ألا توجد فلسفة عربية أو أفريقية أو آسيوية!

الفلسفة مجال للاستعمار والتقييم التعسفي من الغرب للآخر المختلف، وتحرير الفلسفة من تحيزاتها ومضامينها العنصرية والكولونيالية هي مهمة أساسية ينبغي أن يضطلع بها النقد المعرفي المعاصر.
الجمعة 2019/08/02
الفيلسوف ليس مواطنا عالميا (لوحة للفنان زكرياء الرحماني)

لم تخفت النظرة الاستعمارية التي يرى بها الغرب الآخر، مثلا الأفريقي والآسيوي. نظرة نجدها مكرسة في الفكر والفلسفة بشكل كبير. حيث يلغي الغربيون كل نتاج أو تأثير فلسفي عن الشعوب الأخرى. ويقدّم لنا الفيلسوف على أنه كوني، فيما هو غربي بالأساس. ألا توجد فلسفة ورؤى أخرى للعالم عدا ما أنتجه الأوروبي والغربيون عموما؟

سأعالج هنا مسألة تتعلق بالنقد الموجه، في السنوات الأخيرة، إلى الفلسفة الغربية من طرف عدد من المفكرين والدارسين الآسيويين والأفارقة جرَاء عنصريتها أو مشاركتها في تسويغ ظاهرة الاستعمار أو مساندتها ودعم منتجيها خلال نصوصهم لمختلف أشكال احتلال واضطهاد شعوب العالم الثالث.

ويلاحظ أن هذا النقد قد نشط بشكل متزايد بعد تثبيت أقدام الدراسات الثقافية المقارنة والدراسات ما بعد الكولونيالية في كثير من الجامعات الأوروبية/ الغربية.

تحرير الفلسفة

في هذا الخصوص قد صدرت كتب كثيرة في الغرب أنجزها مفكرون ونقاد ومؤرخو أفكار بعضهم من أصول غربية، ويعود هذا إلى فهم هؤلاء أن الفكر هو نتاج تاريخي ومثاقفة إنسانية، أما النقاد والدارسون المنحدرون من أصول أفريقية وآسيوية فقد تصدوا بالنقد لعلاقة بعض الفلاسفة الغربيين ونصوصهم بالاستعمار. وقد حدث هذا عندهم بعد استقرارهم في البلدان الأوروبية/ الغربية ومعاينتهم للبيئات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي أثرت عميقا على تشكيل المواقف الفلسفية المرتبطة بالكولونيالية وتأثيراتها السلبية في الماضي وفي الحاضر معا.

ومن هذه الدراسات كتاب جماعي صدر مؤخرا في لندن/ بريطانيا ويحمل عنوان “نزع الاستعمار عن الجامعة الأوروبية/ الغربية كمفرد بصيغة الجمع”، وهو من تحرير كل من غورميندر بهامبرا، وداليا غابريال وكارن نسانسيوغلو.

ويركز فصل “نزع الاستعمار عن الفلسفة” الوارد في هذا الكتاب على الآليات التي بموجبها يمكن أن يتحقق هذه الهدف، وفي هذا الخصوص تم التأكيد أن “نزع الاستعمار على الفلسفة في آسيا وعبرها يتطلب فهم دلالة تاريخ الفكر الأسيوي في الحاضر”. وأن نزع الاستعمار عن “الفلسفة والنظرية في آسيا وعبرها بواسطة اقتفاء أثر المساهمات الدالة لمفكري شرق آسيا وذلك عن طريق الإيحاء بالتحديات التي يجب أن تدرس في مجال نزع الاستعمار عن الفلسفة”، أو بالأحرى عن جغرافيا العقل.

من الصعب تعميم تفكير هذا الفيلسوف أو ذاك على مجتمعات مختلفة لها قسماتها الحضارية والتاريخية التي تميزها

من المعروف أن ظاهرة التفلسف التجريدي قد بقيت حكرا على النخب القليلة على مدى زمان طويل، وفي الوقت نفسه فقد استبعد الدارسون الفلسفة من دراسة تأثير مواقعها التاريخية على تشكيل مضامينها ورؤاها، وهكذا اعتبروها في الغالب نوعا من التفكير العابرة لخصوصيات المجتمعات.

