أكلت العنب بتوقيت دمشق آخر إنجازاتي في العام المنصرم

الأحد 2015/01/04
من أعمال عاصم الباشا "في انتظار البراميل"

وغدًا سأحاول أن أجعل للرقم الجديد، المفروض، جسمًا، كتلة، وجودًا.

كي أكون موجودا.. لا أكثر.


***


حكيت مع الفتى عن الطاقة وتحوّلها إلى مادّة وكيف تجعل هذه، في عودتها إلى طاقة، الزمن ممكنًا.. وعن سايكس بيكو وتاريخ بلاد الشام.. بينما الشيوعي (الرسمي) كان يعلك أن النظام السوري معاد للإمبريالية ولإسرائيل!


***


أكلت العنب بتوقيت دمشق. لكن شيوعي رسمي كان مدعوًا سهّرني لأنه ما كان يفهم تحالف الأسد مع إيران وأميركا وإسرائيل. وما زال لا يفهم!

صاروا كمن يؤمن بالآلهة.

بالمقابل، حضر فتى ذكيّ بشكل لافت، ما كان يستمع سوى لي، واستوعب بسرعة ضرورة الإلحاد.

هذه كانت آخر إنجازاتي في العام المنصرم.


***


ولدت يوم أسّس تروتسكي الجيش الأحمر.

ذهب تروتسكي وذهب الجيش الأحمر.. وها هي بجانبي تحتفل بعام جديد.

أيّنا المجنون؟ لا أدري.


***


سألني: “صليبك؟”.

أجبته: “البلد”.

تذمّر: “لا يا زلمة! يعني غير.. غير.. من البشر مثلاً”.

فأصابتني صفنة طويلة وأنا أحاول أن أتذكّر أين حفظت المرآة الصغيرة لأعطيها له.

عودًا إلى تلك المقولة:

شتلت عشرات الأشجار (ربما قريب المئتين) وأنجبت ولدين (اللذين أعرفهما) ونشروا لي بعض الكتب (غير المنشورة أكثر) و…

صحيح ، لا يعدّون المنحوتات والرسوم والنجارة والحدادة والتبليط والبناء و… إنجازًا!!

هل يعني كلّ هذا أن بمقدوري أن أغادر؟

باق أنا. شقّوا حالكم!


***


اليوم حضّرت الصلصال ونظّفت حرّاق التدفئة وعتّلت أكياس الوقود وكنّست جزءًا من أوراق الشجر و.. عليّ صنع الحمّص الآن.

آه.. وألقيت نظرة على الشارع من باب المشغل.

عمل يطالب بالحرية والكرامة


***


البعض يعتقد أن وقوع المصيبة بتاريخ 1-1 أصعب منها في 31-12.

غريب دور الأرقام.. والمصيبة ذاتها.


***


(حماتيات)

في رأس السنة أغيظها دومًا (لتحسين دورتها الدموية):

في أسبانيا تقليد لا يخلو من السخف يقول بضرورة ابتلاع حبة عنب كلّما دقّ جرس الساعة مرّة في منتصف الليل.. يبيعون في المتاجر حبات العنب المعدودة بعناية والمغلّفة.

أتقصّد أن تراني قبل الموعد بساعة أو أكثر وأنا ألتهمها جماعة دون قرع للأجراس.. فيطير عقلها.

بهذه السهولة!


***


أرسل ابني فادي: (أترجم بتصرّف).

- “ماذا تريد أن تحقّق قبل أن تموت؟”.

- أزرع سجرت وجيب ولاد وتئليف كتابًا.

- لا تستعجل على التأليف!”.


***


دعت نيكول اليوم للعشاء صديقة وصديق يعانيان من الوحدة. قلت لها عندما أخبرتني: “هل أوضحت لهما أنني آوي إلى فراشي قبل الحادية عشر مساءًا؟”.

أجابتني: “حاول أن تكون لطيفًا الليلة”.

وكأنه ليس من اللطف أن يلقاني الرقم الجديد نائمًا!


***


بعد التجربة: أشطر طبيب أسنان صادفته كان الصديق مازن علّوش. المشكلة أن جلسة العشر دقائق كانت تأخذ ساعة! (بسبب وحدة الحال). هو يحكي وأنا لا أستطيع!


