"أكلات الحصار" خلاصة صمود الحماصنة على فيسبوك

السبت 2014/05/24
عالم المحاصر غير عالم المتفرج من الخارج

حمص - في شهر أبريل الماضي ابتكر شباب حمص القديمة، المحاصرون، صفحة جديدة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تحت مسمى “أكلات الحصار”، بهدف نشر العديد من طرق إعداد وجبات الطعام والمأكولات المبتكرة، لينتفع بها غيرهم المحاصرون أو الذين لا يجدون أكلا. وهدف الشباب من إنشاء تلك الصفحة المبتكرة، هو الاستمرار “العيش بطريقة إيجابية والاستمرار رغم تدني ظروف العيش الإنساني المناسبة”.

“مناقيش الصمود عيار عشرة”، “صديقة المحاصر هي طنجرة الضغط”، “ملوخية الحصار”، “همبورغر حمصي”، “حلويات الحصار”.. هي ليست عبارات ساخرة أو مستوحاة من مسلسل كوميدي ما، وليست نكتة خارجة من روح الحماصنة (سكان أهل حمص) الذين حوّلوا نضالهم ومأساتهم إلى مادة للضحك وبث الأمل، بل هي مفردات خارجة من رحم المناطق المحاصرة في حمص القديمة منذ أربعة وعشرين شهرًا، لتحكي قصة صمود ومقاومة وصلا حدود ابتكار طعام لم يسبق أن عرفه السوريون يومًا أو أكلوه.

فالحصار الذي لم يترك لهم شيئا يؤكل، أعطاهم من الصبر والتحدي والمقاومة ما دفعهم إلى ابتكار “أكلات الحصار” من أي شيء نجا من هذا الحصار، فما هي الحكاية؟ ومن هؤلاء المحاصرون؟ ولم يأكلون ما يأكلون؟

في بداية شهر أبريل 2014 تأسست على فيسبوك صفحة حملت عنوان “أكلات الحصار”.واختصت في الحديث عن كيفية مقاومة “المسلحين” والمدنيين، الذين بقوا في المناطق المحاصرة، لمحاولات النظام تجويعهم ومنع كل وسائل الحياة عنهم، بدءًا من الطحين وليس انتهاء بالأرز والقمح اللذين نفدت مخزوناتهم منها، الأمر الذي دفعهم إلى ابتكار أكلات غريبة، تبدأ من طهي الأكدنيا (الاسكدانيا) والسلاحف ولا تنتهي عند ابتكار أكلات من الحشائش التي تنمو على الأرصفة، دون أن ينسوا الحلوى!

في ظل الحصار تبقى قدرة المحاصــــرين عــــلى السخرية نوعا من المقاومة والقدرة على تحدي الموت لانتزاع ضحكة من براثن اليأس

ويقول القائمون على الصفحة حين بدأت مخزونات المحاصرين من البرغل والرز تنفد، “أصبحنا نفكر في أي شيء يمكننا تحويله إلى أكلة. بدأ الموضوع بالحشائش البرية، وبدأنا نخترع الأكلات، ومثل ما يقولون (الحاجة أم الاختراع)، وبعد التجريب أصبحت لدينا أكلات حصار خاصة، لها أسماؤها المستوحاة من واقع حالنا، مثل مناقيش الحصار عيار عشرة والمكوّنة من بذور مطحونة، وهي نبتة، إلى الآن، لم نتفق على صفتها، ولا نعرف إن كانت حناء أو بهارات أو زعترا أخضر، المهم أنها لذيذة وقابلة للأكل مع رشة ملح”.

ويشرح أحدهم طريقة التحضير في سخرية “توضع المكونات ثم نعجنها حتى يقول الواحد لنفسه (خلص عمي أبقى جوعان أحسنلي من هذا البلاء)، لأنه عند هذه المرحلة تكون العجينة قد تماسكت، طبعا لا ننسى أن نعجنها بقليل من الزيت”.

ويسرد أدمن الصفحة بتلقائية، وعلى الطريقة الكوميدية الحمصية، طريقة إعداد وجبة السلحفاة، قائلا “أكلة اليوم خارقة للعادة، لكن للأسف، أكلتها قبل أن تتكون لدي فكرة الصفحة، وسأصور لكم ما بقي من الأكلة”، ويتابع “نبحث عن سلحفاة تكون كبيرة، نحضرها، ثم نضحك ونلاعبها حتى تخرج رأسها، فنمسكه ونقلبها على ظهرها ونقول بسم الله.. (ينصح باستعمال سكينة مسننة لأن جلدها سميك قليلا)، ثم نكسر القوقعة.. ونفصل الجسم عن القوقعة لتصبح جاهزة للتنظيف والطهي..”.

وبعد أن يسرد طريقة اصطياد السلحفاة وذبحها، يقول “يمكن أن تعمل شوربة.. لحم السلاحف طيب كثير بالمناسبة”.

السوريون بين فكي الحصار والحرب

ولأن ثمة مناطق كثيرة محاصرة في سوريا، ارتأى هؤلاء أن يضعوا خبرتهم في خدمة مناطق أخرى تعاني نفس الحصار، من خلال تأسيس صفحة على فيسبوك تنقل خبرتهم و”أكلاتهم” إلى المحاصرين الآخرين، كي يقاوموا حصارهم، ولـ”نقل واقع المقاتلين المحاصرين” كما يقول مؤسس الصفحة محددًا أن الصفحة ليست “لاستدرار الشفقة والعواطف أو المال، فنحن سعداء” كما تعبر الصفحة التي تنقل طريقة إعداد أكلات الحصار والمواد المكونة منها، والتي أغلبها يعتمد على أعشاب أو نباتات غير سامة وعصافير أو سلاحف وحشرات لم يعتد السوريون أكلها.