وعلى هذا الأساس بالذات تمَ التعامل مع الفلاسفة المهيمنين، الذين عرفهم العالم أجمع، كمواطنين عالمين بغض النظر عن مواقع ميلادهم وانتماءاتهم العرقية أو الإثنية. ولاشك أن تميَز الفيلسوف بخاصية إبداع المفاهيم الكلية مثل الصيرورة، والماهية، والكينونة، والمقولات التي لا يمكن أن يفكر أو يعقل البشر العالم والموضوعات دونها هو الذي جعل ويجعل معظم دارسي ومؤرخي الفلسفة يميلون إلى تحييدها وتجنَب موقعتها ضمن إطار هذه الهوية الثقافية أو تلك الهوية الحضارية الأخرى.

ولكن الدراسات الحديثة قد أبرزت أن للفلسفة مواقعها التاريخية التي لعبت دورا حاسما في بناء تصوراتها والأفكار التي تكرَسها، كما أوضح هذا النمط من الدراسات أنه بقدر ما يعبّر هذا الفيلسوف الفرد عن العوالم الميتافيزيقية أو التجارب والرؤى الكونية إلخ.. فإنه يعبر دون أدنى شك عن وجهة نظر محددة ومؤطرة تاريخيا لمجتمع معين ولحياة معينة، ونتيجة لذلك فإنه يصعب تعميم تفكير أو موقف هذا الفيلسوف أو ذاك على مجتمعات مختلفة لها قسماتها الحضارية والتاريخية التي تميزها. وبناء على هذا فإن تحرير الفلسفة من تحيزاتها ومضامينها العنصرية والكولونيالية هي مهمة أساسية ينبغي أن يضطلع بها النقد المعرفي المعاصر.

 في هذا السياق ينبغي أن نصنف نقد الدارس ومؤرخ الأفكار مارتن برنال للمركزية الفلسفية الغربية في كتابه المهم “أثينا السوداء” بجزئيه حيث قدّم مسحا دقيقا مدعما بالشواهد لتأثر الثقافة اليونانية، بما في ذلك عنصرها الفلسفي وعنصرها الأسطوري، بروافد فكرية وأسطورية آتية من الجذرين الثقافيين: الآسيوي والأفريقي، علما أن هذا الجانب الحيوي قد ظل مغيَبا عن جهل حينا وعمدا حينا آخر في التعليم المقدم في المعاهد والجامعات الغربية وفي مراكز البحث الفلسفي.

 في كتابه “التراث المسروق” قام الدارس ومؤرخ الفلسفة الأميركي جورج جيمس بنقد الدراسات الفلسفية الغربية التي تأثرت بالموقف الاستعماري، وأدى هذا التأثر بأصحابها إلى طمس تضمين كبار فلاسفة اليونان للأفكار الفلسفية النابعة من الحضارة المصرية، ولتفنيد هذا الطمس قام هذا الدارس الأميركي بإجراء مقارنات بين نصوص فلاسفة اليونان والأفكار السائدة في مصر. واستنتج أن ثمة مثاقفة فلسفية بارزة ومثمرة بين فلاسفة اليونان وبين حضارة مصر، ولا شك أن نموذج المدرسة الإسكندرية التي تعود إلى القرن الأول الميلادي هو شاهد على وجود العلاقة بين الفكر اليوناني والفكر الشرقي.

إن تفكيك هذا الإنكار الذي يميّز نماذج كثيرة من الدراسات الفلسفية الغربية ينبغي أن يمتد إلى تحليل ونقد تفاقم ظاهرة ملفتة للنظر وهي التقييم التعسفي المتمركز أوروبيا وغربيا للعقل الأفريقي والعربي والآسيوي، ومن نماذج هذا التمركز ذي الخلفية الكولونيالية تصنيف لورانس للعرب في كتابه “أعمدة الحكمة السبعة” للعقل العربي بأنه عقل تحليلي لا يبدع فلسفيا في مقابل العقل الغربي التركيبي الذي يتميز في تقديره بأنه عقل فلسفي مبدع.