***


” أنت القادر،

عد،

قال لي النهر باكيًا”

(أغنية من أميركا اللاتينية)


***


أما لاحظتم أن الأعمار لا تقاس بالسنوات؟

بالآثار أقيسها. رياض الصالح الحسين مثالاً.


***


في سهرة، من خوالد السهرات في بيت سعيد حورانية في موسكو، وقد دار الراح كما جرت العادة، تحامق أحد الموجودين (وكان متسلّلاً إلى الشلّة) ونطق بما أثار أعصاب سعيد. قام هذا وانحنى على خزانة وراح يخرج منها أشياء وكأنه يبحث عن شيء. أعتقد أن فواز (الساجر) كان من سأله عمّا يبحث، فالتفت وغرز عينيه في المتسلّل مجيبًا “أذكر أنني حفظت البلطة هنا”!

وفي السهرة ذاتها ، كلّفنا كثيرًا، فواز وأنا، أن نمنعه من الإلقاء بالغليظ ذاته من شرفة طابقه الثالث. كادت قوته تتجاوزنا كلينا، أمّا الغليظ فكان كالخرقة.

ما زلت أذكر لسعة البرد في الشرفة، كانت أشدّ من التي تأتينا اليوم.


***


أرى الأدمغة الملساء تتكاثر؟

وكأنها محقونة بالبوتكس..

أنا أرعى تجاعيدي، تزيدني حكمة كاذبة.


***


لم لا يختارون وفد “المعارضة” من جمعية الصمّ والبكم؟

كانوا ليريحوننا.


***


حجبت العائلة فيديو سُجّل فيه نمير وهو يغنّي على هواه.

ليس لأنه أخي، لكنه كان يغنّي جيدًا.

” عيب أن يغنّي الشهيد”! قالوا. فأدركت أن السخف زار العائلة أيضًا.


***


أما أبو شاهين (سعيد مراد) فكان يسارع في صبّ الأرزّ في صحون الحاضرين.. لأنه كان يعشق العالق منه في أسفل القدر، شبه المحروق.

كنت أستمتع بمرآه وهو يأكل.

منحوتات الألم والتمرد


***


في آخر لقاءاتي مع المعلّم الصديق سعيد حورانية، وكانت آثار المرض اللعين بادية عليه، اتفقنا على الاجتماع في بيت محمد الرومي، في العفيف. وافق هو بشرط واحد: أن يطبخ بنفسه.

وهكذا كان. وكانت جلسة لا أنساها.


***


لا أحبّ الجواب على الأسئلة كتابة، على الرغم من أن هذا يمنح لك وقتًا للتفكّر. أفضّل المباشرة والارتجال. أجد العفوية أصدق.


***


ستأتيكم السنة القادمة خاوية.. فما فائدة التمنّي؟

تساءلوا ماذا ستفعلون وافعلوا. لا تدعوا الزمن يوجدكم، أوجدوه أنتم.

(غرائبي.. شو بدّك بالحكي !)


***


كلما صادفت شعار الألعاب الأولمبية “العقل السليم في الجسم السليم” أتعوّذ بالشياطين.. لأنني أتذكّر بلاهة ميسي.. بين آخرين كُثر.

قالوا لي إن العام ينتهي غدًا.. وأنا ظننته انتهى منذ زمن.


***


لم أصادف في العالم “المتمدّن” امرأة بجرأة السورية. عندما تنوي شيئًا تذهب إليه.


***


كتب لي حسن م. يوسف في أوائل القرن يعلمني بشيء حول نشاطات “السيدة الأولى”!

هزأت في جوابي من “الأولى والثانية” وسألته ما إذا كانت “الثانية” زوجة رامي مخلوف.

جاءني الردّ سريعًا “لم يعجب جوابك من يهمّه رأي الآخرين “. بمعنى آخر: اتصل به “صديق” من الأمن (وأنا أعرف أن مراسلاتي مراقبة منذ سنوات) وأعلمه بذلك.

لكنه حاول حمايتي دومًا، للصدق.


***


من أعراض القاتل المستفحل أنه لا يستطيع أن يتنفّس إن تنفّس أحد حوله.

