"أكلة لحوم البشر" لرجيس جوفريه جدلية الحب والكراهية

الأحد 2016/11/06
استلهام الروايات من قاعات المحاكم

عرف ريجيس جوفريه بروايات يستمدّها من قضايا المحاكم، تلك التي تهزّ الرأي العام، وتتصدر وسائل الإعلام، مثل “قاسية” عن مقتل الملياردير السويسري إدوارد شتيرن بيدي عشيقته في وضع مخلّ، و”كلوستريا” عن النمساوي جوزيف فريتزل الذي احتجز ابنته ليداوم اغتصابها طيلة ربع قرن وتنجب له سبعة أبناء.

و”أغنية رايكرز آيلاند” عن فضيحة رئيس صندوق النقد الدولي الأسبق دومنيك ستروس كان، الذي رفع ضدّ الكاتب قضية أمام المحاكم لاستعماله عبارة “اغتصاب”. وروايته الجديدة “أكَلة لحوم البشر”، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة غونكور في دورة هذا العام، لا ترقى إلى رواياته السابقة، مثل “برافو” و”أكوان، أكوان”، وإن كانت تتميز عنها بأسلوب يعيد إلى الفرنسية ألقها.

هذا النص يحيل على رواية “العلاقات الخطرة” لبيير دو لاكلوس، وفيلم “سيّد الحملان”، من جهة مضمونه الذي يحوم حول الحب والعنف وما قد ينتج عنه، فبطلها جوفري (ويُنطق نطق اسم الكاتب ولكن برسم مغاير) بات في مرمى امرأتين كانتا تحبّانه، عشيقته نويمي (24 سنة) التي هجرته، وأمه جان (85 سنة) التي صارت تحقد عليه، ثم أزمعتا على قتله شرّ قتلة، وتمزيقه شرّ ممزق. أما من جهة الشكل فهو ينتمي إلى أدب الترسّل، الذي شهد ازدهاره في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

نجد في الرواية نقدا حادا لما يسكن أذهان هذا العصر من مساوئ، كهيمنة الجسد، وأسبقية الشباب على الشيخوخة، والغيرة التي يثيرها الغنى، والمضيّ بالمتعية (ذلك المذهب الذي يقول إن اللذة والسعادة هما الخير الأوحد في الحياة) إلى أقصى درجاته. أما الحب، فيعترف الكاتب أنه غير موجود بالشكل الذي نتوهم

هي رواية تقوم إذن على تبادل الرسائل، بين أم عجوز وعشيقة شابة تتحدثان عن رجل واحد: جوفري وهو مهندس جاوز الخمسين، يتدخل أحيانا هو أيضا بتعاليق يوجهها إلى المرأتين. ومن خلال تلك الرسائل مجتمعة، يمكن إعادة تركيب ما جرى، ما خُطّط له، وما عاشته الأطراف الثلاثة.

وإذا كان مصير الضحية قد قضي أمره، وإن بطريقة غير التي كان مخططا لها، فإن مصير جان ونويمي ظل متذبذبا، بين مساومات عند عدل إشهاد، وعشيق جديد، واكتشاف نشوة المخدرات، لترسما معا نهايتهما البطيئة. أما المكاتيب المرسلة، فوجدت صداها في إطار تحولات غير محسوبة تحيل على جرائم هانيبال ليكتير بطل “سيد الحملان”. فالموت أيضا هو مسألة أسلوب.

في الرسائل المتبادلة بينهما، تتحدث نويمي الرسّامة الشابة، وجان العجوز البورجوازية، عن الحب قليلا، لأنه صار من مخلفات الماضي ولا مجال لعودته، وعن جوفري كثيرا، فهو مثار بوحهما وموضوع خطة جهنمية بدأتا تنسجان خيوطها لأكل لحمه نيئا، أو ذبحه وتقطيعه وصَلْيِه، وتتنافسان في تصور طريقة طبخ كل قطعة من جسده.

