البلاد، والتحريض على الفتنة، وتشجيع الثورة ضد النظام العام، والنيل من هيبة الدولة السورية”.

كما تابعت الشبكة عملها من أجل مصير رسلان فاختارته في العام 2013 لتمنحه جائزتها السنوية “بسبب شجاعته الاستثنائية في مواجهة قوى العنف بالرسوم التي قال فيها الحقيقة فقط”، بحسب تعبير رئيس مجلس إدارة الشبكة الصحفي جويلبيت.

ظل مصير رسلان مبهما طيلة السنة الأولى من اعتقاله، غير أن خبرا أفاد بمقتله تحت التعذيب، تم تداوله في أوساط الناشطين والحقوقيين بعد عام من اعتقاله، جعل العديد من المنظمات الحقوقية السورية والعربية والعالمية، تعيد قضيته إلى الواجهة عبر المطالبة بكشف مصيره، بعد أن قال متابعون بأن الخبر قد لا يكون صحيحا، خاصة أن مصير المحالين إلى محكمة الإرهاب يبقى غامضا بسبب منع قانون الإرهاب المحامين من التواصل مع المعتقلين المحالين إلى محكمته.

رسلان الذي قال في محاضرة ألقاها بالمركز الثقافي في مدينة حلفايا على هامش معرض لرسوماته إن “فن الكاريكاتير ارتبط بالديمقراطية لأنه وسيلة تعبير انتقادية تعطي صورة واضحة عما تعنيه حرية الفكر وحرية الاعتقاد”، كان يدرك المسار الذي يمكن أن يفضي إليه مصيره، طالما أنه قرر عدم الصمت على جرائم النظام بحق المتظاهرين السلميين، وبحق الأبرياء من السوريين ممكن كان ذنبهم الوحيد أنهم طالبوا ورفعوا الصوت بأملهم في حريتهم.

مصيره يقع ضمن الاهتمامات الملحة للشبكة الدولية لحقوق رسامي الكاريكاتير، التي أعلنت منذ شهر يونيو للعام 2013 عن توارد أخبار تقول بأن رسام الكاريكاتير السوري أكرم رسلان قد أحيل للمثول أمام محكمة الإرهاب، وأنه سيواجه تهما منها "التعاون مع الجماعات المتمردة، والعمل ضد الدستور السوري، وإهانة رئيس البلاد، والتحريض على الفتنة، وتشجيع الثورة ضد النظام العام، والنيل من هيبة الدولة السوري"

رسام الكاريكاتير الفنان هاني عباس يضع خبر رحيل أكرم رسلان ضمن السياق ذاته فيقول “بعد خمس سنوات، ربما كان من المفترض بنا كسوريين من محترفي الأمل، أن نكون الآن في مكان وزمان نتحدث فيه عن تحقيق هذا الأمل، إلا أننا لازلنا حتى هذه اللحظة نحترف الألم، ونحترف الرثاء، رثاء كل شيء كان، أمكنة وأشخاصا وذاكرة، ذاكرة لازلنا نصارع أنفسنا للاحتفاظ بها، ذاكرة تحافظ على بقايا أمل كبير، أمل نحبه رغم كل السواد الذي يخيّم على النفق”.

ويضف عباس “عرفت الفنان أكرم رسلان بداية العام 2000 من خلال رسوماته، وشاء القدر أن ألتقي به مرتين في دمشق أثناء زيارته لها، أكرم الإنسان الهادئ والدمث والمهذب، وفي نفس الوقت فإنه وعندما يرسم نجد في رسومه نبرة عالية من الحرية والمواجهة والكرامة، مع بداية الثورة السورية كان أكرم من أول الرسامين السوريين الذين أعلنوا موقفهم الواضح والصريح مع الثورة، كان يمتلك شجاعة كاملة وضعته وجها لوجه مع الدبابات التي حاصرت مدينته وهو كان لا يزال يرسم، حاول بريشته منع دبابات الأسد من اجتياح مدينته مرة ثانية، وارتكاب مجازر كما فعلوها أول مرة، لكن ما جرى أنهم استطاعوا اعتقال أكرم. ثلاث سنوات من اعتقال أكرم في سجون الأسد، ومع المحاولات الكثيرة لمعرفة مصيره، والكثير من الأخبار المتضاربة عن وضعه، وصلنا أخيرا أن أكرم، السوري أكرم، الفنان أكرم، دفع حياته، كآلاف السوريين من أجل أن يقول الحقيقة، الحقيقة التي لا يريد أن يسمعها أصحاب القرار في العالم، الحقيقة التي تقول (إن هنالك عصابة حاكمة في دمشق تستمر على مرأى ومسمع الجميع في قتل الشعب وترويع الآمنين وممارسة أبشع صنوف الإرهاب على الشعب السوري، من قتل واعتقال وتهجير، الحقيقة التي تقول بأن هنالك شعب طالب بالحياة الكريمة والحقوق والمساواة، فكان رد العصابة الحاكمة ومن والاهم من الدول الشبيحة بقتل هذا الشعب، هذا الشعب الذي لن ينسى من قدم وضحى من أجله، وأيضا لن ينسى من قتله وهجّره، أكرم رسلان، أيقونة سورية جديدة على مذبح الحرية التي لا بد أن تتحقق”.