أما القاتل العادي فيتحمّل تنفّس أمّه.. أحيانًا.

قالت صديقة (أجنبية) عادت من دمشق منذ أيام: “هي مدينة الموتى الأحياء”.


***


غالبًا ، عندما يصيبني نصيبي من الاكتئاب المؤقّت أو الإحساس بالخواء ذاك أو يثقل عليّ الشعور بالإخفاق، أجد العيون من حولي تستهجن ذلك.

وكأنني عاصم معصوم!

فأضطرّ إلى الاكتئاب وأنا أبتسم. لأنني لا أحبّ إزعاج الغير.


***


قلّما نتوقّف للتحادث مع ظلّنا. نستخفّ به. وماذا لو كان هو الأصل ونحن ظلّه؟


***


ألم يحدث لكم أن علّقتم سترتكم بعد دخول البيت… وبقيتم معلّقين معها؟


***


لم يكن لي شرف الاعتقال الفعلي، سوى للحظات، لكنهم اعتقلوني أربعا وأربعين سنة.


***


(حماتيات)

قالت لي منذ قليل لأنني انتقدت إحدى نزواتها “إن لم يعجبك كما أعيش فاذهب إلى بيتك!”، أجبتها “لكنه بيتي وبيتك”، رمقت الأحمق هذا وبصقت “بيتك! وكأنك تدفع إيجاره!” (لأنها عاشت دومًا بالإيجار).

كيف أشرح لها ما ستنساه؟


***


أنطونيو غالا، عاشق سورية.. يبدو أنه يغيب مرضًا.

قبل أن ينشر روايته “المخطوط القرمزي” دعاني إلى بيته (كنت في مدريد آنذاك) ليسألني، قبل النشر، ما إذا كان العرب قد اكتشفوا كروية الأرض قبل كولومبس. أجبته يومها أن معلوماتي محدودة وأنني أذكر أن في القرآن آية تقول “والأرض دحاها” وأن من معاني الدحي ( أو الدحا ، لا أدري) بيضة النعامة.

ما كنت أدري أن بعض الإغريق قالوا بذلك قبلاً.


***


هل مشيتم يومًا من أسفل المقطّم لغاية ساحة التحرير؟ أنا فعلتها، مع تعرّجات جانبية.


***


أخذني صنع الله إبراهيم يومًا إلى وقفة احتجاج في نقابة المحامين.

لم أسأل عن تفاصيل السبب.. كفاني أنه احتجاج.


***


واستغربت أن يلفّ صنع الله ابراهيم زجاجات الكحول بالجرائد. شرح لي “عشان الجيران ما يدروا من الصوت واخذ إيه!”.


***


الصديقة العزيزة الروائية سلوى بكر لفتت انتباهي يومًا بشرودها، وأنا ضيف عندهم، وعندما حسبت أنها أفاقت سألتها” بمَ كنت شاردة؟”، “كنت أكتب” أجابتني.


***


ومن الأطفال من يلد عجوزًا.

في السابعة كنت أخرج ليلاً وأستقل مترو بوينس أيرس لمحطّتين لأدرس ساعة في معهد للفنون..

أورثت ابني باسم حسّ المسؤولية ذاته، كنّا نتركه وحده منذ السابعة ويهتمّ بشقيقه الذي يصغره بأربع سنوات، ولم نصادف يومًا إشكالاً ما.

المصيبة في هذا الصنف أنه يزداد ولدنة مع تقدّم العمر.. كضرب من التعويض!

منحوتة للفنان عاصم الباشا من أعماله الجديدة


***


المرّة الوحيدة التي أكلت فيها الطعمية.. شاركتني بها رضوى عاشور.

لحظة طيبة تركتها لي ومضت.


***


وها هي رضوى ترحل للقاء السكينة.

زارتني في غرناطة التي عشقتها وفتحت لي بيتها في القاهرة.

لعلّ السكينة أفضل يا رضوى.

الصبر لمريد ولابنكما.

ما هي الخبرة والمعرفة في كل شيء؟ بما في ذلك العملية الثورية؟

الثورة لا تعلّمنا ما يجب أن نفعل، لكنها تعلّمنا ما لا يجب فعله.