ولا شك أن هذا التوجه المعروف لدى لورانس العرب له أنصاره ومؤيدوه المعاصرون لنا في الساحة الأكاديمية الأوروبية/ الغربية حيث هناك من يصنف العقل العربي بأنه عقل يقوده الوحي في حين أن العقل الغربي يقوده النقد الصارم للوحي بواسطة ابتكار الأسئلة الكبرى حول الكون.

 وهناك أيضا فهم شعبي غربي للعقل الأفريقي يعيد إنتاج الأفكار التي تتضمنها النظريات الفكرية الاستعمارية وفي صدارتها نظرية العرق لدى غوبينو، إذ ثمة عبارة تتردد في الأوساط الشعبية اليمينية الأوروبية وتستخدم كلمة الغابة ككناية للتوحش، وكلمة القرد ككناية للأفريقي، وتقول هذه العبارة “إنه يمكن أن تخرج القرد من الغابة، ولكن من المستحيل أن تخرج الغابة من رأس القرد”.

تعليم منحاز

هناك أيضا التجاهل المنهجي للإنتاج الفلسفي والفكري النقدي الآسيوي والأفريقي سواء على مستوى النصوص التي تتضمنها البرامج الدراسية بالمعاهد والجامعات الأوروبية/ الغربية، ما عدا ما يدرس من نصوص غير غربية في فضاءات بسيطة تدعى بأقسام الدراسات الشرقية والأفريقية، وهي في مجملها لا تخاطب الجمهور الطلابي الواسع في المدارس والمعاهد والكليات الأساسية. وبخصوص هذه المناهج التعليمية فإن النصوص الفلسفية القديمة والحديثة والمعاصرة التي تدرس للطلاب الأوروبيين والأميركيين والأستراليين والكنديين وهلم جرا، ويعتبرها نقاد الفلسفة في الغرب صورة للعقل الفلسفي الإنساني، هي في مجملها نصوص لفلاسفة أوروبيين/ غربيين، وبسبب ذلك فإننا لا نعثر في هذه المناهج والبرامج الدراسية على النص الفلسفي المنتج خارج أسوار أوروبا/ الغرب.

هناك من يصنّف العقل العربي بأنه عقل يقوده الوحي في حين أن العقل الغربي يقوده النقد الصارم للوحي

ولاشك أن هذه الظاهرة ليست محصورة في الإنتاج الفلسفي فقط وإنما تمتد إلى مختلف الحقول المعرفية الأخرى مثل النقد الأدبي والمسرح والنص القصصي والروائي والشعري وهلم جرّا.

وفي مثل هذا الوضع تنتفي أساب الحوار الثقافي بين الطلاب الأوروبيين/ الغربيين وبين الإنتاج الفكري والثقافي والفني الأفريقي أو الآسيوي على سبيل المثال. أما ما يدرس في أقسام الدراسات الأفريقية والشرقية فهو قليل جدا ولا يمس إلا نخبا مجهرية أوروبية/ غربية، ويعني ذلك أن هذه الأقسام والشعب والمراكز لا تعرَف المجتمعات الشعبية الأوروبية/ الغربية على تفاصيل وتطورات فكر الآخر الأفريقي أو الأسيوي.

أما على ما ينشر من الأنطولوجيات وكتب المختارات المكرّسة للنصوص الفلسفية العالمية والصادرة في أوروبا/ الغرب، فإن معاينتها تبين لنا أيضا أنها تخلو تماما من النصوص الفلسفية الأفريقية والشرقية بما في ذلك العربية طبعا. فالغربي يدرس، مثلا، بعناية كاملة عبقرية عقل أرسطو الذي أنتج المقولات العشر وعبقرية إيمانويل كانط ولكنّ الطلاب الأوروبيين/ الغربيين محرومون من الاحتفاء بالمقولات التي أضافها المفكر المصري عبدالرحمن بدوي في كتابه المعروف “الزمان الوجودي” ومن تأمل تفلسفه المطور للفلسفة الوجودية.

15