أكواخ القصدير بقع سوداء في وجه الجزائر البيضاء

الخميس 2014/04/17
أكواخ قصديرية قبالة فيلات فخمة تعكس واقعين متناقضين

الجزائر – في الضاحية الجنوبية للعاصمة الجزائرية تتزاحم

فيلات فخمة للأغنياء الجدد مع أكواخ من الآجر والقصدير لجزائريين لم يستفيدوا بعد من ريع البترول الذي جعل هذا البلد الأغنى في منطقة الساحل وشمال أفريقيا.

تحيط بالعاصمة الجزائرية المعروفة بـ”الجزائر البيضاء” البيوت القصديرية من كل جانب. وقد وصل عددها إلى 60 ألف بيت، حسب الأرقام الرسمية، تقطنها عائلات هجرت مساكنها هربا من الموت خلال “العشرية السوداء” التسمية التي أطلقتها الصحافة الجزائرية على الحرب الأهلية (1992-2002) التي أسفرت عن مقتل 200 ألف شخص.

جزء آخر من السكان من مواليد الجزائر البيضاء الذين ضاقت بهم شققهم في الأحياء الشعبية، فقرروا أن يفعلوا كما فعل “الهاربون من الإرهاب” ويبنوا هم أيضا بيوتا غير بعيدة عن أحيائهم الأصلية.

وعلى بعد دقائق عن وسط المدينة حيث مقار الرئاسة والوزارات، يقع حي عين النعجة الذي بني في ثمانينات القرن الماضي، وهو عبارة عن عمارات متشابهة بلا أية لمسة جمالية ولا مساحات خضراء.

وبجانب العمارات ظهر في 1997 حي “الوئام” الفوضوي، والوئام هي تسمية أطلقت على العديد من الأحياء في الجزائر منذ إعلان بوتفليقة عن قانون الوئام المدني في ولايته الرئاسية الأولى (1999-2004).

وبدأ حي الوئام ببضعة أكواخ لسكان العمارات الذين استغلوا انشغال الدولة بـ”محاربة الإرهاب” ليصل إلى 480 بيتا وأكثر من ثلاثة آلاف نسمة.

فقر وخصاصة يلازمان الأطفال منذ ولادتهم في الأحياء المهمشة

في هذه البيوت التي لا تتعدى مساحتها 30 مترا مربعا تتكدس عائلات متكونة من أربعة أفراد إلى 11 فردا في ظروف مأساوية. وقد حاول بعضهم تغطيتها ببلاط براق وطلاء جديد.

ومن أحد هذه الأكواخ أطلت مليكة (58 سنة) لتصرخ معبرة عن معاناتها في غرفة واحدة، وبيدها نسخة من صحيفة تعود إلى أبريل 1962.

وقالت “انظروا إلى هذا الخبر إنه يتحدث عن قتل أبي ميلود بورحلة على يد المنظمة السرية الفرنسية (كانت ضد استقلال الجزائر)”، ورغم ذلك فإن الدولة “لم ترحمني بسكن يخرجني من هذا البؤس”.

رجال سكنوا الحي أطفالا فتزوجوا وأنجبوا في البيت نفسه، كحال عبدالنور (25 سنة) الذي جاء مع أمه إلى هذا الحي وعمره ثماني سنوات. وتوفيت والدته وتزوج وأنجب ابنه في نفس المكان في انتظار ترحيله إلى شقة جديدة كما وعدت الحكومة.

وقال عبدالنور الذي كان يقف في مدخل الحي بلباسه الرياضي وقبعة “الهيب هوب” إن أغلب قاطني الحي من الذين ضاقت بهم عمارات “السكن الاجتماعي”، فاحتلوا هذه القطعة الأرضية الخالية “ليوسعوا على أنفسهم وعلى عائلاتهم”.

والعربي (50 سنة) واحد من هؤلاء، فهو من مواليد القصبة العتيقة وتم ترحيله مع عائلته المكونة من 15 فردا إلى شقة من ثلاث غرف في حي عين النعجة سنة 1988. وبعد عشر سنوات حمل أمتعته وأطفاله الستة وبنى له كوخا في الجهة المقابلة لعمارته.