تأكيد الإعدام

تأكيدات مقتل أكرم رسلان تحت التعذيب في سجون النظام السوري، ملأت الوسائل الإعلامية طيلة الأيام السابقة، بعد أن نشرت صحيفة “سوريتنا” المعارضة الخبر مستندة إلى تأكيدات قدمها معتقل سابق، ما أعاد إلى الواجهة الخبر الذي تم تداوله بعد عام من اعتقاله والذي أفاد بالمعطيات ذاتها.

كان من أوائل المدافعين عن الثورة السورية بقلم وورقة بيضاء
ورغم أن الكثير من الصحفيين رفضوا تأكيد الخبر بسبب غياب الأدلة، إلا أن السياق الذي فرضه النظام عبر إخفاء المعتقلين وتغييب الأخبار عنهم، ولاسيما منهم أولئك الذين لم يعرف عنهم أي شيء منذ اعتقالهم، وكذلك عدم تسليمه جثامين المعتقلين إلى ذويهم، يجعل خبر مقتل رسلان تحت التعذيب صحيحا بنسبة كبيرة، إذ لم يعلن سابقا عن مقتل أحد تحت التعذيب، إلا وكان الخبر صحيحا، خلا استثناءات قليلة.

القضية في رحيل أكرم رسلان لا ترتبط بكون رسام كاريكاتير استفز الدكتاتور، بل تتماس أصلا مع سياق الحياة القمعية التي عاشها السوريون لمدة طويلة، والتي وصلت في تفاصيلها قبل الثورة إلى درجة الفنتازيا، فأحد من العالم لم ولن يصدق بأن من كانوا يشون بالإعلاميين المعارضين إنما هم زملاء لهم، ارتضوا أن يكونوا مجرد مخبرين للأجهزة الأمنية، وقبلوا أن يكونوا الوسيلة التي توصل الإعلامي المعارض إلى الموت تحت التعذيب في السجون.

ورغم أن هذا السياق واضح ومدرك من قبل من عاش ويعايش الحالة السورية، إلا أن فن الكاريكاتير في سوريا ومنذ الأيام الأولى للثورة اندفع إلى المواجهة ليكون أكرم رسلان وقبله الفنان علي فرزات في طليعة المساندين للثورة، وفي هذا السياق يقول الفنان السوري موفق قات “الكاريكاتير ليس فنا ساخرا فحسب، بل هو شكل من أشكال المعرفة، الكاريكاتير هو أكثر الفنون تكثيفا من حيث الشكل والمضمون، لذلك يستطيع توصيل الرسالة بشكل سريع، وساعده في ذلك ضيق الوقت عند الإنسان المعاصر”.

يضيف قات “عندما يخاف النظام الدكتاتوري الذي يملك الصواريخ والبراميل والآلاف من المخبرين والشبيحة والمرتزقة من عدة خربشات باللون الأسود، عندها نعرف مدى ضعف وهشاشة النظام الشمولي.عندما يعتدي هذا النظام على رسام كاريكاتير، كعلي فرزات ويقتل تحت التعذيب أكرم رسلان، فهذا يعني بكل بساطة أن النظام جبان وكل كلامه عن الصمود والمقاومة والممانعة، هو عبارة عن غطاء لفشله في حماية الوطن والمواطنين”.

أكرم رسلان باستشهاده وبقوله الحقيقة دون خوف، أعطى مثالا نبيلا على موقف الفنان الملتزم بقضايا شعبه من الظلم، هو درس لكل الأجيال اللاحقة لتكون شجاعة مثله، وقادرة على الوقوف بوجه الطغيان، لتقول كلمة الحق، فالوطن الحر لن يبنيه سوى الشجعان والأحرار”.

14