ودوافع المرأتين كما وردت في رسائلهما ليست ممّا يبرر قتل إنسان كانتا حتى وقت قريب تكنّان له المحبة، فنويمي هي التي هجرت عشيقها لأنه لم يكن يستجيب لرغباتها، وجان هي التي تغار من نجاحه ومن قوة شخصيته، وكانت ترى فيه صورة من الرجل الوحيد الذي أحبّته قبل زواجها من والد جوفري، وقضى نحبه في حادث، فسمّت ولدها باسمه. فالأولى تريد أن تنتقم من رجل أحبها بعنف، ولكنها لم تجد فيه المثل الأعلى الذي تحلم به، ولذلك كانت تبدل عشاقها بحثا عن صورة الرجل المثلى. والثانية تحقد عليه لأنه كان في نظرها مثل “قط يضغط بشدقيه على فأرة”، لا يحبها كما تقول إلا إذا خسرت المعركة، أي إذا انصاعت له.

ونفهم من تلك الرسائل أن نيومي زارت جان في بيتها بمدينة كابور في مقاطعة نورمانديا، وتبادلتا أسرارا كثيرة حول جوفري، مثلما تبادلتا المحبة والشك والكراهية، قبل أن تنتهيا إلى قرارهما بشأن المحبوب السابق. ويتدخل جوفري مرة ليقول لهما ساخرا “انحرافكما يثير إعجابي، وكذا صعقة الحب الدنيئة تلك بين عجوز وشابة وهما تخرجان من البيضة معا، يجمعهما كره رجل ربما أحبّتاه قليلا فيما مضى”.

أم عجوز وعشيقة شابة تتحدثان عن رجل واحد

أي أن الموضوع برمّته لا يخرج عن مقولة معروفة بأن الحب أوله عسل مصفى وآخره في مرارة العلقم. ولا ندري ما الذي دفع الكاتب إلى استعادة أسلوب قديم، لكتابة رواية بهذا الشكل. فروايات الترسّل التي ظهرت في مطلع هذا القرن جاءت في شكل رسائل إلكترونية أو رسائل قصيرة، وإن كانت لا تتيح لأصحابها بهرجة الأسلوب.

أما في هذه الرواية، فالكاتب يجعل نويمي وجان تكتبان رسائل غير التي تكتب بخط اليد وتوزّع عن طريق موزّع البريد، بل هي رسائل منمّقة لا تراعي أن الآنيّة في هذا العصر هي المعيار. ثم إن الرسائل، وإن كانت دالة أحيانا على مستوى صاحبها ونمط تفكيره، لا يمكن أن تنطق باللحظة وبأحاسيس الشخصية، لأنّ كاتبها يمنح لأفكاره الوقت للمراجعة وتقدير ما يقال وما لا يقال.

ومن ثمّ فالعبارة لم توجد هنا صدفة، بل إن صاحبها فكّر فيها مليّا قبل أن يخطّها على الورق، وربما صوّبها أو شطبها وجاء بغيرها، بما يعني أن الرسالة تشترط التفكير في الشكل وفي المضمون، لأنها تكتسي طابع الاعتراف.

إذا تجاوزنا مسألة الأسلوب تلك، نجد في الرواية نقدا حادا لما يسكن أذهان هذا العصر من مساوٍئ، كهيمنة الجسد، وأسبقية الشباب على الشيخوخة، والغيرة التي يثيرها الغنى، والمضيّ بالمتعية (ذلك المذهب الذي يقول إن اللذة والسعادة هما الخير الأوحد في الحياة) إلى أقصى درجاته. أما الحب، فيعترف الكاتب أنه غير موجود بالشكل الذي نتوهّم. ففي حديث لجريدة لوطان السويسرية، صرح قائلا ” الحب الرومانسي كذبة، وفي الوقت نفسه هو اندفاع يستبد بنا، نوع من الأثر العميق الذي ننزع إليه كما ننزع إلى السرعة أو الخطر”. وهذا ما حاول أن يتناوله ولو بأسلوب متقادم.

كاتب من تونس مقيم بباريس

12