ألبير كامو فيلسوف الفوضى في كتابه الجديد

الأربعاء 2016/06/01
كتابات مناصرة للتيارات والحركات الفوضوية والنقابية

يضمّ الكتاب الجديد لألبير كامو بعنوان “الكتابات الفوضوية 1948-1960” نصوصا ومقالات كان صاحب “الإنسان المتمرد” قد نشرها في صحف ومجلات مناصرة للتيارات والحركات الفوضوية والنقابية المناهضة للرأسمالية المتوحشة.

وجميع هذه المقالات تعكس روح التمرد الدائم لدى كامو، ورغبته في التحرر من كل القيود التي يمكن أن تكبله سياسية كانت أم فلسفيّة أم غيرها. وقد صدر الكتاب هذه الأيام عن دار”أنديجان” بباريس.

وكان أحد الصحافيين الإيطاليين قد كتب في الستينات من القرن الماضي، يقول إن ألبير كامو ترك فكرا فوضويّا اختفى بعد وفاته في حادث السيّارة العبثي في الرابع من شهر يناير 1960.

وقد لفتت هذه الجملة انتباه كاترين، ابنة كامو التي دأبت منذ وفاته وحتى هذه الساعة على السهر على كل ما تركه من أعمال منشورة وغير منشورة.

لذلك شرعت منذ التسعينات من القرن الماضي، في البحث عن المقالات والنصوص التي كتبها والدها، مناصرا الفكر الفوضوي الذي تعرف عليه، وتعمق في دراسته في الفترة التي كان منشغلا فيها بإعداد المواد الأساسية لكتابه “الإنسان المتمرد”. أثناء ذلك، اتصلت كاترين بجامعيين وأكاديميين طالبة منهم أن يدرسوا الجانب الفوضوي في فكر صاحب “أسطورة سيزيف”، غير أنهم لم يتجاوبوا مع طلبها.

وفي شهر أكتوبر 2008، احتضن البيت الذي اشتراه ألبير كامو في الريف الفرنسي بعد إحرازه على جائزة نوبل للآداب عام 1957، لقاء أدبيا حمل عنوان “هبة الحرية: ألبير كامو والفوضويّون”. وفي ذلك اللقاء، تمّ الكشف عن الجوانب الفوضوية في فكر ألبير كامو، سواء في سنوات شبابه، أو في سنوات نضجه. ففي الثلاثينات من القرن الماضي، أظهر تعاطفا مع الحركة الوطنية الجزائرية بزعامة مصالي الحاج. وفي المقالات والتحقيقات التي كتبها في تلك الفترة، ندد بالمظالم الاستعمارية وبالاستغلال الفاحش الذي يتعرض له المزارعون الجزائريون الفقراء في الأرياف.

بعد الحرب الكونية الثانية، أبدى ألبير كامو احترازه من منظمة الأمم المتحدة بسبب حق الفيتو الذي تتمتع به الدول الكبيرة فقط. وعليها كان يفضل ما سماه بـ “برلمان مواطني العالم”.

كما أنه لم يتردد في مساندة الطيار الأميركي غارّي دافيس الذي انتقد بشدة الاتفاقيات العسكرية بين المعسكر الشرقي بزعامة ما كان يسمى الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية. ولم يتحمس كامو لمشروع الوحدة الأوروبية الذي بدأ يتبلور في أواخر الخمسينات من القرن الماضي إثر المصالحة الفرنسية-الألمانية.

وكان يرى أن على الوحدة إن هي تحققت ألا تلغي الفوارق والحدود الجغرافية بين البلدان. وعلى هذه الوحدة أيضا ألا تكون قائمة على الربح الاقتصادي وحده. ومعنى هذا أنه كان مع “أوروبا الشعوب، وليس مع أوروبا الدول والمؤسسات والبنوك”.

وتقول كاترين كامو إن والدتها فرانسين ظلت على علاقة وطيدة بأصدقاء والدها الذين كانوا يجاهرون بأفكارهم الفوضوية، وترى أنه لم يكن من الغرابة في شيء أن يظهر والدها ميولا نحو الفوضوية، إذ نشأ في محيط فقير، وعاشر طفلا ومراهقا المهمشين وافقدي الأمل.

وفي كتابه الأول “الوجه والقفا”، أظهر كامو نفوره من الفكر العقلاني الديكارتي (نسبة إلى ديكارت)، مبرزا الجانب الحسّي المستمد من المحيط المتوسطي، ومن الفكر الديونيزيوسي.

وتضيف كاترين كامو قائلة “كان والدي متوحشا. وكان يسعى إلى أن يكون ‘متحضرا’، غير أنه كان يحب الحياة من دون قيود. فقد كان له اندفاع وعزم جسدي على رفض كلّ ما هو قبيح، ومصطنع، وكاذب. وقد علّمنا أن نكون أحرارا ومسؤولين في نفس الوقت. بالنسبة إليه، أن يكون الإنسان يساريّا يعني أن يمارس حريته ويحترم المسؤولية الملقاة على عاتقه”.

لذلك تعتقد كاترين كامو أنه لم يكن من السهل على أحزاب اليسار أو اليمين أن “تكتسب” ثقة والدها الذي كان يحب الجلوس على كرسيين، وليس على كرسي واحد كما هو حال الكثير من مثقفي ومفكري الخمسينات والستينات من القرن الماضي. والفكر الفوضوي بالنسبة إليه كان يعني أن يكون المثقف واعيا بآلام الآخرين وبعذاباتهم، وأن يكتب ما لم يتمكنوا هم من تعريته والكشف عنه.

وفي ردها على إدوارد سعيد الذي نعت والدها بأنه “كاتب كولونيالي”، قالت كاترين كامو إن هذا الوصف لا يمكن أن يصدر إلا عن مفكر وناقد لم يقرأ مؤلفات والدها جيدا متوقفا عند “القشور”.

فقد كان كامو بحسب رأيها يذهب بعيدا في أفكاره، ويحاول دائما أن يأتي بما هو جديد في المجال الفكري والفلسفي. لذا كان “يخيف” كل الذين يتوقفون عند سطح الواقع، ويزعجهم، ويغيظهم.

15