وقال آسفا “لم يكن بإمكاني الصبر أكثر بعدما كبر أطفالي (…) اليوم تبلغ ابنتي الكبرى 19 سنة وأتمنى أن أخرج من هذا البؤس في أقرب وقت لإنقاذ، على الأقل، طفلين من أبنائي في الدراسة لأن الأربعة الباقين فشلوا بسبب هذه الظروف”.

وفي وسط الأزقة الضيقة جدا للحي، لا حديث سوى عن “تهديد” والي العاصمة الجزائرية عبدالقادر زوخ، الذي تناقلته الصحف، بـ “عدم ترحيل” من لا يصوت في الانتخابات الرئاسية يوم 17 أبريل.

وينتفض “عمي العيد” بقميصه الأبيض ووجهه الذي ترتسم عليه تقاسيم رجل تعب كثيرا في حياته، ليشارك في النقاش “أنا لم أتغيب عن أي موعد انتخابي لكن المشكل هو أن البلدية لا تسجل سكان الأحياء الفوضوية في القوائم الانتخابية”.

وتابع “أنا مسجل في القائمة الانتخابية لأني أعلنت أني مقيم مع أخي في العمارات المقابلة. أما سكان “القصدير” فلا حق لهم في الانتخاب”.

أحياء القصدير صورة للفقر في الجزائر الغنية

“عمي العيد” (62 سنة) متقاعد من شركة بناء عمومية يعيش بـ 15 ألف دينار شهريا (150 يورو)، قرر نقل أبنائه إلى هذا الحي “حتى لا يعيشوا التشرد الذي عشته طيلة 23 سنة”.

وقال “هربت في 1998 من الإرهاب في المدية (90 كلم جنوب الجزائر)، في نفس السنة قتل أخي الشرطي هنا في عين النعجة فقررت محاربة الإرهاب بطريقتي بإدخال اثنين من أولادي إلى صفوف الجيش”.

وكبرت آمال الجزائريين في الحصول على مسكن “مجاني” من الدولة بإعلان الرئيس المنتهية ولايته عبدالعزيز بوتفليقة عن برنامج لبناء مليوني سكن للقضاء على أزمة تفاقمت في بلد غني يملك مئتي مليار دولار من احتياطي العملة.

نظرة على الحي من التلة المقابلة تظهر أسقف الأكواخ المتلاصقة وكأنها سقف واحد تعلوه مكيفات الهواء والهوائيات لاستقبال القنوات الفضائية.

العيش في المكان “مستحيل” دون المكيف، فالهواء لا يدخل هذه البيوت الملتصقة ببعضها وبلا نوافذ أو بنوافذ صغيرة جدا، كما يقول عباس (55 سنة) الذي يعمل في محل بقالة وهو من قاطني الحي.

ومنذ 2008 تم تزويد البيوت القصديرية بالكهرباء بعدما كان الأهالي “يسرقونها” من أعمدة الإنارة العمومية أو “يتسولونها” من الفيلات الفخمة التي أصبحت تجاورهم.

أصحاب الفيلات وأغلبهم تجار ينتظرون أيضا إزالة هذا الحي الذي يقابل شرفاتهم ويمنع عليهم فتح نوافذهم. ويقول علي الذي يقيم في فيلا من 4 طوابق “كيف يمكن أن تفتح نافذتك على هذا المنظر المقزز″. ويضيف “ثم إن هذا الحي يفسد علينا تجارتنا”.

بالنسبة إلى عبدالنور شاب “الهيب هوب” فإن الحي القصديري موجود قبل الفيلات. ويضيف “نحن نتساءل كيف حصل هؤلاء الأغنياء الجدد على الأراضي”.

والسكن والقضاء على الأحياء القصديرية لم يغادرا أبدا خطاب المرشحين للانتخابات الرئاسية، حتى أن سكان هذه الأحياء يخشون أن يؤدي أي تغيير في الحكم إلى عدم ترحيلهم، خاصة بعدما سمعوا أنصار بوتفليقة يقولون إن “استمرار الرئيس يعني استمرار برامج السكن”.

20