الأمر الذي جعل متابعي الصفحة يطرحون أسئلة كثيرة عن كيفية قدرة هؤلاء على كسر الحاجز النفسي لتناول ما لا يؤكل عادة، لنكتشف أن عالم المحاصر غير عالم المتفرج من الخارج، لأن “الحاجز النفسي موجود أيضا في الأيام العادية”.

ويشرح “من الممكن أن يكون عندي حاجز نفسي تجاه غرفة العمليات لكن عندما أجبر على إجراء عملية سينكسر حاجز الخوف تلقائيا، ونفس الأمر عندما تكون جائعا حيث سيختفي الحاجز النفسي من ناحية أي شيء يؤكل”، مؤكدا أن “هذه الأكلات لم تعد غريبة بل أصبحت عادية جدا”.

وطالما أن طعامهم يعتمد على ما تزود به الطبيعة من حيوانات أو طيور أو أعشاب، فإن الخشية، في ظل الحصار المفروض عليهم، من فقدان حتى هذه الأشياء، الأمر الذي يطرح سؤالا عن بدائلها، لنفاجأ بأنهم “لا يفكرون في ذلك الآن”.

وتنقل “سيريا أنتولد” عن أدمن الصفحة “في كل مرة ينتهي فيها الأكل الذي بحوزتنا، يرزقنا رب العالمين شيئا جديدا لم نكن قد انتبهنا له من قبل، لم يفكر أحد من قبل أن بإمكانه أن يأكل أعشابا تطلع بجانب الرصيف ولم يفكر أحد بأن الاكدنيا (الاسكدنيا) تطبخ، ومن هنا إلى أن تتعرى الأشجار لن تعرف ماذا سيحصل”.

حمص التي صرخت من قلبها الحرية، هي نفسها حمص التي مزقها الحصار ومع ذلك ثمة من يصرخ: نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا

ويقول مؤسس الصفحة إن الهدف منها إيصال فكرة مفادها أن “الإنسان يستطيع العيش سعيدا مهما كان الظرف المادي، المهم أن يقوم بشيء هو راض عنه”.

وفي الصفحة يسخر القائم عليها من “الصدى السلبي” أحيانا للثورة السورية، حين أصبح هدف المعركة أو الصمود “عزة الإسلام (بما أننا مسلمون)” وليس الحرية التي طالما صرخ الحماصنة مطالبين بها، لقد تراجعت الحرية إلى الخلف لتتقدم الأجندة الدينية!

ويؤكد أن الثورة السورية بدأت بشعارات الحرية والكرامة، ولكن وجد الكثيرون أن الأمر، عند أول طلقة، لا يستحق، ومن بقي حتى الآن فهو إما مستفيد يبني مجدا شخصيا ومستعد للمغامرة في سبيله، أو صاحب قضية يغامر في سبيلها ويتحمل العناء”، مضيفا “في النهاية لا يوجد أي شيء يمكن أن يجعل الإنسان مسرورا بالتضحية التي يقدمها غير قناعته بأن هناك جزاء لعمله”.وأكد أن من بقي في حمص هم “أصحاب قضية ومنهج”.

السوريون لم يجدوا لقمة خبز تسد رمقهم

ورغم طغيان الجانب الديني الإسلامي فإن ذلك “لا يلغي روح النكتة والدعابة التي طالما عرف بها الحمصيون، فحتى في ظل هذا الحصار تبقى قدرتهم على السخرية نوعا من المقاومة والقدرة على تحدي الموت لانتزاع ضحكة من براثن هذا اليأس والجوع″.

ونقرأ في الصفحة “اليوم الطبق مدلل: لحمة، هو عصفور واحد ممكن تعتبره بهارات أكثر ما تعتبره لحمة..”.

وكتب في موضوع آخر “رفيقي اعترف لي أن الدالية التي في منزله تحدثت معه واعترفت له أن ورقها خائف يطلع بعد ما رأى ماذا يحصل بورق الشجرة التي بجانبها (التوت)”.

قوة الشعب السوري وصموده يثيران استغراب العالم “لنكون أمام شعب يضحك ويسخر من مأساته وهو في قمة الجوع والحصار، هذا الحصار الذي يقلب الموازيين رأسًا على عقب إلى درجة أن يتوفر النسكافيه في الوقت الذي لا يتوفر فيه الخبز أو الطحين”

ويصف النشطاء حمص التي تغرق في جوعها، بأنها قدمت إلى السوريين والعالم أول اعتصام مدني، وقدمت أبلغ مثال على التعايش السلمي حين كان متظاهرون من كل الأحياء والطوائف يذهبون ويتظاهرون في أحياء أخرى لمنع وسم انتفاضتهم بأنها ذات لون واحد.

ويضيف ناشط، “حمص التي صرخت من قلبها الفنانة فدوى سليمان للحرية، هي نفسها حمص التي تمزقها اليوم الطوائف والحواجز والحصار، ومع ذلك ثمة من يصرخ مقاومًا هذا الحصار: ‘نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا”.

18