"أل.أكس 2048": المستنسخون يوجّهون الحياة بعد فناء الأرض

الفيلم يسلط الضوء على محنة الاغتراب الإنساني في عالم مستقبلي.
الاثنين 2020/10/05
عالم اصطناعي فاقد للمشاعر

لا شك أن الذين يتطلعون إلى المستقبل يرون فيه من الأسرار والتحديات ما لا يراه البشر العاديون، والإمعان في رؤية ذلك المستقبل كان وما يزال أحد الإشكاليات التي تصدّت لها سينما الخيال العلمي، وهو ما يستعرضه فيلم “أل.أكس 2048” للمخرج غاي موشي، لكن وفق طرح نفسي مكثّف.

تُتيح بعض التجارب الخيالية – المستقبلية فهما خاصا لدى بعض المخرجين السينمائيين، الأمر الذي ينجرّ عنه في كل عام إنتاج العديد من أفلام الخيال العلمي، إلاّ أن الكثير منها يفتقر إلى الإحساس بحجم التحديات وكثافة الأسرار التي ستواجه الإنسانية في المستقبل، وكأنها خبرة خاصة وخميرة إبداعية تتجسّد لدى بعض المخرجين وكتّاب السيناريو بما يفتقده آخرون.

وفي فيلم “أل.أكس 2048” للمخرج غاي موشي سوف نتوغل في صورة ذلك المستقبل من خلال سلسلة من المداخل التي تبدو مبسّطة للغاية، لكنها دليل على التمكّن من فهم دقائق وأسرار فيلم الخيال العلمي الذي لا يحتاج إلى الكثير من المتطلبات والإنتاج الضخم في جميع الحالات.

ببساطة شديدة سوف ينقلنا المخرج وكاتب السيناريو أيضا غاي موشي إلى صورة الحياة اليومية بعد أن تم تدمير طبقة الأوزون وصارت الإشعاعات خطرا ماحقا يضرب البشر، ويصبح النهار وبالا على الكل والليل هو وقت العمل، وبذلك تنقلب الحياة رأسا على عقب بالنسبة للجميع، يضاف إلى ذلك بشر يعملون في إدارات ومواقع ولكنهم جميعا مستنسخون.

وحده آدم (الممثل جيمس داركي) الذي سوف يتمرّد على هذا النظام، فهو كائن نهاري يؤكّد وجود وبقاء الإنسان، وهو يذهب إلى مؤسّسته في النهار وينجز أعماله ولو كان وحيدا في بعض الأحيان.

ومع هذا النشاط، إلاّ أننا سوف نكتشف ثلاثة أمور تتعلق بآدم، أولها أنه يعيش آخر أيامه بسبب مرض في القلب وأن ليس بالإمكان استبدال القلب بآخر مزروع، والثاني هو شبه إفلاس لشركته، والثالث هو انهيار حياته العائلية وقرار زوجته طلب الطلاق.

الفيلم لم يوظّف التعقيدات التكنولوجية المعتادة في الأفلام المستقبلية، بل اشتغل بنجاح على ثيمة الاغتراب الإنساني
الفيلم لم يوظّف التعقيدات التكنولوجية المعتادة في الأفلام المستقبلية، بل اشتغل بنجاح على ثيمة الاغتراب الإنساني

وما إن يعلم آدم خطورة وضعه يذهب إلى أسرته، وهناك سوف تعامله زوجته رينا (الممثلة آنا بريويستر) بغلظة وتتهمه بشتى الاتهامات، ولكن في موازاة ذلك يكتشف أي وضع وصلت إليه تلك العائلة، يدخل على الأولاد الثلاثة والزوجة في غرفهم فيجدهم غارقين في العالم الافتراضي وكل واحد يخاطب نظيره الافتراضي، وكل منهم مرتديا تلك النظارات الذكية التي توصله بعالمه المفضل، فحتى الزوجة غارقة في أجواء من الإبحار الافتراضي التي تعيشها من خلال تلك النظارات السحرية.

