أكشاك الصحف في شارع الحمراء تبحث عن قراء

الجمعة 2015/03/06
عزوف لافت عن قراءة الصحف والمسنون ما يتعاملون معها وكأنها الحبيبة الأولى

بيروت- إنها السادسة صباحا في العاصمة اللبنانية بيروت وها هو شارع الحمراء التاريخي يعيش لحظاته اليومية الأولى التي تمتلئ بأبواق السيارات وأحاديث المارة وزحمة أصحاب المحال التجارية وأيضا أصوات أصحاب أكشاك الصحف والمجلات وهم منهمكون في عرضها بانتظار الزبائن الأوفياء.

أمام كشك صغير في شارع الحمراء وسط العاصمة اللبنانية بيروت يقف أبومحمد السبعيني بصبر بانتظار الحصول على صحيفته المفضلة التي يقرأها بانتظام منذ أكثر من 40 عاما.

ويؤكد أنه لا يستطيع بدء يومه قبل الغوص في الصحيفة وأخبارها “وما زلت أشعر بالسعادة المطلقة التي كانت تخالجني شابا وأنا أقلب الصفحات بين يدي”.

ويعتبر أبومحمد تماما كالعشرات غيره من رواد شارع الحمراء من الزبائن الأوفياء لمراكز توزيع الصحف. فمعظمهم يتنقل بين الأكشاك الممتدة على رصيفي الشارع دون تمييز فيما بينها وإن كانوا يفضلون صحيفة على أخرى.

ويرى البعض أنها ارتبطت بتاريخ الشارع وذكرياته وأيام عزه ولا غنى عنها وكان إن عددها انحسر اليوم لا سيما في ظل اقتحام التكنولوجيا حياة الشبان بسرعة مريبة.

الصحيفة وقدح القهوة أول ما كان يبدأ به القراء يومهم

ويعرب أصحاب الأكشاك عن خشيتهم من انقراض هذه الخدمة إذا استمر الحال على ما هو عليه، لا سيما وأن قراء الصحف والمجلات الذين يقصدونها هم في غالبيتهم من المسنين الذين ما زالوا يتعاملون مع الصحف وكأنها الحبيبة الأولى.

ويعلق أبومحمد متأبّطا صحيفته وهو يقدم النقود لصاحب الكشك “لا أفهم إصرار البعض على الاستعاضة عن الصحيفة أو المجلة بشاشة الكومبيوتر. هؤلاء لا يفهمون سر القراءة وجمالها”.

ويقاطع أبومحمد صاحب الكشك، حسان دكروب، قائلا: “هذا العمل أنا أطلق عليه صفة المرض النفسي. أمارسه منذ كنت في الثامنة من عمري. دربني والدي الذي اشتغل فيه طوال حياته عندما أقفلت المدارس أبوابها خلال أولى فترات الحرب الأهلية في لبنان” التي اندلعت على مدى 15 عاما بين 1975 و1990.

وفي أحد الممرات يروي دكروب أنه وصل إلى “مرحلة اليأس بعدما تضاءلت نسبة القراء إلى درجة ملحوظة ولهذا السبب قررت أن أترك العمل في هذا الميدان. ولكنني عدت إليه بعد 3 أيام من مكوثي في المنزل لأنني لم أتمكن من العيش من دونه”.

ويضيف قائلا “وحدهم بعض المسنين يقرؤون الصحف وما إن يموتوا حتى أقفل الكشك. كان لهذا العمل أيام عز في الماضي، إذ أذكر أن والدي اشترى بفضله الأراضي والبيوت وذلك طبعا قبل وقوع الحرب”.

ويسرد دكروب “كان الناس يتهافتون على قراءة الأخبار وأذكر على سبيل المثال أن مجلة “الحوادث” كانت تصدر مساء كل أربعاء وكان والدي يبيع في الليلة الواحدة 1200 نسخة منها. فقبل الحرب كان يفتح الكشك من التاسعة ليلا حتى الواحدة من بعد منتصف الليل. اليوم أفتحه عند السادسة والنصف لأقفله في تمام الثانية من بعد الظهر في وقت يكون اليأس قد تملكني كليا”.

وعلى بعد خطوات من الكشك يجلس في أحد المقاهي صحفي قديم واضعا صحيفته اليومية على الطاولة إلى جانب قدح من القهوة يحتسيه بهدوء. يروي بين رشفة وأخرى “أكشاك الصحف الحقيقية لنقول الأصلية لم تولد في بيروت بل هي منقولة عن أرقى عاصمة في أوروبا باريس، التي كان يطلق عليها لقب أم الأكشاك. وأكشاك الصحف في بيروت تكاد تكون نسخة طبق الأصل من الموجودة في باريس، ولكنها باعتقادي منسوخة بشكل غير دقيق”.

لم تعد أكشاك الصحف في شارع الحمراء تجذب الزبائن مع تطور التكنولوجيا

وأضاف “برز أيضا في سبعينات القرن الماضي الباعة المتجولون في شارع الحمراء وجواره. ولأن عددهم كان قليلا كانوا يعملون بنشاط كبير وكانت تربطهم صداقة متينة مع الزبائن”.

أما نعيم صالح الذي يعتبره البعض من أهم أصحاب الأكشاك وأكثرهم شعبية فيقول “كنت لا أزال في المدرسة عندما صرت أساعد والدي في توزيع الصحف والمجلات قبل بدء الصف. الحمراء في ستينات وسبعينات القرن الماضي كانت مختلفة تماما عما آلت إليه اليوم.

كان الناس يتعطشون لمعرفة الخبر. لم نكن في وارد التكنولوجيا. اليوم وحده المسن يعرف قيمة الأكشاك ويحافظ الـ10 منهم على نمط التفكير عينه. أولادي الـ3 تخرجوا من أهم الجامعات ومع ذلك لم أشاهدهم يوما يقرؤون صحيفة أو أخرى. فهم يتابعون الأحداث وتطوراتها من خلال الألواح الإلكترونية أو الهواتف الذكية”.

ومضى يقول “كان الناس يتهافتون على شراء الصحف ما إن تصدر ليلا وما إن يخرجوا من دور السينما والمقاهي. ورجال السياسة كانوا ينادوننا بالأسماء وكانت تربطنا بهم علاقة صداقة. بعض أصحاب الأكشاك كانوا ينتظرون أمام باب مطبعة ليلا ليحصلوا على صحيفة أو أخرى فور طباعتها يعني طازجة”.

20