لكن..

لا نضمن حصافة التلاميذ.


***


قصيدة أنطونيو ماتشادو ..” أيها السائر/ما من طريق/السير يخلق الطرقات”.

تبكيني إن سمعتها تُتلى، علمًا أنني أحفظها عن صدر قلب (ومن قال إنه يجب أن يكون الظهر؟!).

ربما لأنها باتت تذكّرني بمن نزح وينزح.


***


وتصادف من يستحقّ تذكيره بأن الصمت ممكن أيضًا.


***


واكتسبت من التيوس عدم الإذعان لمن يقرّر عنّي. من هنا ابتعادي دومًا عن قواعد اللغات واستخفافي بها (لذا أحب ثيسار فالييخو. وكان يسخر منها كذلك الشاعر الإسباني، النوبلي، خوان رامون خيمينيث)، وإن كنت أكتب فبالذاكرة البصرية والسمعية، فأخطئ ويعمد أصدقاء محبّون على تصحيحي. أشكرهم بالطبع، لكن.. صار تغيير تمرّدي صعبًا.

ثم أن بمقدوري دومًا الاعتماد على أصدقائي.


***


سبق أن طلبوا منّي رأيًا بعد وفاة سعيد عقل وأنني اعتذرت. لكنني تذكّرت ما يشبه المقالة، وهي تسجيل لتجربة مررت بها في أجواء النحت في كوريا الجنوبية وعنونتها آنذاك” حول احتمال النفاق في الفن”. أرسلها.. أرسلها. أجابوني.

أتساءل الآن ما إذا كانت حالة تداع.


***


الإخوان قوّضوا الثورة في مصر قبل العسكر، وحاولوا في تونس ويفعلونها في ليبيا وعندنا دورهم القذر معروف وفي غزّة ضمنوا التمزّق الفلسطيني لخدمة إسرائيل.

صرت أميل إلى مناداة أخي “يا شقيق!”.


***


(حماتيات)

كان والدي يصرّ على تعليمنا عدم الخوف، وقد نجح بقدر ما. وها أنا ذا مع حماة تعاني الـ”أغورافوبيا” وتخاف من ألف شيء، من العتمة، من ألاّ يكون أحد خلف الجدار (جيران) ، من الأبواب المفتوحة، من الطيران.

مصيبة، تخشى كلّ ما أحبّ.


***


دنوت من المشغل. يفصلنا 800 كلم.

لماذا غالبية اللوحات المعلّقة في الفنادق سخيفة؟


***


سأسعى إلى راحة، إن وجدتها. يومان وأنا لا أرى سوى سيارات أتجاوزها وأخرى تتجاوزني.

أمر يدعوك إلى الحنين للحمير الجميلة تلك.


***


ما كانت نتائج معرضي في سويسرا بالمدهشة، على الرغم من أصدائه النقدية الطيبة.

قلت لمديرة الغاليري: يؤسفني وضعك. أجابت: وأنت؟ فأوضحت: أنا اعتدت الإخفاق في منطق السوق.


***


صادفت بائعات للهوى ما كنت بحاجة لخدماتهنّ، كثيرات منهنّ أكثر شرقًا ممّن يعيّرهن.


***


كيف لمن بشمت بالمتألم أن يعتبر نفسه إنسانًا.

من يقبل بالقتل قاتل.. قليلاً أو كثيرًا.


***


علّمتني كوبية حسناء (للغاية) في القرن الماضي كيف أرتاح في خمس دقائق. قالت: “هذه قيلولة اليوغا”. لم أحسنها سوى بعدما غابت.

وهي حقيقة. يكفي أن تدخل في نفسك ثم تنساها وكأنها تبتعد حتى تغيب.


***


أميركا ستدرّب المعارضة السورية.. على القتال بالعصيّ.


***


ثمة أفكار، أو مشاعر، تحسّ أن بمقدورك التعبير عنها بالفواصل والنقاط وبقية العلامات.

قد يوصل إيقاعها ما أنت به.

لمَ لا نحاول.


***


غريب! أشرقت الشمس أيضًا في هذا العام.


نحات وكاتب من سوريا مقيم في غرناطة

11