واقعيا، نحن أمام إحساس عميق بالاغتراب يعيشه آدم، فكل ما حوله اصطناعي وكائنات مستنسخة، وموظفوه يخاطبهم عبر العالم الافتراضي في غرفة الاجتماعات التي يجلس فيها بمفرده، والوحيدون حتى تلك اللحظة هم زوجته وأولاده وهم كائنات حقيقية، لكن لا سبيل لاستعادة أسرته، فهو الآخر يجد صحبة حميمية مع فتاة افتراضية شابة، وهو ما تكتشفه الزوجة فتزيد من سخطها.

ولنعد إلى تلك اللعبة الطريفة، لعبة الأشباه التي برع فيها المخرج، فهناك في قسم من الفيلم انتقال موضوعي نحو نظائر الشخصيات، إذ يحضر نظير آدم الذي هو في الأصل شرطي يقاسمه يومه، ونشاهد شخصيتين متناقضتين تقيمان جدلا تستمدانه من حيرة هاملت.

وهكذا تتأسّس في هذه الدراما سلسلة علاقات بين الشخصيات ما بين حقيقي وافتراضي وتتجسم الهوّة بين الطرفين، لاسيما وأن نقطة تحوّل مهمة ما نلبث أن نعيشها بعد عودة الزوجة ثم موتها في حادث اصطدام.

يتميّز الفيلم بنسيج من العلاقات يقع آدم محورا لها، فهو الوحيد ربما الذي لا يجد في ذلك العالم الافتراضي ذاته ولا يتمكن من استعادة ما هو أقرب إليه، وبذلك عمد المخرج إلى إيجاد شخصية محورية جسّد فيها صورة الاغتراب الكامل.

وعلى أساس ذلك المسار الذي تتّخذه الشخصيات، تحظر السلطات التي لا نعلم في أية مدينة تكون وفي أية دولة تعمل، تعمد إلى تشكيل حياة المجتمع الذي يغلب عليه المستنسخون بعد فناء أغلب البشر الاعتياديين بتعاطيهم حبوبا تقيهم الإشعاعات وتبقيهم في نشاط دائم، وخلال ذلك يتم تذكير الناس بما يشبه نشرات الأحوال الجوية بأوقات الذروة من الإشعاعات وما تسبّبه من حرائق بالجسم البشري بسبب تسرّبها المباشر في ظل انخرام طبقة الأوزون.

ولنعد هنا إلى مجمل العناصر الجمالية التي وظفها المخرج بشكل سلس وإيحاء واقعي تماما، إذ أننا لن نجد روبوتات ولا حرّاسا غلاظا ولا إنزالات من المروحيات ولا كاميرات مراقبة، وهذه كلها تعجّ بها الأفلام التي تعنى بهذه الثيمة في مقاربة قضية المستقبل، هنا ثمة ملامسة واعية لواقع جديد بقيت فيه الشخصيات متوازنة وأقرب إلى الفطرة الإنسانية الطبيعية، إذ يكفي عدم الانتماء والاغتراب الكامل.

ووصولا لكل ذلك، تم توظيف الحوار بشكل مميّز، فهناك جدل متواصل بين البطل وما يقابله من شخصيات وكائنات، سواء بين آدم وزوجته وهي أقرب إلى حواريات الأزواج التقليديين الذين تنشب بينهم المشاكل، إضافة إلى الجدل القائم بين آدم والكائنات المستنسخة التي تحيط به.

وبسبب أن الحياة تدبّ في الليل وليس في النهار، فإن أغلب المشاهد تم تصويرها ليلا، وأما بالنسبة لآدم فذلك النهار هو عالمه الطبيعي، ولهذا تراه يرتدي بدلته الواقية، ويتنقل عبر شوارع شبه خالية من البشر ما عداه هو الذي مارس اغترابه بجميع أبعاده.

16